يبدو كتاب (البوصلة القرآنية) للدكتور أحمد خيري العمري (1) أقرب إلى عريضة احتجاج على استمرارية تحكم التفسير الموروث؛ وما ترتب عنه من تضييق لمجال حركة الخطاب القرآني في واقعنا اليومي. تحكم أخر بشكل غير مباشر بوظيفة القرآن كمنهج حياة ليقبع حتى اليوم في خانة التلاوة والترتيل وتحصيل الأجر.

لا يمكن لقيم وأحكام وسنن مهرها الوحي الإلهي بالأبدية أن تقف اليوم عاجزة عن مواجهة اختلالات؛ أو تحرير الوجود الإنساني من مغبة القلق والغربة واليأس إلا إذا تشكلت طبقة عازلة من التفسيرات والتأويلات التي تقيدها بأغلال المنظور التاريخي؛ وتبث في روع المسلم المعاصر أن ما يمده به النص القرآني من أحداث ووقائع هو من قبيل السرد الإلهي لما مضى.

وأن ما بلغته الأمم من تطور وتقدم ورقي يُفقد الخطاب القرآني قدرته على تبديد الشكوك أو مدنا بأجوبة لانشغالات آنية. بل إن محاولة الزج به في أتون التدافع الحضاري قد يعطل الجهود بدل أن يعززها!

يدعوك الكاتب بداية للتحرر من كل فهم سابق؛ أو تأويل أحادي النسق لاستيعاب الهزة التي يرمي إلى تحقيقها عبر تقليب النظر في مفاهيم وآيات قرآنية. فآلية الإعجاز القرآني انبنت على استنهاض العقل وإعلان قيامته وسط ركام من العادات والتقاليد الموروثة والبالية. والمسلم المعاصر أحوج ما يكون اليوم لقيامة مماثلة تجلو عن القرآن صدأ الفهم الواحدي والقراءة المبتورة من سياق اجتماعي متحول: " كان دور المشاهد في المعجزات السابقة يقتصر على المشاهدة؛ ومن ثم يصاب بسكتة عقلية تتطلب منه الخضوع والانقياد. كان عجزه عن فهم المعجزة هو مفتاح المهمة الرسولية. لكن آلية إعجاز القرآن كانت مختلفة، إن إعمال العقل كان شرطا أساسيا لتحسس الإعجاز, ولهذا كان الخطاب القرآني موجها دوما وباستمرار لقوم يعقلون"(ص44).

أول نشاط أحدثه الخطاب القرآني في العقل الإنساني هو حثه على التساؤل بدل تقديم الأجوبة جاهزة. وقدم مثالا شديد الحيوية للتساؤل الذي يستنهض قوى العقل الكامنة ويعيد النظر في الكيان الهش المطمئن دوما إلى مسلماته التقليدية. إنه الحوار الإبراهيمي الذي يعكس نضج العقل الإنساني في تبديد حيرة الوجود و فك أسرار الخليقة. أما اختيار إبراهيم عليه السلام لتأسيس العنصر الأول من عناصر التفكير الإسلامي فمرده؛ بحسب المؤلف إلى ميزات ثلاث انفرد بها عن غيره:

تتمثل الميزة الأولى في كون العرب تنسب نفسها جميعا إلى إبراهيم عبر إسماعيل عليه السلام، لذا فاعتماد جدهم الأكبر لتوصيل العقيدة الحنيفية الأصيلة سيكون بالغ الأهمية والأثر.

أما الميزة الثانية فتتعلق بالمكانة المميزة التي يحتلها إبراهيم بالذات عند أهل الكتاب، سواء كانوا يهودا أو نصارى. وبالنظر إلى حجم التأثير الاقتصادي الذي تمتع بها هؤلاء في شبه الجزيرة العربية فإن اختيار إبراهيم سيمنح صلة وصل عميقة الجذور لا بالنسب العربي فحسب؛ بل بالعلاقات بين الأمم.

في حين ترتبط الميزة الثالثة بالصورة الأصيلة التي عرض من خلالها النسيج القرآني محاورات إبراهيم. وهي صورة لا وجود لها في التوراة ولا في الكتابات الإنجيلية (ص 56).

إن التساؤل الذي دشنه الخطاب القرآني واعتمده سبيلا لبلوغ طمأنينة القلب سيرتطم لاحقا بتقلبات تاريخية تحتفي باليقين الموروث والصيغ الجاهزة؛ وستصبح إشراقة العقل بدعة تتوعد بالنار كل من يجرؤ على إحياء التساؤل الذي لا يكف القرآن عن تمجيده!

بعد الهدم الذي أحدثه التساؤل يعمد الخطاب القرآني إلى البناء عبر عنصر ثان هو البحث عن الأسباب واتباعها. أما النص القرآني الذي يؤسس لهذه الخطوة المنطقية فهو قصة ذي القرنين في سورة الكهف. لكن قبل جرد الدلالات الحضارية الثاوية في التمكين الإلهي لذي القرنين ينبه المؤلف إلى ضرورة استبعاد كل جدل حول هذه الشخصية التاريخية، أو تضارب آراء بشأن الأماكن والتفاصيل والأرقام، لأن ما يهم هو ما فهمه الرعيل الأول من المسلمين لا ما اختلف عليه المفسرون.

يكمن سر هذا النموذج القرآني في توظيف الأسباب استجابة لحاجات المجتمع. والمراد بالسبب في قوله تعالى:{وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف:84]؛ هو العلم كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما. علم تطبيقي ربطته الآيات القرآنية في قصة ذي القرنين بمجال التعدين واستخدام الحديد والنحاس.بيد أن سر هذا التفوق العلمي الذي اختص به ذو القرنين لا ينبغي رده إلى خوارق أو معجزات، لأن الآيات القرآنية تحيل على صلته الوثيقة باتباع الأسباب، أي الغوص في جوهر الأشياء بحثا عن أسرارها ومكوناتها. غوص لم يمكن من بناء حضارة فحسب، بل أحدث تغييرا عميقا وتحولات اجتماعية واقتصادية هزت مكرسات العالم القديم (ص 121) .

أما سورة (ص) فهي تدفع باتجاه تعبير آخر هو "الارتقاء في الأسباب" والذي لا يقف بالتبحر في العلوم والغوص في أسرار الخليقة عند حدود تلبية المطلب المادي ،بل يعدها مدخلا حيويا للبرهنة على وجود الله ووحدانيته. بمعنى أن اعتبار الطبيعة عالما متداخلا من الأسباب والمسببات يؤكد الدور الإلهي الذي يمثل الخطة المسبقة لهذا التفاعل كله!

اتخذ القرآن من المثال القصصي مجددا إطارا هيأ من خلاله لتلك النقلة الحضارية المذهلة التي حولت العرب من أمة أمية إلى أمة (كتاب)، وأسس للعنصر الثالث الذي تشربته عقول ونفوس الجيل الأول فكانت الوثبة والانطلاقة. يتعلق الأمر بعنصر الإيجابية الذي يستنبطه المؤلف من تجربة نبوية خاض التفسير الموروث، كالعادة، في تفاصيلها المسهبة دون أن يحفل بإشاراتها الدالة.إنها قصة صاحب الحوت يونس،أو يونان بن متى كما تسميه التوراة.

في لحظة المواجهة الصعبة مع المجتمع صدر الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} [القلم:48]. وقصة صاحب الحوت تحيل على ما قد يتملك الأنبياء من إحباط أو يأس جراء سعيهم لتحرير مجتمعاتهم من قبضة الوثنية والظلم والاستغلال، غير أن الجزء الذي حرص الخطاب القرآني على تصويره في تجربة يونس عليه السلام هو لحظة هجره لمجتمعه وتركه،وما يستتبع ذلك من هجر قيم العمل والتغيير التي ينشدها الأنبياء والمصلحون عبر التاريخ.لكن ذروة المفارقة تكمن في أن القيم الجاهلية التي خلفها يونس وراءه ستحاصره مرة ثانية في السفينة، وثالثة في بطن الحوت حين التقمه، فأين المفر؟

في بطن الحوت سيشرق الأمل من بين ثنايا اليأس. سيتراءى ليونس الظلم الحقيقي الذي لا يتحمله الجلاد وحده بل تقاسمه إياه الضحية! فليست القيم الجاهلية ظالمة وحدها، يقول المؤلف، بل الظلم هو في استمرارها دون تغيير، دون تمرد، دون ثورة .الظلم هو اليأس، الإحباط ، الهروب.الظلم هو السلبية التي تشل الإرادة وتعطل الأعصاب. الظلم هو أسئلة كهذه: ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل؟ (ص168)

تفرض تجربة صاحب الحوت قراءة متجددة تستوعب راهننا المثقل بالأسئلة والتحديات، فنحن نعيش اليوم واقعا ظالما يسحقنا ويهمشنا دون أن يكف ولو للحظة عن استفزازنا بشعارات العدل والحرية والإنسانية. وأمام تنين العولمة الذي ابتلع كل ما حولنا يكرر الفرد المسلم نفس السؤال الباعث على اليأس وفقدان المناعة: ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل؟ وأمام وضع كهذا لا يسعنا إلا أن نقرر: إما البقاء في بطنه إلى يوم يُبعثون، وإما الخروج منه بإيمان جديد ومشاريع جديدة ونفوس متحررة من اليأس والسلبية.

إن الآلية القرآنية في التأسيس لهذه العناصر الثلاث ارتكزت أساسا على إحداث تغيير في عدد من المفاهيم الموروثة،إما بتصحيحها أو نقضها وإحلال مفاهيم أخرى محلها.وكان من الطبيعي أن تستشعر قريش خطورة الأمر كي تخوض مواجهة مبكرة ضد الرعيل الأول من المسلمين ,فالمسألة لم تعد مسألة أصنام وأوثان وتوحيد بل مسألة مفاهيم وقيم تزعزع الاستقرار الموروث وتهدد المصالح التجارية والرعوية.فالفلاحة التي كانت محتقرة و يُنظر لممتهنها بازدراء، أكسبها الخطاب القرآني مكانة لائقة باستخدام اللفظ عنوانا على السمو والارتقاء {قد أفلح من تزكى} [الأعلى:14]؛ {فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} [الأعراف:69].

وتعدد تحريم أنواع محددة من الأنعام (الوصيلة،السائبة،البحيرة،الحام) كان الهدف منه الحفاظ على توازن تصاعد الإنتاج وارتفاع الأسعار، فعمد الخطاب القرآني إلى إلغائه، كما أطاح بطبقة الكهانة بإعلانه إلغاء القرابين !

والعمل اليدوي الذي قوبل بالاحتقار المتوارث سيرفعه القرآن إلى مرتبة عظيمة،حين ينشأ التفاعل والتمازج بين الإيمان والعمل الصالح في حوالي خمسين موضعا من القرآن الكريم.

يستعرض المؤلف في الصفحات الموالية نتائج التفاعل المحمدي مع الخطاب القرآني في توجيه مسار الدعوة والحفاظ على الو الحفاظ على الإيجابية التي بذل الاضطهاد المكي وسعه لتبديدها وفرض الأمر الواقع. فكل من سورتي يونس وهود قدمتا صورا مفجعة لما لحق القرى من عقاب إلهي جراء الصدود وتحدي الرسالات. أما سورة يوسف فتقدم نموذجا للنجاح والتمكين والسيطرة على خزائن الأرض؛ وتثير الانتباه إلى أن موطن الداعية والمصلح ليس هو الساحة الوحيدة للدعوة، وأن حظوظ النجاح قد تكون أوفر في مواطن أخرى. وبين ثنايا هذه النماذج تكتسب المفردات والمفاهيم معنى محفزا وخلاقا، فمفردة (الصبر) التي تدور معانيها حول دلالة واحدة هي التحمل حتى الموت، يضعنا اشتقاقها من نبتة الصبار أمام معنى مغاير تماما.إذ يقودنا تكيف هذه النبتة مع بيئتها الصعبة إلى اشتقاق معان أخرى للصبر، تدور حول الإصرار و التحدي ومجابهة الظروف الصعبة.إننا أمام نبتة تعلمنا الأمل لا التحمل حتى الموت!

وضمن هذا السياق أيضا تندرج مفردة (المشيئة) التي حفزت العقول على التخلص من قوالب التقاليد المسيطرة والاختيار العشائري الذي يلغي حرية الفرد وإرادته. فالتركيز على مفاهيم المشيئة والمسؤولية وحرية الاختيار في عدد من الآيات شكل صدمة للفرد الذي ألقت به العشيرة في دائرة العدم، وهيأ له فرصة الانسلاخ من أطر تهمشه وتقرر بدلا عنه: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [الإنسان: 29]، {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف:29].

يشكل الحس المقاصدي عنصرا من أهم عناصر التجديد التي جاء بها الخطاب القرآني، خصوصا في مجتمع خلت عقيدته من الهدف والمغزى، بل يبدو محيرا خلوها من قصة الخلق التي كانت دوما مصاحبة لكل الأديان سواء كانت سماوية أو وثنية، مما يؤشر على خلل في الرؤية انعكس سلبا على علاقة الإنسان الجاهلي بنفسه وبالعالم من حوله. لذا جاء الخطاب القرآني ليذكر بقصة الخلق لكن ضمن سياق أرحب ،يعيد تركيب الإنسان الفاعل عبر الرفع من مستوى رؤيته لذاته.

ينطوي السياق القرآني على دلالتين مهمتين يخلو منهما أي نص ديني سابق، وتنبني عليهما رحلة استعادة الإنسان لمكانته. ففي خبر سجود الملائكة لآدم عليه السلام تتبدد هالة القدسية التي أحيطت بها هذه الكائنات في الأديان والأساطير السابقة، ليسترد الإنسان مكانته السابقة إلى قيام الساعة. أما في خبر تنصيبه خليفة لله في الأرض فإنه يعكس الرؤية القرآنية لوظيفة الإنسان ومسؤوليته التي حًرم منها تحت وطأة الرؤى التقليدية. إن هذا المقصد من الخلق يستحث المسلم المعاصر للتحرر من القراءة الأحادية والفهم التقليدي لنصوص الكتاب والسنة، صوب التأسيس لفهم مقاصدي وتكاملي لا يرهن الحاضر أو المستقبل بملابسات تاريخية وسياسية قابلة دوما للاشتعال!

لن تطيب جروح الانتزاع بسهولة، يقول المؤلف، لكن في الحقول المحروقة ستنمو براعم للقيم الأخرى.. القيم التي غرسها الخطاب القرآني في الجيل الأول؛ وحصدها منجل التاريخ قبل أن يكتمل نموها.

ولن يكون ذلك سهلا، لكنه في الوقت نفسه لن يكون مستحيلا!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د.أحمد خيري العمري: البوصلة القرآنية.. إبحار مختلف بحثا عن خريطة للنهضة. دار الفكر.ط 3.دمشق 2010

كلمة التحرير : التفسير المأثور للقرآن بقدم المعاني واضحة بفهم صحيح و يمكن الجمع بينه و بين مقال الكاتب بأن العلماء الثقات يستطيعون تكييف و تنزيل هذه التفسيرات مع الواقع المعاصر بما يتناسب مع مستجداته فالقرآن به من المرونة و التكامل و الشمول ما يجعله منهجاًلكل العصور و حتى قيام الساعة .