الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد..

جاء في أحد الردود على التفريق بين متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر، ومتى يكون كفرًا أصغر، ونُسب هذا الرد إلى أحد الدعاة المصريين..

فأورد قاعدة أن الحكم بغير ما أنزل الله إذا كان التزامًا لغير شرع الله فهو كفر أكبر، وإذا كان في بعض الجزئيات والتفاصيل فقط فهو كفر دون كفر، وقال بخطأ هذه القاعدة ونسب إلى من قالها أنه يُرجع كون الكفر أكبر أو أصغر إلى قِلة وكثرة الحكم بغير ما أنزل الله، أي إلى القَدْر والنسبة لا إلى جنس الفعل نفسه.. مما يوضح أنه لم يفهم مقصود هذه القاعدة، وفهم أن الموضوع متعلق بالقِلة والكثرة دون أن يعرف مناط التبديل من غيره ومتعلق الكفر الأكبر في المسألة ومتعلق الكفر الأصغر.. ثم أخذ يبين خطأ اطرادها -بحسب ما فهمه منها.

ثم أورد ما يراه صوابًا وقال أنه يكون كفرًا أكبر إذا زعم صاحبه، أو قال أن حكم غير الله أفضل أو جوّز ذلك بلسانه، دون أن يكون للفعل نفسه تأثيرًا.

وهذا الرد المشار إليه يحتوي على عدة مغالطات، ويلزم منه نتائج سيئة..

وفحوى هذا الرد في نقطتين:

الأولى: زعم أن تبديل الشرائع لا يكون كفرًا إلا إذا قال المبدلون أن شريعة غير الله أفضل أو صرحوا بما يعبر عن هذا، لكنهم ما داموا يبدلون الشرائع ويفرضون قوانين شرعها غير الله تعالى يلزمون بها الناس ويقضون بها في الدماء والأموال والأبضاع، ويربون عليها الناس في التعليم للنشء، وفي الإعلام لعامة المجتمع، وينشرون الإباحية والإلحاد، ويحاربون الإسلام ودعاته ويجففون منابعه ويقتلون رموزه ويستهزئون بأحكامه وعلمائه ورموزه.. ووالوا أعداءه ومكنوا لليهود وعادوا المجاهدين وخنقوهم وحاصروهم وفعلوا كل الجرائم، لم يكفروا ما داموا (لم يقولوا كذا أو يصرحوا بكذا!)، وهم لا يقبلون هذا الهراء على حقوقهم لكن قبلوه على دين الله تعالى.

الثانية: زعم صاحب هذا الرد أنه لما طالب من يقولون بكفر من بدّل الشرائع قالوا لهم أنه بحسب قلة وكثرة الحكم بغير ما أنزل الله، فلو حكم في جزئية واحدة لم يكفر ولو حكم في الكثير يكفر..

وزعم أن اطراد المسألة يأتي على ما قرره ويصح على وِفْقها، دون ما زعم أنه قول الآخرين.

وهذا كلام مضطرب وغير مستقيم.. ولم يقل به أحد بهذا المأخذ الذي زعمه هذا الرادّ، بل هذا ما فهمه هو بفهمه القاصر أو ما لفقه للناس ليرد على ما توهم لا على حقيقة ما يقولون.

إذ أن الكثير يتصور مآخذ ضعيفة ينسبها لأهل الحق فيرد عليها متوهما أنه أبطل حجتهم.. أو يتوهم مآخذ أخرى فيرد على ما توهمه يقرر بها قضايا عقدية بمآخذ المرجئة متسترًا ومنتسبًا لأهل السنة، ومخوفًا من يقرر قواعد أهل السنة بأن قوله هو قول الخوارج.. بينما لا يميز مأخذ المرجئة ولا مأخذ الخوارج من مأخذ أهل السنة وحقيقة قولهم في المسألة.

وقد حكى الأئمة كابن القيم رحمه الله وابن تيمية كذلك من قبله عمن يحكي جميع أقوال الفرق المختلفة ومذاهبهم، ولا يحكي قول أهل السلف والسنة، إلا أن ينسب اليهم قولًا ضعيف المأخذ يقول به بعض الفرق، جاهلًا بمأخذ أهل السنة والسلف وقولهم.

ولا بد من بيان النتائج السيئة فيما يترتب على مثل تلك الأقوال الملبسة.. وبيان حقيقة الأمر في موضوع الحاكمية والتشريع، بما يليق برد مختصر..

1- لا بد من بيان وتقرير حقيقة قول أهل السنة في أصل الإيمان، وفي المقابل حقيقة قول جهم والمرجئة الذي انتشر عند الكثير ممن يدّعي قول أهل السنة، وهو لا يدري.

فالإيمان عند أهل السنة يشمل أمرين: تصديق الخبر وقبول الحكم، أو التصديق والعبادة، أو التصديق والإلتزام، أو القول والعمل، يعنى به العمل في أصل الإيمان.. أو هو التصديق والتعظيم، أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وهو توحيد العبادة..

كل هذه تعبيرات عن حقيقة واحدة، هي شِق التصديق والمعرفة والإقرار، وشِق التعظيم والعبادة وقبول الأحكام والاستسلام.

ولا بد من اجتماعهما في أصل الدين {إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} [النمل من الآية:81] يعني صدّقوا وانقادوا، ومثلها: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} [الزخرف:69]، وغير ذلك من الآيات.

2- لو خلا التصديق من القبول لكان مجرد معرفة، والمعرفة وحدها ليست إيمانًا {فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}[البقرة من الآية:89]، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[الأنعام:20]، فأثبت تعالى المعرفة ونفى الإيمان فالإيمان ليس مجرد معرفة..

فإن انضم إليه الإقرار الخبري باللسان، كان إيمانًا مقيدًا قد يقترن به الشرك فلا ينفع صاحبه، وقد يخلو من الشرك في العبادة فيكون نافعًا وهذا هو الإسلام عندئذ..

وفي هذا جاء قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف:106] وتفسيرها أن إيمانهم إقرارهم بالربوبية وهو إقرار باللسان موافق لعلم القلب وتصديقه، ولكنهم يشركون بالله في العبادة؛ فلم يكن هذا إيمانًا شرعيًا، بل هو إيمان لغوي، أو إيمان شرعي مقيد، ولا يصبح إيمانًا شرعيًا إلا بترك الشرك في العبادة..

ونفس المعنى في قوله تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام من الآيتين:81-82]، وبتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الظلم هو الشرك، والشرك هنا هو الشرك في العبادة لا في الربوبية بدليل آية يوسف قبلها أن إقرارهم بالربوبية كان إيمانًا مقيدًا وأن شركهم كان في العبادة، وعلى هذا تواترت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى على تقرير هذا المعنى بإقرار المشركين بوجود الله تعالى، وبعضهم يعرف صحة الرسالة لكنهم رفضوا إفراد الله بالعبادة ورفضوا قبول شرعه{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النحل من الآية:35]، {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود من الآية:87] فرفضوا ترك الشرك ورفضوا التقيد بشرائع الأنبياء.

فلما كان هذا الإيمان (اللغوي) يحتمل اقتران الشرك ويحتمل ألا يقترن به عُلم أنه ليس إيمانًا شرعيًا، إذ أن الإيمان الشرعي لا يوجد مع الشرك الأكبر، وهذا هو الإيمان عندما يكون تصديقًا وإقرارًا فقط دون القبول والانقياد.

وليكون الإيمان إيمانًا شرعيًا مقبولًا يفرغ به صاحبه من العهدة ويحقق أصل الإيمان الذي هو أصل الدين وهو أصل الإسلام، لا بد من ترك الشرك في العبادة.

3- وترك الشرك في العبادة هو الإسلام {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر:66] فترك الشرك هو الإسلام.

وترك الشرك، وتحقيق الإسلام يكون بالاستسلام لله تعالى وحده في العبادة والطاعة.

وذلك بإفراد الله تعالى بالعبادة، وذلك بصرف أنواع العبادة والتوجه بها لله تعالى وحده، أما الأداء أو التقصير فيها فطاعة ومعصية.. إلا ما دل عليه النص بخصوصه وهي الصلاة، خاصة في حال تركها بالكلية، وهو محل خلاف بين الأئمة.

وإفراده تعالى بالطاعة يكون بقبول الأحكام من الله تعالى وحده، بقبول شرعه ورفض ما سواه، وبهذا يتحقق الإستسلام، فالاستسلام يتحقق بقبول الأحكام.

ومن استسلم لله ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم لله كان مستكبرًا، والإسلام أن يستسلم لله وحده.

وترجمة هذا أن من قبِل الأحكام من الله ومن غيره كان مشركًا، ومن لم يقبل حكم الله بالكلية كان مستكبرًا، والإستسلام أن يقبل الأحكام من الله وحده ويرفض حكم ما سواه..

فالمسلم يلتزم الحكم ويقبله لأنه صادر من الله تعالى إما بنص أو باجتهاد بما دلت عليه أدلة الشريعة وما قام ببيانه فقهاء الأمة وعلماؤها الكرام.

إذن لا بد في الإيمان الشرعي من أن يشمل الإسلام العام، وهو توحيد الألوهية، فالإسلام جزء مسمى الإيمان الشرعي.

4- لا يتم قبول الحكم الشرعي إلا بأن يُقبل كما نزل، في الشأن الخاص والعام، على هيئته الفردية والجماعية..

فمن قبِل من الله حكمًا في الجانب الفردي الشخصي دون الجانب الجماعي العام، وأباح التبديل في الشأن العام فقد رد أمر الله في الجانب الجماعي العام؛ فقصْر القبول على بعض ما نزل فيه الحكم هو عدم قبول لما أنزل الله تعالى إذ أن الله تعالى أنزل أحكامه عامة شاملة للمجال الفردي الخاص والجماعي العام..

5- وعلى هذا تأتي قضية الحكم بما أنزل الله تعالى في هذا السياق، حيث تدخل عقائد المرجئة والجهمية بخبث شديد لتلبّس على المسلمين أمر دينهم.

فنقول ما هو المراد بالحكم بغير ما أنزل الله؟

هذا المصطلح يطلق ويراد به ثلاث صور:

1. الحكم التشريعي بمعنى قبول التشريع من الله تعالى وحده، أو التشريع بغير ما أنزل الله، معه أو من دون، ورد الأمر إلى غيره.

2. القضاء بين الناس.

3. الاجتهاد.

المعنى الأول: هو معنى الإسلام أو الشرك، وهو متصل بأصل الدين، ويعني قبول الحكم الشرعي أو رده على الله تعالى.. وفي هذا جاءت آيات كثيرة، سواء بلفظ: (الحكم) أو (التشريع) أو (الاتباع) أو (الطاعة).

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلّهِ} [الأنعام من الآية:57]، {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ} [الشورى من الآية:10]، {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام من الآية:114]، {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللّهُ} [الشورى من الآية:21]، {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}[الأعراف من الآية:3]، {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121].

في هذا المعنى المشكلة ليست في ثبوت التهمة أو انتفائها، بل الجدال هنا حول ما هو الحكم الذي يطبق في حال التهم سواء وقعت أم كانت مقدرة، بل قد تكون ثابتة ويكون الخلاف في مصدر التشريع الذي يحكم عليها، وفي هذا جاء فيما ثبت من التهم وكان الخلاف حول المصدر الذي تُتلقى منه أحكام هذه التهم، كان الحكم بين حالة الإيمان وحالة النفاق {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء من الآية:60] إلى قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] قال ابن القيم رحمه الله: "أن التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان".

وفي هذا أيضًا جاءت آيات سورة المائدة ونزل فيها {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة من الآية:44] فالتهمة كانت ثابتة على الزانيين أوفي تهمة القتل، على الروايتين، ولم يكن الخلاف على ثبوت التهمة بل على الجهة التشريعية هل هي الحكم المبدل المخترع الذي اجتمع عليه اليهود؟ أم هو الحكم في كتابهم؟

فالكفر هنا هو كفر أكبر في حال المقصود به التشريع وقبول الحكم أو ردّه.

وفي المعنى الثاني: معنى القضاء، جاء قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}[النساء من الآية:105]، «إذا حكم الحاكمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجرانِ، وإذا حكم فاجتهدَ ثم أخطأَ فله أجرٌ» (صحيح البخاري؛ برقم: [7352]).

فهذا في حال الاستقرار على الحكم المتفق على تحكيمه وهو حكم الله تعالى، ولكن يكون الخلاف في ثبوت التهمة أو زحزحتها عن صاحبها واتهام بريء..

فلو استوفى القاضي الاجتهاد وكان أحدهما ألحن بحجته فهو قد قضى بما بلغ علمه واستوفى ما أُمر به، ولو قصد زحزحة التهمة لرشوة أو خوف أو رغبة وجامل ظالمًا اتباعًا للهوى، فهذه كبيرة من الكبائر، وهي التي يقال فيها (كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق).

والمعنى الثالث: وهو الاجتهاد ودليله قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء من الآية:٧٨]، إلى قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء من الآية:79] فهنا راجح ومرجوح، أجران أو أجر، أو زلة عالم مغفورة، ولو قصر في الاجتهاد ولم يستوف ما أمر الله تعالى من بذل الوسع والتزام العلم والعدل أثِم..

لكن الغالب هو أحد المعنيين الأولين التشريع أو القضاء.

الأول توحيد أو شرك، إيمان أو نفاق، إسلام أو ردة، لاتصاله بأصل الدين من حيث قبول الحكم أو رده.

والثاني هو مناط قد يقع حتى في الأوضاع التي تقيم الشريعة وتحكمها، فيحدث انحراف في باب المظالم والرشاوي أو التأثير السياسي أحيانًا على القضاء.. فهذا في نطاق الطاعة والمعصية، ويغلظ في المعصية فيقال كفر دون كفر..

وعلى هذا نقرر عدة نقاط، وقد نكرر بيان بعض الأمور لأهميتها وشدة ارتباطها بما بعدها..

6- ليست العبرة في الكفر والمعصية بالقِلة والكثرة، فأحكام الكفر أو المعصية ليست مرتبطة بالقدْر والنسبة بل العبرة بالجنس؛ فالقول أنها تكون كفرا بقدْر أو نسبة ارتكابها وتكون معصية إذا قل تكرارها هو قول خطأ، وهو ما فهمه هذا المجيب؛ فهذا افتراض يرد هو عليه، وليس هو قول أهل السنة الذين لم يقف على حقيقة قولهم.

فمن قال أن العبرة بالقِلة والكثرة لم يفقه كلام ابن عباس وكلام الأئمة الكرام.

وليست العبرة أيضًا في أن يقول المبدلون أن شرع غير الله خير من شرعه، فقط، فهذا أحد أنواع الردة عن الشرائع.. ومن قصر الردة في باب تبديل الشرائع على أن يزعم الرادّ أو المبدّل كذا أو يقول بلسانه كذا، دون التبديل نفسه، فيُسقط حكم التبديل، فهذا قصر على بعض أنواعها اتباعا لقواعد المرجئة.

وإنما العبرة في أمر آخر هو الفرق بين تغيير التشريع وتبديل حكم الله تعالى بوضع حكم بديل.. وبين زحزحة التهمة عن المتهم أو اتهام بريء وعقوبة من لا يستحق العقوبة.

فالأول راجع إلى الشرك الأعظم لأنه تبديل حكم الله تعالى وتحليل الحرام وتحريم الحلال، والثاني راجع إلى الفروع فهو معصية، وتوصيفه أنه كبيرة من الكبائر، يقال عنها (كفر دون كفر) تغليظًا لها.

7- القاعدة العظيمة لأهل السنة أن المعصية ضدها الطاعة، والبدعة ضدها السنة، والشرك ضده التوحيد.

والمعصية هي مطلق المخالفة، والبدعة ما فيها شوب تشريع لأنها ما وُضع على مضاهاة المشروع، وأما الشرك فهو التشريع المطلق من دون الله تعالى..

8- أن القدْر والنسبة في المعصية لا يوجب الكفر، ولكن يوجب تغليظ الجريمة للإصرار أو زيادة القدر فيزداد العذاب -عياذًا بالله تعالى- لكن في إطار أنها معصية، كقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت من الآية:13]، وذلك بسبب الإضلال، وكقوله تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل من الآية:88]، ولذلك تغلظ المعصية بالإصرار والمجاهرة ودعوة الغير اليها وإغواء الخلق، لكن هذا لا يخرجها من كونها معصية إلى كونها كفرًا.

أما ما يخرجها إلى الكفر فهو الاستحلال أو الرد.

9- نؤكد ما مرّ معنا، أن لفظ الحكم يطلق ويراد به المعنى الشرعي الاصطلاحي، ويطلق ويراد به المعنى العرفي..

- المعنى الاصطلاحي الشرعي يعني التشريع، وقبول الحكم من الله تعالى، وهذا من حقوق الله تعالى الخالصة وهو معنى العبادة ومعنى الاستسلام الذي لا يتحقق إلا بقبول الأحكام، وهو يعني بتعبير علماء السنة أن الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.

وتحليل الحلال وتحريم الحرام وإيجاب الواجبات معناه قبول هذه الأحكام والتزامها كحكم وقانون لازم عمومًا وخصوصًا، فلا يقبل تبديلها في الشأن العام بإباحة ما حرم الله أو رفض وجوب ما فرض الله تعالى، لأن قصر التحريم أو الوجوب على بعض المجالات دون بعض هو خروج من التحريم والوجوب، كما أن تبديل العقوبات الشرعية وأحكامها كذلك هو تبديل للأحكام.

وهذه قضية إيمان وكفر، لأن الإيمان هو تصديق الخبر وقبول الحكم، والكفر يكون إما بتكذيب الخبر أو رد الأمر على الله تعالى {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} [الليل:16]، {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَـٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور:47]، فهذا نفي للإيمان بسبب التولي عن حكم الله تعالى وإن قالوا بألسنتهم.

- أما المعنى العرفي فبمعنى القضاء، فالقاضي يرجع إلى القانون الشرعي، ولكنه قد يزحزح التهمة عن المتهم بقبول الرشوة أو يتهم بريئا أو يجامل ظالماً، وهذا كفر دون كفر.

- الآية الكريمة {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة من الآية:44]: لو أريد بمعنى {يَحْكُم} تبديل القانون والرجوع إلى غير الشريعة فالكفر هنا كفر أكبر.. وهي نزلت في هذا، لوجهين:

الأول: أن سبب نزول الآيات لم يكن على الخلاف في ثبوت التهمة أو انتفائها، بل التهمة كانت ثابتة على المتهمين، سواء حالة الزنا أو حالة القتل بين قريظة والنضير وخلافهما في مقدار الدية.

والثاني: أن القاعدة هي تقديم الدلالة الشرعية الاصطلاحية على الدلالة العرفية الاستعمالية على الدلالة اللغوية.

- ولو كان المراد بالآية تنزيلها على انحراف القضاة والولاة في دقة وعدالة تنزيل الأحكام على مناطاتها أو تحريفها فيحرفون المناطات أو يرتكبون مظالم دون تبديل الشرائع: فالمراد بالكفر هنا الكفر الأصغر (كفر دون كفر وظلم دون ظلم..)، وهذا هو كلام أهل السنة المعاصرين عندما قالوا لو حكم في جزئية وهو ملتزم لحكم الله فلا يكفر بينما لو التزم شريعة أخرى يكفر، ومقصدهم أنه لو زحزح التهمة أو جارَ وظلم في بعض ما يعرض له، دون تبديل الأحكام لا يكفر، أما تبديله للأحكام فلو بدل حكمًا واحدًا لكفر بالإجماع.. وهذا ما لم يفهمه صاحب الرد المشار اليه.

10- والمقرر في القاعدة الأصولية أن يتقدم المعنى الشرعي الاصطلاحي على المعنى العرفي الاستعمالي على المعنى اللغوي..

فالمراد بالآية على هذا هو تبديل الشرائع، وعلى هذا سواء قام به أحد من هذه الأمة أو ممن قبلها من بني اسرائيل أو غيرهم فهي قاعدة عامة في تبديل الشرائع لأنه تحليل للحرام وتحريم للحلال ورد للفرائض وتبديل للعقوبات الشرعية.. فهذا كفر أكبر، وهذا محل إجماع الأمة.

11) لما كان لقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة من الآية:44]، معنى شرعي اصطلاحي ومعنى عرفي استعمالي، ذكر ابن كثير رحمه الله أقوال الصحابة والتابعين فيها بين من حملها على مناطها الذي أنزلت فيه وهو مناط التبديل فأطلق أنها في الكفر الأكبر، وبين من حملها على مناط القضاء، وهو المعنى العرفي..

وذلك لتنزيلها على واقعهم زمن بني أمية، فعادة علماء الصحابة والتابعين تنزيل الآيات وتفسيرها بأقرب مثال معاصر لهم، كما فسّر بعضهم الذين لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم: بالخوارج، وبعضهم قال أن قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة من الآية:26] أيضًا في الخوارج، وفسر بعضهم {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [فاطر من الآية:32] بمن يبخل بالزكاة.. وهكذا قاعدتهم رضوان الله عليهم، وهذا من عمق علمهم رضوان الله عليهم.

فذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله الوجهين والأقوال المختلفة فيها، وهذا الاختلاف ليس راجعًا إلى الاختلاف في حكم تحليل الحرام وتحريم الحلال ورد الفرائض وتبديل الشرائع فهذا مجمع على أنه كفر أكبر، ولكن الاختلاف في حملها على مناط التشريع أو مناط القضاء.

بينما لما فسر قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة من الآية:50] وذكر تبديل الشرائع بتبديل القوانين، وضرَب مثالًا بـ(ياسق جنكيز خان) لم يذكر أقوالا، لأن الأمر محل إجماع وقال النص التالي:

"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير".
والياسق هو أقرب مثال لواقعنا المعاصر.

12- من ظن أن المراد بالآية كثرة الحكم بغير ما أنزل الله أو قلّته دون التفريق السابق فهو خطأ وكلام مجمل ولم يعِ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدهم.

ذلك أن الخوارج وجدوا الآية تنطبق في معناها العرفي الاستعمالي على واقعهم فأرادوا تنزيل الآية وحكمها -الذي جاء فيمن بدل الشرائع- على مظالم القضاء، في زحزحة التهمة عن المتهمين أو اتهام بريء أو ارتكاب مظالم، فأرادوا بها تكفير بني أمية وعامة المسلمين.. ولم يرتكب بنو أمية مكفّرًا ولا بدلوا الشرائع بل أقاموا الشريعة ونشروا الإسلام واستكملوا الفتوحات وأقاموا الحدود وأقاموا الدين، لكنهم خرجوا عن شورى المسلمين وورّثوا الحكم ولهم مظالم في الدماء والأموال، وهي أمور كلها في نطاق المعاصي لا الكفر.

فما فعله الخوارج غلوّ مرفوض، ولذا قال ابن عباس ليس الكفر الذي تذهبون إليه بل هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، وذلك لأن مناط بني أمية وقضاتهم لم يكن هو مناط الآية الشرعي الاصطلاحي، ولكنه المعنى العرفي وهو متأخر في الترتيب، والحكم في شأنه أن يؤخذ له نصيب من الحكم الأصلي بما يليق بحالة الإنحراف وهو ما فعله حبر الأمة بدقة وعلم وعدل وليس بهوى الخوارج المفْرطين، ولا بهوى المرجئة والجهمية المفَرّطين كما جاؤوا بعد ذلك.

13- كما يُخشى من الغلو فيجب أن يُخشى من الإرجاء والتجهم والتفريط، بحيث أن يسوّغ البعض للتبديل وتحليل الحرام وتحريم الحلال ورد الفرائض وتغيير حدود الله تعالى وحرب الإسلام وتجفيف منابعه، يدافع عن هذا بمأخذ المرجئة وقواعد الجهمية متسترا بأقوال أهل السنة ومنتسبًا لها ظاهرًا، وحقيقة قوله هي قول جهم والمرجئة المدمرين لدين الله تعالى.. فيندفع في متاهة يلقى الله تعالى عليها، وكان السكوت له أسلم.

فيسيطر المجرمون والإباحيون والملاحدة ويتسترون بهم لحرب الإسلام وتبديل الدين وزحزحة الناس بنظام مدروس للخروج من دين الله وإخراج نشء في التعليم، وإخراج جيل بالإعلام يجيز منهج غير الله ويستنكر حاكمية دين رب العالمين تعالى.

14- مثال هذا أن من المرجئة من قال أن الإيمان مجرد المعرفة حتى لو لم ينطق بالشهادتين طول عمره لكنه يعرف أن الرسول حق، فهو مؤمن ناجٍ في الآخرة ولو عاداه وحارب المسلمين ورد شريعته!
ومنهم من قال الإيمان مجرد القول..

وعامتهم من يقول أن الإيمان هو تصديق الخبر بالقلب واللسان معًا، والعمل غير داخل في مسمى الإيمان.. فلا يُدخلون في أصل الإيمان قبول الأحكام، وهي العبادة والاستسلام لله تعالى.

بينما جاءت الرسل بإفراد الله بالعبادة، ولهذا كان عنوان التوحيد (لا إله إلا الله) وليس فقط (لا رب إلا الله) لأن توحيد الألوهية متضمن ومستلزم للربوبية، بخلاف من يقرّ بربوبيته ولا يعبده.

وعلى هذا لا يجعلون نقض الإيمان إلا بالشك والتكذيب دون رد الأمر.

ولهذا تجدهم يقولون (إذا قال) (إذا اعتقد)، دون (إذا ردّ على الله أمره)..

بينما (رد الأمر) كان واضحًا عند السلف، وهو واضح في السيرة وما أشيع عن بني المصطلق في رد فريضة واحدة هي الزكاة فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم وأرسل إليهم خالدًا، وكانت أصلا للصدّيق رضي الله عنه أن يحارب المرتدين بإسقاط وجوب الزكاة.

وهو واضح في كتاب الله تعالى في الفرق بين معصية آدم عليه السلام ومعصية إبليس لعنه الله، فالأولى مخالفة مع التزام الأمر وقبول الحكم، والثانية رد أمر الله تعالى عليه..

وواضحة في التفسير كما قال النسفي في قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب من الآية:36]، أنه إذا كانت المعصية هي معصية رد أمر الله تعالى والامتناعِ من قبول الحكم فهو ضلال كفر، وإذا كانت مخالَفة مع التزام الأمر وقبول الحكم فهو ضلال معصية..

وتواتَر كتاب الله تعالى كله على تأسيس التوحيد وإفراد الله تعالى بالتشريع وقبول حكمه، ليخاطِب المسلمين بالأحكام يلتزمونها في أمورهم العامة والخاصة، الفردية والجماعية، قانونا لا يلتزمون سواه وشريعة قاضية وأحاكمًا قائمة تقوم عليها السلطة وعلى تنفيذها وتقريرها وإعلائها وتعليمها.. يجتهد المجتهدون على وفقها، ويقضي بها القضاة -جاروا أم عدلوا هذا شأن آخر- وتقوم على تنفيذها السلطة التنفيذية -عدلت أو جارت وفرطت هذا شأن آخر كذلك..

أما أن تُسقَط حاكمية الله وتُرد شريعته، ويُرد أمر التشريع إلى غيره تعالى، بحيث تصبح الأحكام ملزمة إذا صدرت من مجلس بعدد معين دون الرجوع إلى شريعة الله ولا الإلزام بها ولا إبطال ما خالفها: فهذا شأن خطير ومضادة للدين ونقض لأصل الإيمان.