15- والبعض لا يتصور وقوع المخالفة مع الْتزام الشريعة، وهذا قصور من البعض وجهل من الآخر، والْتواء وتجاهل من فريق ثالث يمسك بأغلب أزمة التوجيه الديني المعاصر..

ونوضح هذا من كلام ابن القيم رحمه الله، يقول: "إن لم يعتقد وجوبه عليه ولم يلتزمه فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه عليه وخالفه فهو زان" (زاد المعاد؛ ج: [4]، ص: [10]).

كما أشكل على البعض كلام العلماء أن المخالفة مع سلامة الاعتقاد تكون معصية، فظنوا أن الاعتقاد هنا هو التصديق فقط بينما المقصود بالاعتقاد هنا أصل الدين بشقيه التصديق والقبول، وأجمل أهل العلم المصطلح لوضوحه، فلما أشكل على بعض المتأخرين أوضحه العلماء، ونوضح هذا بمثالين لابن تيمية رحمه الله أحدهما في رفض التزام الواجبات والآخر في إسقاط المحرمات.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله موضحًا الخلاف في ترك الصلاة بين حالة أن يرجع الخلل إلى أصل الدين فحكمه محل اتفاق بين أهل العلم، وبين أن يرجع إلى الفروع بالخلل في باب (الدخول في العمل) فهو محل الخلاف.

ويوضح رحمه الله أن الخلل إذا كان راجعًا إلى أصل الدين فهو في حالتين:

حالة الخلل في التصديق.
وحالة الخلل في القبول والالتزام.
يقول رحمه الله: "وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين. ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والْتزم فعلها ولم يفعلها، وأما من لم يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم، وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: أنه إن جحد وجوبها كفر وإن لم يجحد وجوبها فهو مورد النزاع بل هنا ثلاثة أقسام:

أحدها: إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق.

والثاني : أن لا يجحد وجوبها لكنه ممتنع من الْتزام فعلها كبرًا أو حسدًا أو بغضًا لله ورسوله، فيقول: أعلم أن الله أوجبها على المسلمين والرسول صادق في تبليغ القرآن ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارًا أو حسدًا للرسول أو عصبية لدينه أو بغضًا لما جاء به الرسول، فهذا أيضا كافر بالاتفاق؛ فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للإيجاب فإن الله تعالى باشره بالخطاب وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكذلك أبو طالب؛ كان مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه وخوفًا من عار الانقياد واستكبارًا عن أن تعلو إستُه رأسَه؛ فهذا ينبغي أن يتفطن له، ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولًا للتكذيب بالإيجاب ومتناولاً للامتناع عن الإقرار والالتزام، كما قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام من الآية:33]، وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل:14]، وإلا فمتى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفر بالاتفاق.

والثالث : أن يكون مقرًا ملتزمًا؛ لكن تركها كسلًا وتهاونًا أو اشتغالًا بأغراض له عنها، فهذا مورد النزاع كمن عليه دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه لكنه يمطل بخلًا أو تهاونًا" (مجموع الفتاوى؛ ج: [20]، ص: [97-98]).

كذلك لفظ الاستحلال، من لم يفهم مصطلح شيخ الإسلام ظن أنه يقصد به دائما الخلل في الجانب الخبري فقط دون الخلل في العبادة والقبول، كما هو مصطلح هؤلاء المرجئة والجهمية الذين يقيدون كل خلل في توحيد العبادة، فيقيدون الشرك الأعظم في العبادة بقيد الاستحلال الخبري (بالشك أو التكذيب) دون رد التحريم، جهلًا منهم بحقيقة المصطلح أو تلاعبًا به، للهروب من حق الله تعالى على العبيد في إفراده بالعبادة..

بينما يوضح شيخ الإسلام رحمه الله حقيقة هذا المصطلح، فيقول:

"الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.

وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها بغير فعل، والاستحلال:

اعتقاد أن الله لم يحرمها (التكذيب بالتحريم).
وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، (الشك في التحريم) وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو لخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة.
وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه. ثم إن هذا الامتناع والإباء: إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته.
وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وهو إبليس ومن سلك سبيله.
وبهذا يظهر الفرق بين العاصي؛ فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويحب أنه يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل، لكن لم يكمل العمل" (الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ ص: [521-522]).

- ولهذا لما ذكر مفتي السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله أنواع الخروج عن الشريعة ذكر أنواع الاعتقادات أولا، لأنها في خلل في عبودية الربوبية، في جانب التصديق..

ثم ذكر أن وضع الأنظمة والمحاكم لتقضي بقوانين موضوعة للقضاء بين الناس في الدماء والأموال والأبضاع، يدخل الناس اليها أفواجا إثر أفواج، كنظام عام يُحمل عليه الناس حملا، أن هذا أشد مما قبله.

ولم يقيده رحمه الله باعتقاد أو تسويغ أو قول أو غيره، بل جعل هذا الوضع بابًا بنفسه، ردة وخروجًا عن دين الله، وهو حالة بنفسها، الخلل فيها راجع إلى العبادة لا إلى الاعتقاد.

- وهذا هو الأمر المستقيم مع كلام أهل السنة أن الإيمان تصديق الخبر وقبول الحكم أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، أو القول والعمل، أو التصديق والالتزام، كلها مترادفات لنفس المعنى.

16- فالخلل في باب العبادة والقبول والاستسلام لا يتقيد بالخلل في الاعتقاد؛ بل هذا باب وذاك باب آخر، وكلاهما من التوحيد وأصل الدين.

بل وبعض العلماء يجعل الخلل في العبادة والقبول علامة على خلل في الربوبية، ولا يقيدونها به، فيقولون -كما قال ابن عثيمين رحمه الله- أن وضع شريعة غير شريعة الله تعالى وقوانين وأحكامًا سوى ما شرع تعالى يدل على أن صاحبها يعتقد كونها أحسن من حكم الله وشرعه، ولولا ذلك لما جعلها بدلًا من شريعة رب العالمين.

وهذا كلام أكثر استقامة ممن يقيد الخلل في العبادة بخلل آخر في الاعتقاد والتصديق..

مع تقرير عدم التلازم بينهما، فمن الناس من ينحرف في باب العلم والتصديق، وآخرون ينحرفون في باب العمل والقبول.. هذا خلل في علم القلب وذاك خلل في عمل القلب.. هذا يجعل صاحبه من الضالين، وذاك يجعل صاحبه من المغضوب عليهم الغاوين.

17- لكن تجد من لم يميز بين حقيقة قول المرجئة وحقيقة قول أهل السنة، ولم يتقن ما عليه أهل السنة بل سرت اليه بدعة الجهمية، فأخذ ينصر قول المرجئة محتجًا أنه يرد على الخوارج، ويتهم من خالفه بأنه قال بقول الخوارج، مخوفًا الناس من القول الحق الذي لم يتقنه ولم يستوعبه.

ولهذا تجدهم في حال تبديل الشرائع وحمل الناس على غير أحكام الله تعالى وإلزامهم بغير شريعته وتتبع وقتل دعاته، تجدهم يقولون:(إذا قال) (أو اعتقد) (إذا زعم).

فأما القول فإنه لو قال المبدلون لتأوّلوا لهم، وأما الاعتقاد فلن تعلم ما في باطنهم!

وهكذا يستقر التبديل وهم يظللونه ببدعهم التي سيلقون الله تعالى بها في يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ولن تنفع يومئذ تلك الألسنة وذلك الحجاج وقد أهدروا شريعة الله وخذلوا دينه ونصروا أعداءه، وخرجت أجيال تبتعد شيئًا فشيئًا عن دين الله بخطط المجرمين وفي حماية هؤلاء المبتدعين، ويوم يلقون الله: {وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} [الشورى:35]، فتسقط الحجج ويكفّون عن الجدال.

فالخلل في القول والعمل هو خلل مستقل، والخلل في العبادة والقبول خلل آخر، ولا يتقيد هذا بذاك، فلا يقال أن قبول غير شرع الله خلل في أصل الإيمان إذا قال أو اعتقد، فهذا من التلبيس الشديد؛ إذ أنهم يقررون الأمر على كلام أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، ثم عند التفسير وعند النفي يقولون أن الخلل في العمل (القبول والاستسلام، وهي العبادة) لا يكون خللا في الأصل إلا إذا قال أو اعتقد، فيقيدون الخلل في الألوهية بالخلل في الربوبية.

وعندئذ تكون حقيقة ما أثبتوا هو توحيد الربوبية فقط، يعني التصديق فقط، فيؤول قولهم إلى قول الجهمية أن الإيمان هو مجرد المعرفة، لأنهم أثبتوا نواقضه، وأما توحيد الألوهية والعبادة فلم يثبتوا له نواقض مستقلة إلا بقيد الخلل في الربوبية فيرجع الناقض في الحقيقة إلى الربوبية والتصديق لا إلى العبادة، فيكون إثباتهم للألوهية والعبادة هو تمويه على الناس والقول الظاهر بقول أهل السنة لتحقيق الإنتساب اليهم ثم ينفون حقيقة قولهم ويثبتون قول المرجئة، ويفسر ونجمل أهل السنة على مقتضاه.

وكلما أوضح الناس حقيقة قول أهل السنة وبيان حقيقة رد أمر الله صاحوا محذرين من الخوارج!

بينما أوضح تعالى أن كلًا منهما باب انحراف غير الآخر، فالضلال غير الغواية {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة من الآية:7] {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} [النجم:1]، {رَبَّنَا هَـٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا} [الأعراف من الآية:38] غير {هَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا} [القصص من الآية:63]، والأفاك الكاذب غير الأثيم: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}[الجاثية:7]، والريب غير الخوض في الباطل: {الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور:12] {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان:9]، والتكذيب بالآيات غير الاستكبار عنها أو الصدف عنها: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف من الآية:40] {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} [الأنعام من الآية:157].

فمن كذب ولم يستكبر أو استكبر ولم يكذب أو جمعهما فكذّب واستكبر معًا له نفس الحكم، وكما قال أبو حنيفة: "من قال أصدق الرسول ولا أطيعه لم يكن مؤمنًا، ومن قال أطيعه ولا أصدقه لم يكن مؤمنًا، حتى يطيعه ويصدقه جميعًا" (الإيمان لابن تيمية).

ولهذا قال تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ . وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} [القيامة:31-32]، فالتكذيب باب غير التولي، ولو صدق وتولى لم يكن مؤمنًا لأنه رد الأمر، ولو كذب وأطاع لم يكن مؤمنًا لأنه منافق.

يقول محمد بن نصر المروزي فيما نقل عنه شيخ الإسلام في كتاب (الإيمان)، عندما يراد بالإيمان التصديق وبالإسلام قبول الأحكام -وهذه علاقة غير علاقة المراتب- بل هذه علاقة تلازم، يقول ابن تيمية نقلًا عن المروزي:

"كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر؛ فهما كشيء واحد: لا إيمان لمن لا إسلام له؛ ولا إسلام لمن لا إيمان له إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلام هو لا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94] وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} [طه:75]، فمن كان ظاهره أعمال الإسلام، ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقًا ينقل عن الملة. ومن كان عقده الإيمان بالغيب، ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفرًا لا يثبت معه توحيد، ومن كان مؤمنًا بالغيب مما أخبرتبه الرسل عن الله عاملًا بما أمر الله فهو مؤمن مسلم" (مجموع الفتاوى؛ [7/333]).

18- لا بد من بيان الفرق بين قبول الأحكام والدخول في الأعمال.. وهو الفرق بين الطاعة الراجعة إلى أصل الدين والطاعة الراجعة إلى الفروع..

فالطاعة في أصل الدين هي الإلتزام والاستسلام بمعنى القبول والانقياد للأحكام والتزامها قانونًا حاكمًا عامًا وخاصًا..

وأما الطاعة الراجعة إلى الفروع فهي الدخول في الأعمال يعني القيام بالعمل نفسه المأمور به أو ترك العمل المنهي عنه.

فقبول الأحكام راجع إلى أصل الدين، وهو لا يتبعض {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة من الآية:85].

فكما أن من صدّق بخبر الرسول وكذّب ببعضه لم يُقبل تصديقه ولم يعتدّ به حتى يصدّق بجملة ما أخبر به، فكذلك من قبِل شريعته وردّ بعضها لم يُقبل التزامه حتى يصدق بكل ما أخبر ويقبل كل ما شرع..

وهذا توحيد وضده الشرك.

وأما الدخول في الأعمال فيتبعض {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة من الآية:102] -وكلنا هذا الرجل- وسواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة أو تغلظت بإصرار أو مجاهرة، فهي في نطاق مخالفة الدخول في الأعمال، وهو أمر راجع إلى الفروع.

وهذه طاعة وضدها معصية.


19- أما اليوم فالأنظمة الموجودة عندنا أنظمة علمانية تفصل الدين عن الحياة وترفض الرجوع إلى الشريعة وترفض الإلتزام بها..


والقانون يصبح ملزِمًا إذا صدر تعبيرًا عن إرادة المشرع الوضعي لا إذا رجع إلى شريعة الله.

وثبوت مخالفة حكم للشريعة لا يعني إبطاله، ومجرد ثبوت الحكم في الشريعة لا يعني الإلزام به، ولو كان قطعيًا كحرمة الزنا لغير المتزوج وتحريم الربا والخمر والعري والرقص الفاجر، ووجوب الشعائر وإيجاب الحدود وغير ذلك من أحكام رب العالمين تعالى.

وأحكام الشريعة تأتي -بنص القانون- بعد القانون العادي، ثم العرف؛حيث تأتي مباديء ـ وليس أحكام الشريعة ـ في الدرجة الثالثة الإلزامية، وإذا حكم القاضي بالشريعة وترك القانون أو العرف فهو قد حكم بما هو أقل درجة في الإلزام (الدرجة الثالثة) وترك ما يجب عليه وهو الدرجة الأولى الملزمة، يعني الأعلى إلزامًا!

وأما نص الدستور -المصري كمثال- أن "مباديء الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع" فهي محل احتجاج معظم الملبّسين، كما يُخدع بها معظم الجهال أو المخدوعون ومن يحسنون الظن ولا يدرون حقيقة الأمور، بل لا يتدبرون حقيقة واقعهم وغياب شريعتهم.

فهذه المادة لا تعني تحكيم الشريعة ولا الالتزام بها في شيء.. ولا بد من العلم بأمور عن هذه المادة:

1 . النص على أنها المباديء وليست الأحكام، ويضطربون في تفسير المباديء ما بين أنها النظريات الإسلامية العامة، أو أنها ما يسمونها (روح الشريعة)، أو المقاصد الخمسة الضرورية.. لكنهم يتفقون على رفض إلغاء كلمة (مباديء) خوفًا من تحكيم الشريعة! فقد قالوا "لا بد من وضعها لأننا لو حذفناها سيأتي الإسلاميون يقولون{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة من الآية:38] ويقولون {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور من الآية:2]، ولن نسمح لهم بذلك"! فرفض حذف هذه الكلمة المستشار نور فرحات معترضًا على اقتراحات حذفها في دستور2012 الذي تم إلغاؤه في مصر بعد الانقلاب.

كما يقولون أن هذه المباديء عامة في جميع الأديان والقوانين وبالتالي هم غير مقيدين بأوجه حفظها التي جاءت في الشريعة المحمدية من خلال الأحكام التفصيلية التي فصّلت طرق تحقيق هذه المبادىء، على أن يحققوها هم بالطرق التي يرونها، فيجعلون لأنفسهم رخصة الخروج من الشريعة والتحلل منها بزعم أنهم قد حققوا الحفاظ على المقاصد الخمس! ومن سوّغ الخروج عن الشريعة بهذه الحجج فهو مثل من سوغ الخروج عنها لعلم الباطن الصوفي والوصول إلى اليقين، ومن قال هذا فقد كفر بالإجماع.

2 . أن نص المادة يقول أن الشريعة هي المصدرالرئيسي، وليس الوحيد، فهذا نص صريح بوجود شركة في المصادر مع دين الله تعالى، لو صح أصلا الأخذ من الشريعة.

3 . أنها لا تعني إبطال أي حكم أو قانون يخالف الشريعة، والقوانين طافحة بالمخالفات والمصادمات للشريعة.

4 . جميع فقهاء الدستور يقررون أنها مادة غير ملزِمة للمشرع حيث أنها نصيحة وليست إلزامًا..نصيحة بأن يستوحي من (مبادئ) دين غالبية الناس، ولكن له أن يأخذ تشريعه من غيره ويصرح بهذا إذ أن المادة نفسها تقرّ بهذا ولا تمنعه.

5 . أنها خطاب للمشرع وليس للقاضي، فلو كانت مادة جادّة -وليست للخداع- لكانت خطابًا للقاضي ألا يحكم إلا بما وافق الشريعة، وأنه لو ثبتت له مخالفة الشريعة في حكم فله أن يمتنع من الحكم به، كما يكون له الرجوع إلى الشريعة مباشرة في أحكامه، وهذا غير جائز له في القانون..

6 . لكن جميع الدستوريين يقررون أنها خطاب للمشرع، وعلى هذا فهي تقرر حق التشريع لمشرعٍ غير الله تعالى، تصبح الشريعة له مصدرًا ماديًا يستقي منه اقتراحات القوانين ولكنها لا تكون ملزمة بمجرد ثبوتها في الشريعة ولو بالنص والإجماع ولكن تصبح ملزمة إذا رضي عنها المشرع وصدرت تعبيرًا عن إرادته، وإذا رضي المشرع عن مادة ورفض أخرى أصبحت المادة المرضي عنها قانونًا ملزمًا، والأخرى ليست ملزمة.

مثال على هذا: تحريم المشرع للمخدرات قانونًا، ورفضه تحريم الخمر قانونًا، ورفض التزام تحريمها.

فلا يجوز زراعة حشيشة المخدر ولا تصنيعها ولا فتح محلات لها ولا تنظيم ضرائب على مكاسبها أو تأمين للعمال فيها! بينما كل هذا جائز للخمر بالقانون مع حق الإستيراد والتصدير والتأمين وخدمات البنوك.. هذا فقط مثال، مع العلم أن المخدرات حرمت قياسًا على الخمر.

كذلك الرقص وغيره مما حرم الله تعالى: تُحترم تعاقداته وتُلزم الراقصة بأداء ما اتفقت عليه في العقد لأنه عقد محترم وملزِم قانونًا! أو عليها أن تدفع الشروط الجزائية لأن هذا العقد -المشتمل على محرم صريح- يحميه القانون.

7 . لا تعني هذه المادة الكثير كذلك؛ فإن أغلب القوانين التي قُررت وبَدّلت الشرائع وحرّمت الحلال وردت الواجبات وغيرت العقوبات كلها تقررت منذ 1914 ودستور 1923 وهو أمر متقرر ومعمول به، وبقيت الأمور المستجدة الفرعية لا أكثر.. وهذه نقطة مهمة، فما دام ليس هناك نص بإبطال ما خالف الشريعة فستبقى هذه المواد خداعا للبسطاء ومادة للمزورين والمروجين.. وما أكثرهم في زماننا!


20- مع بيان الحق والتزامه لا بد من العدل ورحمة الخلق، ففي هذا المجال يجب التفريق بين عدة ظواهر؛ فواقعنا المعاصر يحمل ظواهر مختلفة بعضها هي ظواهر فسق والأخرى ظواهر تبديل ويجب الفرق بينها لئلا يقع أحد في الغلو كما لا يقع في الإرجاء والتفريط.. ففي واقعنا:


1. شيوع الفسق وارتكاب المعاصي من كثير من المسلمين مع رفضهم لتبديل الشرائع.. فهذه معاصي.

2. وجود دعاة علمانيون وخنادق تعادي هذا الدين وتحاربه بطرق شتى، وهؤلاء رافضون للشريعة مجاهرون بنقض أصل الإسلام.

3. الأنظمة القائمة على تبديل الشرائع تفتقد للشرعية الإسلامية وحق السمع والطاعة لها، بل وتوجب إسقاطها وإسقاط اعتبارها.

4. مع تقرير القاعدة أن من رغب عن شرع الله إلى غيره أو عدل بشرع الله سواهفهو مشرك، وأن التشريع حق خالص لله تعالى من ادّعاه لنفسه فقد كفر، ومن أقره عليه فقد كفر.

وهذه قاعدة عامة في دين الله تعالى تنطبق على من تحققت فيه، سواء داخل الأنظمة أو خارجها.

5. لا توجه إلى أحد تهمة التبديل إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، أو توجه له التهمة ولا يدان بها إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، بحسب ما قام به من تهمة أو ما اقترب فيه من مناصرة حالة التبديل.. لكن في كل الأحوال لا شرعية لأي نظام يقوم على فصل الدين عن الدولة، مع وضوح أصحاب الكفر البواح أصحاب الرايات المعادية للإسلام.


21- وجوب بيان جملة من الحقائق:

(1) أن من الناس من يتابع هذه الأنظمة على أمر يظنه، وهو مخالف للواقع، فيظن أن هذه القوانين اجتهادات لا تخالف الشريعة، جهلا منه بالمناط، فهو لا يتابِع على التبديل بل يتابع على ما يتوهمه، وهذا مجال للعذر.

(2) الأصل في المسلمين اليوم هو الإسلام إلا من تبين رده لدين الله وشريعته، فلا يقول قائل أن وجود الأنظمة المبدِلة يعني رضى جميع الناس بهذا التبديل فهذا خطأ ومخالف للواقع وغلو مرفوض وتكفير لعامة المسلمين وخيرتهم بما يتوهمه ويظنه.

ولا بد من التفريق بين الخضوع العام بسبب الإستضعاف، وبين الرضا والمتابعة على التبديل، فالكاره للتبديل البريء منه خاضع بسبب الإستعاف، وكذلك الراضي خاضع للتبديل لكن عن رضا، فمجرد وجود هذه الأنظمة لا يعني رضا الجميع بالتبديل.
بل الحقيقة أنه كلما تُرك للجماهير حق الإختيار اختارت راية الإسلام ومن يحمل شريعته.

(3) لا بد من التفريق بين التحاكم، وبين استيفاء الحقوق عند أوضاع الضرورة، فحالة الاستضعاف مع رفض التبديل لا يجعل المسلم مستباح الجناب للخلق.

وعلى هذا فليس كل من دخل المحاكم اليوم هو متحاكم إلى غير شريعة الله تعالى؛ إذ أن المسلم له أن يستوفي الحقوق التي أعطاه الشرع إياها من مغتصبها، فإن تعذّر هذا فله أن يطلب حقوقه المشروعة ممن له ولاية على مغتصب هذا الحق، والذي له ولاية عليه هي هذه السلطة الموجودة، فهو يطلب حقه المشروع، وهذا وضع ضرورة، لا يعتبر من يطلب حقه متحاكما، لكن لا بد من الكراهة للتبديل والبراءة منه وممن فعله "من شهد المعصية فأنكرها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها".

ولكن ليس له طلب حق يعطيه له القانون المبدَّل ولا يعطيه إياه شرع الله تعالى؛ فهذا يُخشى منه على صاحبه.

أما التحاكم فهو مثل من قيل له: تعال إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: بل تعال إلى كعب بن الأشرف، فهو الاختيار لغير شريعة الله تعالى.

وعمومًا فلأوضاع الضرورة والاستضعاف أحكامها وما تمثله من عذر.. لكن لا عذر في قبول غير شرع الله تعالى والرضا به والمتابعة عليه ومناصرة أهله.

(4) وجوب معرفة حقيقة قول أهل السنة وتقريرات كتاب الله تعالى وبيانه لحقيقة دين الإسلام، ووجوب معرفة الواقع وظواهره.. مع وجوب تعرية العلمانية وفضحها وبيان حقيقتها وحكم الله تعالى فيها.

(5) وجوب معرفة قول الخوارج في الحاكمية، ومعرفة معنى الحاكمية الصحيح المقرر في كتاب الله تعالى وهو المرادف لمعنى الإسلام، مع عدم تلبيس الحقائق تعللًا وتخويفًا من قول الخوارج ممن لم يتقن قولهم من قول أهل السنة ولا عرف الواقع ولا عرف حقيقة زمانه.

فالخوارج كفّروا بالانحراف في باب المعصية ولو لم يتحقق رد الشرائع أو تبديلها، كما أضافوا إلى ذلك الجهل الشديد فجعلوا تحكيم المسلمين فيما بينهم في الصلح -استجابة لحكم الله {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات من الآية:10]- جعلوه تحكيمًا للرجال في دين الله ونبذا لحكم الله! بينما هو في نفس الأمر امتثال لحكم الله تعالى وأمره.

وحكمُ الله تعالى تارة بتحكيم -كحال الصلح بين المؤمنين، أو الصلح بين الزوجين، أو تقدير المِثْل في الصيد البري للمُحْرِم، وما أحال فيه الشارع إلى العرف كنفقة الزوجات وأروش الديات- وتارة بغير تحكيم.

(6) أفسد النحوَ نصفُ نحوي، وأفسد الطبَ نصفُ طبيب، وأفسد الدينَ نصفُ فقيه، فالحذر ممن يتصدر للناس موقّعا عن رب العالمين، ولو خاف العبد لتردد كثيرا قبل المجازفة.

(7) الحذر من التعاجب بالعلم أو إفحام البسطاء واستنتاج أن ما معه هو الحق، فتقريراتنا لا تغير الحق عن حاله، وسيبقى الحق موجودا حيث طُلب.

كما أن الشهرة والتصدّر لتوجيه الناس ليست نعمة محضة بل هي ابتلاء، ومسؤولية جسيمة أن يتكلم شخص موقعًا عن رب العالمين ودالًّا عليه يثق الناس فيه ويحسنون الظن أنه يدلهم على الله، فلو أغواهم أو أضلهم أو أمّنهم في موضع فيا للداهية، فالحذر الحذر {لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]، كما يجب الحذر من سلطان أهل الباطل وتخويفهم، وزخرفتهم لباطلهم وجدالهم عنه {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء:74-75].

(8) نوصي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوله إذا قام من الليل: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (صحيح مسلم؛ برقم: [770]).

وقد ذُكر في الدعاء ثلاثة من الملائكة، كل منهم موكل بنوع من أنواع الحياة؛ فجبريل موكل بالوحي وهو حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقَطْر وهو حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للحياة بعد الموت، وهذا الدعاء طلب لحياة القلوب بالعلم وبيان الحق والتزامه.

فاللهم نسألك الهدى والرشاد، والسداد والثبات حتى الممات، واهدنا اللهم لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.