لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبو بكر الصديق السرايا إلى المرتدين، أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة، وأتبعه شرحبيل بن حسنة، فاستعجل وانهزم، وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر، وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر، فكتب إليه أبو بكر: "يا بن أُمِّ عِكْرِمَةَ، لا أَرَيْنَكَ وَلا تَرَانِي! لا تَرْجِعْ فَتُوهِنَ النَّاسَ، امْضِ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى تُسَانِدَ حُذَيْفَةَ وَعُرْفُجَةَ فَقَاتِلْ مَعَهُمَا أَهْلَ عُمَانَ وَمهْرَةَ، وَإِنْ شُغِلا فَامْضِ أَنْتَ، ثم تسير وتسير جندك تستبرئون مَنْ مَرَرْتُمْ بِهِ، حَتَّى تَلْتَقُوا أَنْتُمْ وَالْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بِالْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ".

وكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد بن الوليد فإذا فرغوا من مسيلمة يلحق بعمرو بن العاص يعينه على قضاعة. فلما رجع خالد من البطاح -بعد قضائه على مالك بن نويرة- إلى أبي بكر واعتذر إليه فقبل عذره، وأوعب معه المهاجرين والأنصار، وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب، وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه، فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة بجيشه لملاقاة العدو.

يوم عقرباء
ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء، وخرج إليه الناس وخرج مُجَّاعَةُ بنُ مِرَارَةَ في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر، فأخذه المسلمون وأصحابه وقتلهم خالد واستبقى مجاعة لشرفه في بني حنيفة، وكانوا ما بين أربعين إلى ستين، وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره.

وفي صباح اليوم التالي التقى الجيشان بسهل عقرباء، وقال شرحبيل بن مسيلمة: "يَا بَنِي حَنِيفَةَ، الْيَوْمَ يَوْمَ الْغَيْرَةِ، الْيَوْمَ إِنْ هزمتم تستردف النساء سبيات، وينكحن غير خطيبات، فَقَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ، وَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ"، فاقتتلوا بعَقْرَبَاءَ.

وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وكانت مع عبد الله بن حفص بن غانم فقُتل، فقالوا لسالم: "نخشى عليك من نفسك". فقال: "بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا!". وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس.

وانهزم المسلمون في بداية المعركة، فقد كان جيش مسيلمة الكذاب في منتهى القوة، فتعداده مائة ألف مقاتل، وجيش خالد بن الوليد اثنا عشر ألف، واخترق بنو حنيفة جيش المسلمين حتى وصلوا إلى فسطاط خالد بن الوليد الذي هو قبل مؤخرة الجيش، ودخلوا خيمة القائد، وحرروا مجاعة بن مرارة، وكادوا أن يقتلوا زوجة خالد بن الوليد، لولا أن أجارها مجاعة بن مرارة، وقال: أنا لها جار فتركوها. وقال لهم: عليكم بالرجال، فقطعوا الفسطاط.

وحاق الخطر بالمسلمين في هذه الساعة، وأخذ بعضهم يحث على القتال ويستفز الهمم، فقال ثابت بن قيس: "بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين، اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني أهل اليمامة- وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء -يعني المسلمين"، ثم قاتل حتى قتل. وقال أبو حذيفة: "يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال".

ويقوم زيد بن الخطاب الذي رفض الإمارة، حتى يطلب الشهادة، يقول للمسلمين: "أيها الناس عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوكم، وامضوا قدمًا، والله لا أتكلم حتى ألقى الله فأكلمه بحجتي". ويقاتل قتالاً شديدًا في جهة اليمين وهو قائد الميمنة، حتى وفقه الله تعالى إلى أن يصل إلى نَهَار الرِّجَال، وهو قائد ميسرة المرتدين، فتبارز معه، فقتل زيد نهار الرجال، وبمجرد موت نهار الرجال، تضعف الهمة عند بني حنيفة.

وقد كانت لهذه الكلمات الحماسية والمواقف الرائعة أثرها في النفوس، فحمل خالد في الناس حتى ردهم إلى أبعد مما كانوا واشتد القتال وقاتل العدو قتال المستميت، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة لبني حنيفة، واستشهد سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من كبار المسلمين.

ولما رأى خالد ما الناس فيه واختلاط جيشه، أراد أن يميزهم لتدب فيهم روح الغيرة فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ امْتَازُوا لِنَعْلَمَ بَلاءَ كُلِّ حَيٍّ، وَلِنَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ نُؤْتَى!". وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم المهاجرين والأنصار، فلما امتازوا قال بعضهم لبعض: "اليوم يستحى من الفرار"، فما رئي يوم أعظم نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في البوادي.

يوم الحديقة
وثبت مسيلمة الكذاب فدارت رحاهم عليه، وأدرك خالد بن الوليد أن الحالة لا تهدأ إلا إذا قتل مسيلمة، فحمل عليهم ودعا إلى البراز ونادى بشعار المسلمين يومئذ وكان "يَا مُحَمَّدَاهُ!"، فلم يبرز إليه أحد إلا قتله، وحمل على مسيلمة ففر وفر أصحابه، وصاح خالد في الناس فهجموا عليهم فكانت الهزيمة، ونادى المحكم بن الطفيل وزير مسيلمة الكذاب، وقائد ميمنته: "يا بني حنيفة الحديقة الحديقة!"، ثم رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله.

مقتل مسيلمة الكذاب
فرَّ المرتدون أمام المسلمين حتى دخلوا الحديقة بأعداد هائلة، حتى كان داخل الحديقة في ذلك الوقت ما يقرب من تسعين ألف مقاتل، وأراد المسلمون دخول الحديقة، فلم يستطيعوا دخولها لمناعة أسوارها العالية، وكان ممن دخل الحديقة مسيلمة، فقال البراء بن مالك: "ضعوني على درع، ثم ارفعوا هذا الدرع بأسنة الرماح، ثم ارفعوني، حتى أصل إلى أعلى السور، ثم اقذفوني داخل الحديقة، أفتح لكم الباب من داخل الحديقة"، فتردد المسلمون خوفا عليه، ثم احتملوه فألقوه، فلما أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة التي كانت مغلقة فقتل منهم خمسة عشر، حتى فتحها للمسلمين.

فاندفع المسلمون إليها كالسيل الجارف، فأغلق البراء الباب عليهم بعد دخولهم جميعًا، ورمى بالمفتاح من وراء الجدار حتى لا يتمكن أحد من الخروج، فاقتتلوا قتالا شديدًا، وقُتل مسيلمة، قتله وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه.

بعد قتل مسيلمة الكذاب وهنت نفوس المرتدين، وخارت عزائمهم، فلم يقووا على فعل شيء، فأعلنوا تسليمهم وقبل أن يعلنوا تسيلمهم كان المسلمون قد أوسعوهم قتلاً، وبلغ عدد قتلى المرتدين في معركة اليمامة واحدًا وعشرين ألف مرتد، وكان جيش المسلمين اثني عشر ألف مجاهد، قتل منهم ألف ومائتا شهيد سقطوا من المسلمين.

ولما أخبر خالد بقتل مسيلمة خرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة، وأخذ يكشف له عن جثث القتلى حتى عثر عليه، فقال مجاعة لخالد: "وَاللَّهِ مَا جَاءَكَ إِلا سَرْعَانُ النَّاسِ، وَإِنَّ جَمَاهِيرَ النَّاسِ لَفِي الْحُصُونِ"، فقال خالد: "ويلك ما تقول؟"، قال: "هُوَ وَاللَّهِ الْحَقُّ، فَهَلُمَّ لأُصَالِحُكَ عَلَى قَوْمِي".

وبعد معركة اليمامة ذهب وفد من بني حنيفة إلى أبي بكر رضي الله عنه وقص عليه ما كان من أمر مسيلمة، وسألهم عن بعض أسجاع مسيلمة فقالوا له شيئًا منها، فقال: "سُبْحَانَ اللَّهِ! وَيْحَكُمْ! إِنَّ هَذَا لَكَلامٌ مَا خَرَجَ مِنْ إِلٍّ وَلا برٍّ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ بِكُمْ؟!" [1].

هكذا انتهت قصة مسلمة الكذاب أشهر المتنبئين وأخطرهم على الإطلاق والتي كانت حركته تمثل تحديًا كبيرًا أمام الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والذي وفَّقه الله بالقضاء عليه بجنود مخلصين وهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وبسيف من الله مسلول وهو خالد بن الوليد رضي الله عنه.