محمد الغزالي .. ميلاده ونشأته
هو محمد الغزالي أحمد السقا. وُلِدَ في قرية (نكلا العنب) بإيتاي البارود بمحافظة البحيرة في مصر، في (5 من ذي الحجة 1335هـ = 22 من سبتمبر 1917م)، وقد سُمِّي الشيخ محمد الغزالي بهذا الاسم تيمنًا من والده بالإمام أبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) [1].

نشأ الشيخ محمد الغزالي في أسرة كريمة ملتزمة بتعاليم الإسلام، فأتمَّ حفظ القرآن بكُتّاب القرية في العاشرة، ويقول الغزالي عن نفسه وقتئذٍ: "كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غُدُوِّي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته أثناء اعتقالي، فقد كان القرآن مؤنسًا في تلك الوحدة الموحشة" [2].

ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي حتى حصل على شهادة الكفاءة، ثم الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ = 1937م) فالتحق بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وبدأت كتاباته في جريدة (الإخوان المسلمون) أثناء دراسته بالسنة الثالثة في الكلية سنة (1359هـ= 1940م)، وظلَّ الإمام حسن البنا يشجِّعه على الكتابة حتى تخرَّج سنة (1360هـ = 1941م)، ثم حصل على درجة العالمية سنة (1362هـ= 1943م) وعمره ست وعشرون سنةً، ثم بدأت بعدها رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة [3].

شيوخ محمد الغزالي
تلقَّى الشيخ الغزالي العلم عن الشيخ عبد العظيم الزرقاني، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد أبي زهرة، والدكتور محمد يوسف موسى وغيرهم من علماء الأزهر الشريف.

وقد انضم في شبابه إلى جماعة الإخوان المسلمين وتأثَّر بمرشدها الأول الإمام حسن البنا. ويقول الشيخ الغزالي عن هذه الفترة من حياته: "وإني أعترف -رَادًّا الفضل لأهله- بأني واحد من التلامذة الذين جَلسوا إلى حسن البنا، وانتصحوا بأدبه، واستقاموا بتوجيهه، واستفادوا من يقظاته ولَمَحَاته" [4].

وقد ظهر أول مؤلَّفاته للنور تحت عنوان (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) سنة 1947م، وفي العام التالي تم حلُّ جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال أعضائها ومنهم الشيخ الغزالي، حيث أُودِعَ معتقلَ الطور، ثم خرج الشيخ / من المعتقل عام 1949م [5].

جوائز الشيخ الغزالي
نال الشيخ محمد الغزالي العديد من الجوائز والتكريم الذي كان أهلاً له؛ ومن أهم الجوائز التي حصل عليها: جائزة الملك فيصل العالمية للعلوم الإسلامية عام 1989م [6].

من مؤلَّفات الغزالي
أثرى الشيخ محمد الغزالي المكتبة الإسلامية بالعديد من الكتب التي لا نظير لها في تنوعها، وسهولتها مع عمقها الفكري، وبلاغتها، وجِدَّة مواضيعها، ونفاذها إلى القلب، كل ذلك في آنٍ واحد.

ومن هذه المؤلَّفات: عقيدة المسلم، وكيف تفهم الإسلام؟، وهموم داعية، وخلق المسلم، ومع الله، والحق المر.

كما كان الشيخ مجاهدًا في سبيل نشر حقائق الإسلام، ومواجهة خصومه؛ فألَّف: معركة المصحف، والإسلام المفترى عليه، والإسلام والمناهج الاشتراكية، والاستعمار أحقاد وأطماع، والإسلام في مواجهة الزحف الأحمر، والتعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، وقذائف الحق، وصيحة التحذير من دعاة التنصير، ومن هنا نعلم.

وكان من القضايا التي نذر الشيخ لها نفسه القضاء على سلبية المسلمين في مواجهة الاستبداد والتخلُّف؛ فألَّف لذلك: الإسلام والطاقات المعطلة، والإسلام والاستبداد السياسي، والإسلام والأوضاع الاقتصادية، وسِرّ تأخر العرب، والكثير من الأعمال المهمة؛ حيث بَلَغت مؤلَّفاته أكثر من خمسين عملاً، وكان لها تأثير قوي على الأمة الإسلامية كلها.

محمد الغزالي .. منهجه العلمي والفكري
يُعَدُّ الغزالي أحد أهم أعلام الفكر الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين؛ وقد عُرِفَ عنه تجديدُه في الفكر الإسلامي، ويتميز فكر الغزالي بأنه يعتز بالمصلحين ويُقِرُّ بفضلهم، ويُقَدِّرُ مواقفهم، ويتخير من آرائهم ولكنه لا يتحيز لفكرهم.

كان من منهج الشيخ الغزالي رحمه الله رفض دخول العوام، وأنصاف العلماء حلبة الإفتاء، وكان يراهم مدَّعين، وكثيرًا ما تعرَّض رحمه الله لتطاولهم، وإساءاتهم؛ يقول الغزالي: "وَدِدتُ لو أُعِنتُ على محاكاة أبي حامد الغزالي مُؤَلِّفِ "إلجام العوام عن علم الكلام"؛ فَأَلَّفْتُ كتابًا عنوانه "إلجام الرَّعاع والأغمار عن دقائق الفقه ومُشكِل الآثار"؛ لأمنعهم عن مناوشة الكبار، وأشغلهم بما يصلحون له من أعمال تناسب مستوياتهم، وتنفع أممهم بهم" [7].

"ورغم أن الغزالي كان شديد الإعجاب بالأفغاني وفكره في الإصلاح السياسي إلا أنه لا يعتبر تغيير الحكومات هو الحل الجذري لأن رفع مستوى الشعوب لا يتأتى إلا بالتربية الصحيحة التي تمثل القوة الفعلية لنهضة الأمم" [8].

وكان الشيخ الغزالي رحمه الله يرى الجهاد التربوي -كما فعل محمد عبده- هو أقرب مناهج الإصلاح للصواب ويتفق الغزالي مع محمد عبده في تقديم العمل التربوي الجماهيري على العمل السياسي الضيق "فالفساد يهبط من أعلى إلى أدنى، والإصلاح يصعد من أدنى إلى أعلى" [9].

وقد توجَّه نحو دراسة أحوال المجتمع المسلم فجاءت قضية المرأة، وتوسيع دائرة تعليمها، وفتح المجال لإسهاماتها في مقدمة منهاجه العملي في الإصلاح الاجتماعي. وهو مسار طويل بدأه ابن باديس والإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا وجاء الغزالي بعد حسن البنا فوسَّعه وعمق نطاقه دون التقليل من شأن الإصلاح السياسي.

يؤيد الغزالي عبد الحميد بن باديس المصلح الجزائري الكبير الذي آمن بحق المرأة في التعلم وطالب بمشاركتها في عملية بناء الأمة" [10].

كما يُعد الغزالي من أبرز الدعاة المنافحين عن اللغة العربية في هذا العصر، وكان يصرخ بحرقة: "اللغة العربية في خطر، أدركوها قبل فوات الأوان" [11]؛ وقد اقترح الشيخ عدة مقترحات عملية لخدمة اللغة العربية في مجالات النحو والمعجم [12].

وكان الغزالي يتذوق الشعر ويحفظه، ويستشهد به في كلامه وفي كتاباته وفي مواقفه المختلفة، ومع أنه كان مولعًا بالشعر القديم -وبخاصة شعر المتنبي- إلا أنه كان يحفظ أيضًا الشعر الحديث -وبخاصة شعر أحمد شوقي- وكان يتابع كل جديد ينشر في مجال الأدب والشعر ويقرأ للمعاصرين له، ولكنه يمقت الشعر المرسل، وقد برر موقفه النقدي هذا في قوله: "قد ظل العرب أقل من عشرين قرنًا يصوغون شعرهم حسب البحور المأثورة عنهم، حتى جاء هذا العصر الأنكد بما يسمى: الشعر المرسل، محاكاة للشعر الأوربي كما يقولون.." [13]، "لماذا أيها القوم تسمون أنفسكم شعراء إذا كنتم لا تحسنون قرض الشعر وبناء القصيد، لماذا لا تحاولون أن تكونوا ناثرين بعد استكمال القدرة العقلية واللغوية" [14].

ولا أدل على تجديده الفكري من الضجة التي أثارتها بعض كتبه؛ ومن ذلك كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، الذي يُعَدُّ من أشهر كتب الغزالي، وقد أحدث ضجة فكرية كبيرة بين الباحثين؛ إذ جمع فيه المؤلف الكثير من أفكاره النقدية في موضوع المرأة.

ومن خلال استقراء فكر الغزالي نجد فلسفته التربوية تركز على ضرورة الإصلاح الشامل وضرورة تقديم الفكر الإسلامي المنفتح عن طريق السلوك الحميد، وعن طريق التعاون مع كل من يمكن التعاون معهم؛ لأن الحكمة لا وطن لها فأينما وجدها المسلم فهو أحق الناس بها. حاول الغزالي في تفسيره للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والتراث الإنساني الضخم أن يرسم معالم التربية الإسلامية السليمة ويستخلص جوهر المنهج المتفتح الذي أرساه الإسلام فجاءت أطروحات الغزالي ومقالاته المتفرقة، وكتبه الكثيرة، وأشرطته السمعية المتنوعة لحل المشكلات الثقافية والاجتماعية المعاصرة.

تقوم فلسفة الغزالي التربوية على الإيمان بالفروق الفردية ورعاية المواهب الإنسانية وتشغيل الطاقات المعطلة.

أقوال العلماء عن الغزالي
قال عنه العلامة القرضاوي: "قائد كبير من قادة الفكر والتوجيه، وإمام من أئمة الفكر والدعوة والتجديد.. بل نحن أمام مدرسة متكاملة من مدارس الدعوة والفكر والإصلاح، لها طابعها وأسلوبها ولها مذاقها الخاص، وتحتاج إلى دراسات عديدة لإبراز خصائصها ومواقفها وآثارها؛ فليس الغزالي ملك نفسه ولا ملك جماعة أو حركة ولا ملك قطر أو شعب بل هو ملك الأمة الإسلامية جمعاء" [15].

قال العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي: "كنت حريصًا على الاجتماع بالشيخ محمد الغزالي، فهو من شخصيات الإخوان المسلمين البارزة، وأحد كتاب النهضة الدينية بمصر" [16].

الدكتور عبد الصبور شاهين: " قَرَأَتِ الدنيا له عشرات الكتب في الإسلام ودعوته، وتلقّت عنه ما لم تتلقَّ عن أحد من معاصريه، حتى إن عصرنا هذا يمكن أن يطلق عليه في مجال الدعوة: عصر الأستاذ الغزالي" [17].

الدكتور جابر قميحة: "لقد جسَّم الغزالي الرضا، والأمر، والتكليف، والضيق والتقزز.. فبدت في صورة حسية مجسَّدة، كما شخص: النفس والمشاعر؛ فإذا بها في صورة حية نابضة" [18].

تلاميذ محمد الغزالي
تتلمذ على الغزالي عدد كبير من طلبة العلم الذين صاروا فيما بعد علماء أجلاء طبقت شهرتهم الآفاق، ومن هؤلاء العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ مناع القطان، والدكتور أحمد العسّال.. وغيرهم.

دراسات عن الغزالي
- الشيخ الغزالي كما عرفته.. رحلة نصف قرن: أ.د يوسف القرضاوي.
- كيف نتعامل مع القرآن. في مدارسة مع الشيخ محمد الغزالي: عمر عبيد حسنة.
- هكذا علمني محمد الغزالي: علاء الدين آل رشي.
- الشيخ محمد الغزالي: صور من حياة مجاهد عظيم ودراسة لجوانب من فكره: عماد الدين خليل، عبد الحليم عويس، وآخرون.
- دفع الشبهات عن الشيخ محمد الغزالي: أحمد حجازي السقا.
- الشيخ محمد الغزالي: تاريخه، جهوده، وآراؤه: عبد الحليم عويس.
- خطب الشيخ الغزالي في شؤون الدين والحياة: دار الاعتصام.
- الشيخ محمد الغزالي الموقع الفكري والمعارك الفكرية: أ.د محمد عمارة.
- الداعية الناجح في فكر الغزالي، وصفي عاشور أبو زيد.
- الشيخ الغزالي كما عرفته في الجزائر: عمار الطالبي.
- ملامح الفكر السياسي للشيخ محمد الغزالي: محمد وقيع الله.

وفاة الإمام الغزالي
تُوُفِّي الإمام محمد الغزالي يوم السبت (19 من شوال 1416هـ = 9 من مارس 1996م) في السعودية أثناء مشاركته في مهرجان الجنادرية الثقافي بالمملكة العربية السعودية، حول موضوع الإسلام وتحديات العصر، ودُفِنَ بالبقيع، وكان قبلها قد صرَّح بأن أمنيته أن يُدفَنَ في البقيع، وقد تحقَّق له ما تمنى [19]؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

[1] يوسف القرضاوي، الشيخ الغزالي كما عرفته، نقلاً عن موقع القرضاوي على الشبكة الدولية
[2] موقع الشيخ الغزالي على الشبكة الدولية.
[3] موقع الشيخ الغزالي على الشبكة الدولية.
[4] الغزالي: في موكب الدعوة ص 11.
[5] محمد المجذوب: علماء ومفكرون عرفتهم، ج1، نقلاً عن موقع الشيخ الغزالي على الشبكة الدولية.
[6] موقع الشيخ الغزالي على الشبكة الدولية.
[7] الغزالي: علل وأدوية ص81، 82.
[8] الغزالي: الحق المر 2/162.
[9] محاضرات الشيخ الغزالي ص 139.
[10] تراثنا الفكري ص 48.
[11] محمد الغزالي: مشكلات في طريق الحياة الإسلامية ص 107.
[12] السابق نفسه ص89- 90.
[13] السابق نفسه ص 103.
[14] السابق نفسه ص 105.
[15] القرضاوي: في الذكرى الحادية عشرة لرحيل.. الغزالي، على موقع القرضاوي
[16] أبو الحسن الندوي: مذكرات سائح في الشرق العربي، نقلاً عن: عبد الله العقيل: من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية ص 28.
[17] وصفي عاشور أبو زيد: كيف ندعو إلى الإسلام في زمن العولمة وعصر الهجوم على الإسلام (في فكر الشيخ محمد الغزالي)، مجلة الوعي الإسلامي، العدد رقم: 493، بتاريخ 23 ديسمبر 2006م.
[18] جابر قميحة: عشر سنوات على رحيل الغزالي الأديب، على موقع الغزالي، ورابطه.
[19] محمد المجذوب: علماء ومفكرون عرفتهم 1/77-106، موقع الشيخ الغزالي على الشبكة الدولية.