سيكون الحديث عن منطقة من مناطق العالم الإسلامي تواجه أعظم هجمة صليبية في العصر الحديث، حيث يُقضى على المسلمين بالقتل والأسر والتهجير، وحيث يموت الآلاف بأيدي الصليبيين، أو نتيجة الجوع والعطش والمرض، حيث هم محاصرون منذ سنوات.

إنها منطقة البوسنة والهرسك، نعود إليها عبر سنين مضت لنعرف كيف وصلها الإسلام وانتشر فيها، وكيف انتصر المسلمون على النصارى الصرب في ذلك الوقت، وضموها إلى بلادهم.

في ذلك التاريخ كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها وازدهارها حينما اكتسحت أوربا الشرقية، فتهاوت مدنها ودولها تحت ضربات الجيش العثماني المسلم، ووصلت طلائع هذا الجيش إلى مدينة فيينا لتحاصرها فترة من الزمن، ويتسابق ملوك أوربا بإعلان الولاء والانقياد للسلاطين العثمانيين، في ذلك التاريخ كان همُّ هؤلاء السلاطين الجهاد في سبيل الله، ونشر كلمة التوحيد في كل مكان.

لنتوقف قليلاً في عهد السلطان مراد الأول بن السلطان أورخان الغازي، فقد كان من السلاطين العظام الذين جاهدوا في سبيل الله، ففتحوا المناطق الواسعة من أوربا.

ولد هذا السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة للهجرة (726هـ)، ونشأ على كريم الأخلاق، ولما شبَّ اشترك مع والده في جهاد اليونان، فأظهر بسالة لا توصف، وإقدامًا لفت الأنظار، وبعد وفاة والده تولى الحكم سنة إحدى وستين وسبعمائة هجرية (761هـ)، فقضى كل سِنِي حكمه في جهاد مستمر.

كانت أول أعماله الجهادية فتح مدينة (أدرنة) فجعلها عاصمة لدولته، وظلت كذلك حتى فتحت القسطنطينية، ثم ساق جيشه نحو البلقان فتبوءوا مدنها وافتتحوا حصونها، وأبرم معاهدة مع ملك اليونان، بيد أن هذه المعاهدة لم تستمر طويلاً، حيث نقضها اليونان، وهكذا استطاع السلطان مراد الأول أن يستولي على جزء كبير من أوربا الشرقية، وأن يحيط بالقسطنطينية من جميع الجهات.

وهنا اضطرب ملوك أوربا النصارى وارتعدت فرائصهم، وأدركوا عظيم الخطر الذي تشكله هذه الدولة المسلمة الفتية، فطلبوا من البابا (أوربانوس) الخامس أن يأمر جميع الدول النصرانية أن تتحد للوقوف في وجه المسلمين، وإخراجهم من أوربا قبل أن يجتازوا حدود البلقان، وحينئذٍ لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم، فيكتسحوا أوربا كلَّها.

ولبَّى البابا استغاثتهم وكتب لجميع ملوك أوربا النصارى يأمرهم بالتأهُّب لمحاربة المسلمين، وأن يشنوا حربًا دينية للحفاظ على النصرانية في وجه الإسلام، ولم ينتظر الملك أوروك الخامس ملك الصرب وصول الإمدادات من أوربا، بل استعان بالدول القريبة منه وكوَّن جيشًا جرارًا من اليونان والصرب والمجر والرومان، وسار بهم إلى عاصمة العثمانيين أدرنة فحاصرها، وكان السلطان مراد خارجها فعاد مسرعًا بجيشه، وهاجم النصارى بغتة، حيث فوجئوا بالتهليل والتكبير وسيوف المسلمين تعلوهم، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى ولوا الأدبار تاركين الثرى مخصبًا بدمائهم، وهكذا فشلت محاولة الصرب هذه ضد المسلمين.

وكان من نتيجة هذه المعركة أن تسابق حكام البلقان لإعلان الولاء للمسلمين، ودفع الجزية لهم.

وفي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة (781هـ) تحالف ملك الصرب الجديد (لازارجر بلينانوفتش) مع ملك البلغار على مهاجمة المسلمين، لكنهما بعد عدة مناوشات تحققا من عجزهما عن هزيمة العساكر الإسلامية، فأبرما صلحًا مع السلطان مراد، على أن يدفعا له خراجًا سنويًّا.

ولم يستمر هذا الصلح طويلاً فقد نقضه النصارى، وبدءوا يُعِدُّون العُدَّة لمحاربة المسلمين، إلا أن العثمانيين لم يمهلوهم، فاجتاحت جيوشهم بلاد البلغار، وهزمت ملكها واحتل مدنها، وانتهى الأمر بأسر ملك البلغار.

ولما علم ملك الصرب لازار بذلك، بدأ يستعد لمواجهة المسلمين فألَّف جيشًا من الصرب والبوسنة والهرسك والألبان والأفلاق والبُغدان، وتعاهد الجميع على محاربة المسلمين والاستيلاء على الدولة العثمانية، وبلغ الخبر مسامع السلطان مراد، فألف مجلسًا للشورى والنظر في الأمر، لكن ولده بايزيد هتف قائلاً في المجلس: "الحرب الحرب، والقتال القتال"، فأبطل كل مشورة.

ودقت طبول الحرب وسار الجيش الإسلامي إلى الأعداء، فالتقاهم في سهل (قوص أوه) سنة إحدى وتسعين وسبعمائة (791هـ)، ونشب القتال بين الجانبين، ووثب المسلمون على النصارى والتحموا معهم في القتال التحامًا لم يعد يُرى معه إلا جماجم طائرة وفرسان غائرة، ودويّ سلاح يدك الجبال الشامخة، وبقيت الحرب بينهما سجالاً مدة من الزمن، دافع الصليبيون الصرب خلالها دفاعًا مستميتًا، وتناثرت الرءوس، وأزهقت النفوس، وفي أثناء المعركة انحاز صهر ملك الصرب بفرقته إلى المسلمين، ودارت الدائرة على الصربيين، وجرح ملكهم لازار، ثم وقع أسيرًا في يد المسلمين، وانتصر المسلمون على الصربيين، وكانت من المعارك الحاسمة في تاريخ أوربا الشرقية، وظلَّ ذكرها شهيرًا في أوربا بأسرها، وزال استقلال الصرب وخضعت كل بلادها للمسلمين، كما فقدت البلغار استقلالها من قبل.

وبعد المعركة أخذ السلطان مراد يتمشى بين الجثث وينظر إليها بعين الاندهاش، إذ قام من بينها جندي صربي اسمه (ميلوك كوبلوفتش)، فطعن السلطان بخنجر طعنة قاضية، وسقط -رحمه الله- ليسلم الروح بعد قليل.

سهل كوسوفو بولجي معركة قوص أوه وهكذا شهد سهل كوسوفو بولجي معركة (قوص أوه) الحاسمة بين المسلمين والصرب، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا، وأخذ الإسلام ينتشر في تلك البقاع حتى تحولت مناطق كاملة إلى الإسلام، كما هو الحال في البوسنة والهرسك وكوسوفو وغيرها.

وكما يشهد هذا السهل انتصار المسلمين، فقد شهد أيضًا غدر الصرب الذي ذهب ضحيته سلطان المسلمين مراد، فمات -رحمه الله- أوائل شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة من الهجرة (791هـ)، وسجل التاريخ منذ ذلك الوقت -وإلى يومنا هذا- أن الصرب لا يلتزمون بعهد ولا ميثاق، ولا يعرفون في تعاملهم مع المسلمين إلا لغة القوة والبطش وسفك الدماء.

واليوم وكما غدر الصرب وأعوانهم بقائد المسلمين في تلك المعركة، يغدرون بالمسلمين جميعًا في البوسنة والهرسك، فيقتلون ويأسرون ويغتصبون، لا يردعهم خلق ولا دين، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، والعجب كل العجب أن يقف المسلمون جميعًا موقف المتفرج على هذا كله.