إنه لتمر بالمرء صنوف من الابتلاءات، وجمل من الأحزان، تفت الأعضاد، وتفت الأكباد، فيرتجف الفؤاد، ويحتاج المرء ما يثبت به فؤاده، فيأتي وحي الله، فيشفي ما في الصدور {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120] .

وفي هذه السورة العظيمة، تسلية المحزون، وبشرى لكل مكلوم، فنبي كريم صرفت به خطوب تتلو خطوبا، وشوائب تدع الولدان شيبا، فصبر فمرت محنته منحة.

يعقوب عليه السلام يبتلى في أولاده، يحب يوسف حبا جما، لا يقدر على فراقه ولو حينا من الوقت {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ} [يوسف:13].

فلا يرحم الأبناء الأب المسكين، ولا ولده الضعيف، {قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف:8]؛ وكادوا بيوسف {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} [يوسف:17]!!

خبر تسقط منه الحبالى، وتصحو له السكارى!!

ثم في شأن أخيه: {قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} [يوسف:81]!!
أي مصاب هذا؟ إنه مصاب فض منه عقود الدموع، وشبت له النار بين الضلوع ، ثقلت عليه الحركة، واختلفت إليه رسل المنية، حاله:

أبلى البكا أسفا يوم النوى بدني *** وفرق الحزن بين الجفن والوسن

{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن فَهُوَ كَظِيم} [يوسف:84]!

لكنه في ذلك كله يصطبر{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:83]

أُعلل النفس بالآمالِ أرقُبُها ما *** أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ

أما يوسف، فما يوسف عليه السلام؟

لقد ابتلي في صغره بإخوة كادوا له {وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} [يوسف:15]، ثم يباع عبدا {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف:20]، ثم بامرأة تقول بهتا، وزورا بحتا {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف:25]، ثم بقضاة فاسدين {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف:35]، ثم مرة أخرى يأتيه إخوته، فيقولون: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف:77]، ولا يتورعون حين أكلهم العيش المر، أن يقولوا: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} [يوسف:88] .

أقاويل يتمشى الزور في مناكبها، ويتردد البهتان في مذاهبها!! اجتمعت عليه فرقة الأهل، والحبيب والدار

ثلاث يعز الصبر عند حلولها ** ويذهب عنها عقل كل لبيب
خروج اضطرار من بلاد تحبها **وفرقة خلان وفقد حبيب

يبتلى، ويبتلى أبوه، وإن أشد الناس بلاء في الله الأنبياء:

إن الرياح إذا اشتدتْ عواصفها *** فليس ترمي سوى العالي من الشجرِ

لكن سرعان ما يتلاشى كل ذلك، فما بين غمضة عين وانتباهتها، يبدل الله من حال إلى حال: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[يوسف:21].

فليس مكر الماكرين وإن بدا قويا ظاهرا، إلا كشمس العصر، أعلى القصر، مآلها إلى زوال، ولو بعد حين.

فها هم الذين قالوا بالأمس {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف:8]؛ يقولون { يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف:97].

ها هم الذين أرادوا أن يضعوا من شأن يوسف، وقالوا {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} [يوسف:9] يقولون له {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:91].

ها هي التي دانت بالكذب مذهبا، واستلانت بالكيد مركبا، بعد أن كانت تقول {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف:25]؛ تقول {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف:51].

ها هو الذي كان بالأمس سجينا، هو اليوم {عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [ يوسف:55].

فلا تحزن أيها المكلوم، ولا تيأس من رحمة الله {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87].