مغيث الرومي .. نسبه ونشأته
هو مغِيث الرومي، مولى الوليد بن عبد الملك، أو مولى عبد الملك بن مروان، والصواب أنه مولى عبد الملك بن مروان، فهو الذي أدبه، ولا تناقض بين الرواتين إلا من الناحية اللفظية حسب، فقد كان مغيث مولى عبد الملك بن مروان، فلما تُوفي وأصبح ابنه الوليد خلفاً له، أصبح مولى الوليد بن عبد الملك.

سُبِيَ من الروم بالمشرق وهو صغير، فأدَّبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد، وأنجب في الولادة، فصار بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة، وسادوا وعظم بيتهم، وتفرعت دَوْحَتهم، وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن الداخل صاحب الأندلس وغيره.

ومغيث رومي بالرغم من ادِّعاء أولاده بأنه عربي من غسَّان من نسل جَبَلَة بن الأيْهَم الغَسَّاني، ومن المحتمل أنه كان من الروم الذين عاشوا في شمالي إفريقية، فقد كان خبيراً بإفريقية عارفاً بها [1].

مغيث الرومي في بلاط الخلافة الأموية
نشأ مغيث الرومي وترعرع وشبَّ في أحضان البيت المالك: بيت الخليفة عبد الملك بن مروان، وتعلَّم جنباً إلى جنب الوليد بن عبد الملك، فأصبح أحد أفراد العائلة المالكة وجزءاً منهم لا يتجزأ، مصيرهم مصيره، ومستقبلهم مستقبله، ويهمه أمرهم، ويهمهم أمره، كما أصبح موضع ثقتهم الكاملة. وتعلم مغيث في دمشق القرآن الكريم وعلومه، والحديث النبوي الشريف وعلومه، والتاريخ والسِّير، وأيام العرب قبل الإسلام وبعده، وعلوم اللغة صَرْفاً ونَحواً وبلاغةً وبياناً وشعراً ونثراً، كما تعلم فنون الأدب في مجالي الشعر والنثر، وحفظ نماذج من أقوال الخطباء والأدباء والشعراء، ولم يغفل الحساب والهندسة وتقويم البلدان.

وكان الخلفاء بخاصة والعرب بعامة، في تلك الأيام، يعتبرون اللَّحن في اللُّغة عيباً من أشنع العيوب، "فتأدّب مغيث بدمشق مع بني عبد الملك، فأفصح بالعربية، وصار يقول من الشعر والنثر ما يجوز كتبه"، وتدرّب على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام في مضايق الحروب، حتى تخرَّج في ذلك تخرُّجاً أهَّله للتقدم على الجيش الذي فتح قرطبة.

كما تدرَّب على الفنون العسكرية العملية، وقد كان أسلوب التدريب على القتال شائعاً في أيام الأمويين بالنسبة لأولاد الخلفاء ومَن حولهم، وبالنسبة لأولاد المسلمين كافة، فكان من نصيب مغيث أن يتدرب في ميادين الجهاد الإفريقي والمغربي والأندلسي [2].

مغيث الرومي عين الخلافة في الأندلس
كان للخلفاء في مختلف أمصار الدولة، مَن يُطلعهم على حقيقة الأوضاع فيها، إلى جانب الولاة والقادة، فلا يستطيع الولاة والقادة أن يُخفوا على الخلفاء شيئاً يهمّ الخلافة، وكان مغيث أحد هؤلاء الذين يثق بهم الخليفة، ويجب أن يطّلع على أمور الولاة والقادة والرعيّة عن طريقهم، فأوفده الوليد ليرافق الحملة الأندلسية، وينقل إليه أخبار الفتوح كما يجب أن تُنقل، لا كما يحب الولاة والقادة أن تُنقل، والفرق بين النَّقلين كبير.

مغيث الرومي فاتح قرطبة
دخل مغيث الرومي الأندلس مع طارق بن زياد رحمه الله، وكان الوليد بن عبد الملك هو الذي وجَّهه إلى الأندلس غازياً، ولا نعلم بالضبط متى وجَّهه إلى هذا الواجب، وكان عبور طارق إلى الأندلس في يوم الاثنين الخامس من شهر رجب سنة 92هـ (27 نيسان - أبريل - سنة 711م)، فلابد من أن يكون مغيث قد بُعث إلى إفريقية والمغرب قبل هذا التاريخ. ومن المحتمل أن الوليد بعثه قبيل الشروع في عمليات فتح الأندلس إلى تلك المنطقة، للإشراف على سير تلك العمليات، ومن المرجح أنه أرسله بعد فتح طنجة التي كانت سنة 89هـ، وقبل عبور طريف بن مالك إلى الأندلس، أي في أوائل سنة 91هـ.

وكان مغيث على خيل طارق بن زياد، وبعد أن فتح مدينة إسْتَجّة (بينها وبين قرطبة عشرة فراسخ) فرق جيوشه من هذه المدينة، فبعث مغيثاً إلى قرطبة، وكانت من أعظم مدائنهم، في سبعمائة فارس، لأن المسلمين ركبوا جميعاً خيل القوط، ولم يبق فيهم راجل، وفَضَلت عنهم الخيل.

وكَمن المسلمون بعُدْوَة نهر شَقُنْدَة ( Secunda) في غَيْضَة أرْز شافحة، وأرسلوا الأدلاّء فأمسكوا راعي غنم، فسئل عن قرطبة، فقال: "رحل عنها عظماء أهلها إلى طُلَيْطِلَة، وبقي فيها أميرها في أربعمائة فارس من حُماتهم مع ضعفاء أهلها". وسُئل عن سورها، فأخبر أنه حصين عال فوق أرضها، غير أنه فيه ثُغرة، ووصفها لهم.

وتربَّص المسلمون على الضفة اليسرى من نهر الوادي الكبير بالقوط، وأخذوا يستطلعون أخبار القوط، ويجمعون المعلومات عنهم قبل أن يعبروا النهر ويهاجموا البلد. ولم يصعب على المسلمين الاتصال بنفر من سكان قرطبة المحليين، وبمعونة هؤلاء استطاعوا العبور في ليلة غزيرة المطر، يقول الرازي: "وأقبل المسلمون رويداً حتى عبروا نهر قرطبة ليلاً، وقد أغفل حرس المدينة احتراس السور، فلم يظهروا عليه، ضيقاً بالذي نالهم من المطر والبرد، فترجَّل القوم حتى عبروا النهر، وليس بين النهر والسّور إلاّ مقدار ثلاثين ذراعاً".

وكان عبور المسلمين نهر الوادي الكبير في مواجهة باب القنطرة، أو باب الصورة نسبة إلى تمثال أسد كان قائماً على مقربة من السور، وظل قائماً أيام المسلمين، وجعل مغيث ورجاله يدورون حول السور يلتمسون ثغرة فيه يدخلون منها إلى قرطبة.

وحاول المسلمون التعلق بالسور، فلم يجدوا مُتَعلّقا، ورجعوا إلى الراعي في دلالتهم على الثغرة التي ذكرها، فأراهم إياها، فإذا بها غير متسهّلة التسنّم، إلاّ أنه كانت في أسفلها شجرة تين مكّنت أفنانها من التعلّق بها، فصعد رجل من أشِدّاء المسلمين في أعلاها، ونزع مغيث عمامته فناوله طرفَها، وأعان بعض الناس بعضاً، حتى كثروا على السّور. وركب مغيث ووقف من خارج، وأمر أصحابه المرتقين للسور بالهجوم على الحرس، ففعلوا وقتلوا نفراً منهم، وكسروا أقفال الباب، وفتحوه. ودخل مغيث ومَنْ معه، وفتحوا المدينة عَنْوَة.

وهاجم مغيث ومَن معه من المسلمين قصر الملك، وقد بلغ الملك دخول المسلمين المدينة، فبادر بالفرار عن البلاط في أصحابه، وهم في زهاء أربعمائة فارس، وكانوا مقيمين مع الحاكم في الجزء الغربي من قرطبة، الذي سيعرف في أيام المسلمين بالمدينة أو القصبة (يسمى اليوم لافيليا = المدينة)، وكان الملك مقيماً وحده في قصر منيف من الضاحية التي ستعرف أيام المسلمين برَبَض الورّاقين، وأسرع الملك إلى حاميته القوطية، فطارده المسلمون، ففز بجنده إلى كنيسة قريبة تسمى كنيسة سان أثيسكلو San Acisclo، وتحصَّن فيها، فحاصرها المسلمون، واستمر الحصار نحو ثلاثة أشهر، حتى استطاع المسلمون قطع الماء عن المحصورين، وكان يجري إلى الكنيسة في مجرى تحت الأرض.

ورغب ملك قرطبة أن يتخلص من الموقف الحرج الخطر الذي حاق برجاله، عند إيقانه أنه هالك إذا بقي معهم، ففرَّ عن رجاله وحده بعد أن استغفلهم، ورام اللّحاق بطليطلة. وعلم مغيث بهرب الملك، فبادر الركض خلفه وحده، فلحقه بقرب قرية تُطِيلَة هارباً وحده، وهي قرية قريبة من قرطبة، وكان تحت هذا الهارب فرس أصفر ذريع الخَطْوِ. والتفت الملك ودُهِش لما رأى مغيثاً يطارده مطاردة عنيفة بلا هوادة، فزاد في حثّ فرسه، فقصر به، فسقط عن الفرس، واندقَّت عنقه، فقعد على ترسه مستأسراً، قد هاضته السقطة، فقبض عليه مغيث، وسلبه سلاحه، وحبسه عنده ليقدم به على أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن بعضهم استأمن، وبعضهم هرب إلى جِلِّيقِيَّة.

وفي رواية: أن مغيثاً استنزل أهل الكنيسة، بعد أسره لمليكهم، فضرب أعناقهم جميعاً، فمن أجل ذلك عُرفت بكنيسة الأسرى، وأنه اختار القصر لنفسه والمدينة لأصحابه. ودخل مغيث بلاط صاحبها واختطّه، ومعنى ذلك أنه أضاف إليه إضافات جديدة، ثم وهبه موسى بن نصير إلى مغيث مع أرضه،

وسكن مغيث قصر الملك الذي أصبح فيما بعد مقام الأمراء والخلفاء. وقد ترك المسلمون كنيسة الأسرى لنصارى قرطبة، فظلت أكبر كنائسهم في عاصمة الأندلس الإسلامية، طالما بقيت المدينة في حوزة المسلمين.

وهكذا انتهت ملحمة فتح قرطبة، استبسل فيها المسلمون وقاتلوا قتال الأبطال، كما أحسن القوط في دفاعهم، وصبروا وصابروا، ولكن بقدر ما بلغ مغيث قائداً تحمَّل القسط الأكبر من الفتح، بقدر ما تخنَّث حاكم القوط وقائدهم وتحمَّل القسط الأكبر من كارثة الهزيمة. فكان مغيث نعمَ القائد، وكان قائد القوط بئس القائد.

وقد فتح مغيث الرومي قرطبة في شوال من سنة اثنتين وتسعين الهجرية (711م)، ثم فتح مغيث الكنيسة التي تحصَّن بها حاكم قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم من سنة 93هـ (712م) [3].

شبهة والرد عليها
دخل مغيث الرومي الأندلس مع طارق، وكان على تماس شديد به، فهو مدير مخابرات الخلافة في الأندلس دون أن يكون واجبه مجهولاً من طارق بن زياد أو من موسى بن نصير، وبعد أن استقر طارق وموسى في طليطلة، أرسل موسى وفداً إلى دمشق يتألف من مبعوثين هما: مغيث وعلي بن رباح اللخمي وهو من التابعين، لينقلا إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك أخبار الفتح.

ولكن الوليد بن عبد الملك أعاد مغيثاً إلى الأندلس، وأمره أن يبلغ موسى بالخروج من الأندلس والكف عن التوسع في البلاد، وأن يشخص موسى إلى دمشق، فعاد مغيث إلى موسى بما أمره به الوليد.

ولم يصرف قدوم مغيث موسى عن المضي في إتمام خطته في الفتح، فلاطف مغيثاً وسأله إمهاله إلى أن ينفّذ عزمه في فتح جِلِّيقِيَّة، وأن يسير معه أياماً، ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل مغيث ومشى مع موسى، وقد وهب مغيثاً القصر الذي ينسب إلى مغيث في عهد المسلمين، وهو: (بلاط مغيث) بجميع أرضه من أرض الخُمُس، وهو قصر حاكم قرطبة، نظير إمهاله بعض الوقت في غزو جلِّيقِيَّة. وقَبِلَ مغيث هذه الشروط، فلما اطمأن موسى إلى ذلك، بادر بالمسير شمالاً لإكمال فتوحه.

والحديث عن إقناع مغيث بالغنيمة والقصر، لإبقاء موسى على رأس جيشه في الأندلس، من أجل استكمال خطّة الفتح كاملة، ليس من السهل تصديقه ولا قبوله، فهو رشوة لتأجيل تنفيذ أمر الخليفة الواضح الصريح، في استقدام موسى من الأندلس، وليس ذلك من خلق التابعين وتابعي التابعين، ولا كان الدسّ والافتراء والحسد والرشوة من أخلاقهم. قد كان مغيث قويّاً أميناً، لا يتقبّل الرشوة، ولا يرتضي لنفسه مخالفة الخليفة الصريحة الواضحة في حال من الأحوال، والذي يبدو أن الخليفة أمر مغيثاً أن يُشخص موسى إلى دمشق، دون أن يأمره بإشخاصه فوراً، وترك الحرية لمغيث أن ينفِّذ أمره دون تقييده بوقت معين محدود، فكان لمغيث أن يتصرف في أمر موسى بحرية مطلقة. ورأى مغيث أن الموقف العسكري يتطلب بقاء موسى ردحاً من الزمن في الأندلس لاستكمال فتوحاته. وكانت الغنيمة والقصر جزاء جهوده وجهاده لا جزاء تقاعسه وتراخيه في تنفيذ أمر الخليفة، أو جزاء التخلّي عن هذا التنفيذ.

وبعد أن استكمل موسى خطة فتحه، ومغيث معه، أخذ مغيث يتعجل موسى، وكان الوليد بن عبد الملك معجلاً عليه لا يريد أن يتمهّل إذ أن رسولاً آخر من الوليد، يكنّى: أبا نَصْر، بعثه إلى موسى، عندما استبطأه في القفول، فأتاه وهو بمدينة لُكّ بناحية جلِّيقِيّة. وبادر موسى بالعودة مع أبي نصر من لُكْ، وكان مع أبي نصر رسالة من الوليد إلى موسى يأمره بالخروج من الأندلس، فغادر موسى الأندلس مع طارق بن زياد ومغيث وأبي نصر في شهر ذي الحجة من سنة 95هـ (أيلول - سبتمبر - 714م) [4].

بين موسى بن نصير ومغيث
ما قفل موسى بن نصير إلى المشرق وأصحابه، سأل مغيثاً أن يُسلِّم إليه العِلْجَ صاحب قرطبة الذي كان في إساره، فامتنع عليه، وقال: "لا يؤديه للخليفة سواي"، وكان مغيث يُدِلّ بولائه من الوليد بن عبد الملك، فهجم عليه موسى فانتزعه منه، فقيل لموسى: "إن سِرْتَ به حيّاً معك، ادّعاه مغيث، والعلج لا ينكر قوله، ولكن اضرب عنقه"، ففعل، فاضطغنها عليه مغيث، وصار إلْباً مع طارق السّاعي عليه [5].

ومن الصعب تصديق، أن موسى يُقدم على قتل العلج بعد أن أصبح بحوزته، حتى لا يدّعيه مغيث لنفسه، لأن علاقة العلج بمغيث أشهر من أن لا تعرف على حقيقتها، فلا مسوِّغ لقتل العلج لتغطية قصة أسره من مغيث، كما أن من الصعب تصديق أن موسى يُقدم على اغتصاب العلج من مغيث، فقد كان مع موسى في رحلته إلى المشرق ما لا يُحصى من الرجال والنفائس، ما يمكن أن يُعَدّ العلج، إلى جانبها أمراً تافهاً لا يُؤْبَهُ به، ولا مجال أن نجعله مشكلة بين موسى ومغيث، ولا مسوِّغ لذلك.

مغيث الرومي وجارية صاحب قرطبة
كان مغيث الرومي مشهوراً بحسن الرأي والكيد، فقد ذكروا أنه لما حصل بيده صاحب قرطبة وحريمه، رأى فيهنّ جارية كأنّها بينهنّ بدر بين نجوم، وهي تكثر التعرّض له بجمالها، فوكل بها مَن عرض عليها العذاب إن لم تُقِرَّ بما عزمت عليه في شأن مغيث، وأنه قد فطن من كثرة تعرّضها له بحسنها لما أضمرته له من المكر، فأقرّت أنها أكثرت التعرّض له لتقع في قلبه، إذ حُسْنُها فَتَّان، وقد أعدّت له خرقة مسمومة لتمسح بها ذَكَرَه عند وقاعها، فحمد الله تعالى على ما ألهمه إليه من مكرها، وقال: "لو كان نفس هذه الجارية في صدر أبيها، ما أخذت قرطبة من ليلة" [6].

بين مغيث الرومي وطارق بن زياد
وأراد سليمان عبد الملك، أن يصرف سلطان الأندلس إلى طارق بن زياد بعد موسى بن نصير، فاستشار سليمان مغيثاً في تولية طارق، فقال له: "كيف أمره بالأندلس؟ "، فقال مغيث: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا"، فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان، وبدا له في ولايته. ولقيه طارق بعد ذلك، فقال له: "ليتك وصفت أهل الأندلس بعصياني، ولم تضمر في الطاعة ما أضمرتَ"، فقال مغيث: "ليتك تركتَ لي العِلْجَ فتركتُ لك الأندلس"، وكان طارق قد أراد أن يأخذ منه صاحب قرطبة الذي حصل في يده، فلم يمكنه منه، فأغرى به سيّده موسى بن نصير، وقال له: "يرجع إلى دمشق، وفي يده عظيم من عظماء الأندلس، وليس في أيدينا مثله، فأي فضل يكون لنا عليه؟"، فطلبه منه، فامتنع من تسليمه، فهجم موسى على العلج وانتزعه من مغيث، ثم ضرب عنقه [7].

فإذا صحّت هذه الروايات أو لم تصحّ، فإنه كما قيل عنه: كان مشهوراً بالرأي والكَيْد، وأنه كان على جانب كبير من الذكاء والفطنة وحضور البديهة، وأنه كان منتبهاً أشدّ الانتباه إلى ما حوله ومَنْ حوله، وليس من السهولة أن يُؤخذ على حين غُرّة، أو يتغلب عليه أحد، وأنه كان طموحاً يحب التملّك والمال حبّاً جمّاً. لذلك كان أحد مسئولي مخابرات الدولة الكبار المرموقين، الذين يفرض كفايته على الخلفاء، فاستعان به الوليد بن عبد الملك، ثم استعان به سليمان بن عبد الملك، دون أن يستطيع الاستغناء عنه أو يُسدل عليه ستاراً من ستائر النسيان.

استشهاد مغيث الرومي
بقي مغيث الرومي غير مجهول المكانة والمكان لكفاياته المتميّزة، وإخلاصه للبيت الأموي إخلاصاً لا شائبة فيه، حتى كانت خلافة هشام بن عبد الملك 105هـ (723م)، الذي أخرج أحد قادته إلى إفريقية، عهد إليه أن يطيع مغيثاً مولى الوليد، لمعرفته بالبلد. ولكن مغيثاً قُتِل في إفريقية، في منطقة طنجة، وكان مع جيش الدولة في قتال الخارجين من البربر، وكان قتله سنة 118هـ (736م) وكان عمره أربعًا وستين سنة.

وقد أنْسَلَ مغيث في قُرطبة بني مغيث، ولا علم لنا بعددهم ولا بأخبارهم، عدا ما ذكر عن أن عبد الرحمن بن مغيث تولَّى منصب الحجابة لعبد الرحمن الداخل [8].

رحم الله مغيثاً، القائد الفاتح، المجاهد الصادق، صاحب سرِّ الخلفاء وموضع ثقتهم، جزاء ما قدَّم من أعمال جليلة، في الفتح وفي بناء الدولة والدفاع عن حاضرها ومستقبلها.