شرفٌ لي أن أكون من حلب، عاصمةِ سيف الدولة الحمداني، فما سألني سائل حين علم أنّي من الشهباء إلا ذكر لي سيف الدولة، والمتنبي، وأبا فراس، وذكّرني بهم، فما زالت حلب رهينة المفاخر الحمدانية، منذ ما ينوف على أحد عشر قرنًا، حتى زائروها يحسّون برهبة تاريخية عريقة في القدم، حين يطئون أرضها.‏

لكن "حلب" لم تحمل هذه الأبهة وهذا الفخار من سيف الدولة وحسب؛ فهي أصلاً من أقدم مدن العالم وأعرقها، وأحفظها تراثًا على الرغم من عاديات الزمان، وظلم الإنسان، ففي حلب قلعتها الشامخة التي تعلو أكثر من ستين مترًا، وفيها مقام سيدنا إبراهيم الخليل، وقطعة من رأس النبي يحيى، وفي أحد مساجدها القديمة قدم ينسب إلى النبي، وفيها مشهد للإمام علي على حجر داخل مسجد غوث، وعلى سفح جبل الجوشن (الأنصاري اليوم) مشهد المحسن بن الحسين، سقط من بطن أمه لما جيء بالسبي من العراق لينقل إلى دمشق، وجامعها الكبير الأموي الذي بناه سليمان بن عبد الملك على غرار المسجد الأموي بدمشق الذي بناه أخوه الوليد، وأبوابها الضخمة القديمة، وما زال بعض منها ماثلاً معلقًا على بواباتها، وأسواقها القديمة المسقوفة... إلى غير ذلك من المعالم النادرة التي يتوق إلى زيارتها كل سائح، وإلى المطالعة عنها كل مؤرخ.‏

ولم تشتهر حلب إلا بعد الفتوحات الإسلامية، لتغدوَ عاصمة الثغور ضد البيزنطيين، تصدُّ بصدرها وصدور أبنائها جحافل المعتدين على الأرض العربية. أما وضعها الأدبي فحدِّث عنه من غير حرج؛ فقد مرت بها قوافل لا يحصى عددها من الشعراء، بدءًا بامرئ القيس، ومرورًا بالمتنبي، وأبي فراس، والصنوبري، وكشاجم، والمعري، والخفاجي، وابن حَيُّوس. وما حكايات دار علوة -محبوبة البحتري- ببعيدة عن أذهان سكان حلب اليوم.‏

أما من الناحية السياسية، فقد كانت إمارةً تابعة للأمويين، ثم للعباسيين، والأمراء الذين تعاقبوا على حكمها، وتدافعوا لكسب خيراتها، حتى داهمتها الجيوش البيزنطية، فاختلَّ توزانها الحربي، واضطرب أمنها. فاستنجد أعيانها ببطل فتيّ لمع نجمه في سماء الجزيرة الشامية والموصل، وتوسَّموا فيه البطولة والنجدة والشهامة، هذا البطل هو سيف الدولة، فاندفع نحو حلب لإنقاذها، وقد أدرك بحصافته خطورة الموقف الداخلي، وهول الموقف الخارجي. فقسم جيشه قسمين، قسمًا وجَّهه نحو المدينة يهدئها ويمهِّد لدخولها، وقسمًا قاده بنفسه داهمَ به البيزنطيين، وطردهم من مواقعهم.‏

وتحقق له النصر، فكان أول قائد جدَّد الكفاح الصامد، وأحيا روح الجهاد الصادق بعد أمد من السكون الرهيب، وكأنَّ القدر شاء أن يخدم المدينة به لفصم براثن البيزنطيين، ومنعهم من احتلالها. وسرعان ما امتدت سلطنته، فشملت شمالي سورية كله، وجانبًا من كيليكية (في تركية الحالية)، وجزءًا من شمالي العراق.‏

وإذا كان الأمراء السابقون يستنزفون أموال الشعب في سبيل ملء خزائنهم، فإن الحمدانيين كانوا يسخون بكل ما في خزائنهم لإعادة بناء المدينة، ولرعاية الآداب والفنون والعلوم، ليعودوا إلى ملئها ثانية وثالثة بالنصر والغنائم.‏

ومما يدلُّ على غنى سيف الدولة وثرائه أنه كلما قدم المدينة وفد من الروم أمر بالخروج لاستقبالهم بالسلاح، فيركب من داره ألفُ مملوك بألف درع مذهب على ألف فرس عُتق، وألف تجفاف (دروع للخيل). وحين انتصر عليه خصمه "نقفور فوكاس"، ودخل قصره سلب منه ما لا يحصى من الأموال.‏

ومما ذكرته الكتب أنه نهب ثلاث مئة بِدره؛ ومائة عين ذهبًا، ومائتين فضة، وثلاث مائة حمل من البُز الفاخر، ومن الديباج المدَّخر خمسين حملاً، ومن أواني الذهب والفضة ما لا يقدر بثمن، ومن الخيل ثمان مائة رأس، ومن البغال خمس مائة رأس، ومن السيوف مائة حمل، ومن الجمال نحو ألفين، ناهيك عن الأسلحة والمناطق. ونقل منه سقوف القصر لأنها مذهبة.‏

قصر سيف الدولة:‏
يحسُّ القادم من حلب بأنه -وهو يشارفها- يسير صُعدًا كلّما دنا منها، حتى يقف على قمة جبل الجوشن عند مدخلها، وحين اختار سيف الدولة حلب عاصمة له بحث عن مكان مناسب يبني فيه قصره، فلم يجد أفضل من قمة جبل الجوشن الشامخ، فبنى قصره إلى جوار مقام "السِّقط محسن"، ليشرف من عليائه على المدينة أمامه، وكأنَّ المدينة التفَّت إلى حضن الجبل، تطلب منه الاطمئنان والأمان، بعد أنْ كشف ظهرُها للبيزنطيين.‏

ولقد أسمى قصره "قصر الحَلْبة" على اسم الأرض التي بُني عليها. واعتنى ببنائه، ليكون مُضاهيًا لأشهر البلاطات في زمانه. فحفل ببديع النقوش والزخرف والتصاوير، وفرشه على أفخم طراز وأبدع ما تضمَّنته قصور أباطرة الروم. وكان ذرعه ستة آلاف ذراع، لم يبق منه اليوم سوى بقايا جدار يمكن للزائرين أن يروه، ويتصوروا باقيه. وجعل فيه ثلاثة حمامات فيها مياه جارية، وأطلق حول القصر جدولاً من الماء، ومدَّ لـه مضمارًا لسباق الخيل على ضفاف نهر قُويق.‏

وضمَّ قصره في غضون ربع قرن (منتصف القرن الرابع الهجري) كوكبة من أرباب الأدب والعلم والفن، لا تكاد تباريها إلا قصور العباسيين في أزهى عصورهم، ولا عجبَ أن تسمى عاصمته "حلب طراز الذهب"، وتجمعت لديه صفوة مختارة من أهل العلم؛ توافدت عليه من العواصم الإسلامية أمثال: أبي الفرج الأصفهاني، ابن خالويه، ابن نباتة، ابن جني، المتنبي، الوأواء، الخالديان، الفارابي... وزاد عدد أطباء بلاطه على عشرين طبيبًا.‏

وحفلت جلساته ومنتدياته بمناقشات حرة، ومجادلات أعادت سمعة حلقات الجدل الفكري في العهد العباسي الذهبي. وانتشر صدى هذه المنتديات الفكرية والأدبية بين أبناء العاصمة، فسمق مستوى شبانها، وازداد إقبالهم على العلم، وتسابقوا للانضواء تحت راية سيف الدولة. حتى أجمع مؤرخو الأدب على أن عصره الأدبي خير عصور الأدب، وأشاد "بروكلمان" بعصره فقال: "... ولئن كان سيف الدولة يدين بما تمَّ له من شهرة عريضة لنضاله الموفق ضد الروم في المحل الأول، فليس من شك أنه يدين كذلك في المحل الثاني لعطفه على الفنون والعلوم لرعايته لها".‏

حلب بعد سيف الدولة:‏
سجل أحد المؤرخين المرافقين للإمبراطور "نقفور فوكاس" دهشة الإمبراطور، فقال: "... ولقد دهش الإمبراطور نفسه عند دخوله عاصمة الأمير من فخامة المدينة وروائها، ومن زخرف أسواقها، وأناقة قصورها. بل لقد شعر بالحسد من تفوق حلب على القسطنطينية".‏

ولم يطل هذا المجد الأثيل الذي تمتعت به حلب في عهد الحمدانيين، لأن المدن تُزهر بأمرائها، وتخبو بزوالهم، ولها عمر كأعمارهم على رأي ابن خلدون. ولاشك أن صمودها وحدها ربع قرن آدَ ظهرها فحنَتْه، وآثرت غفوةً حينًا من الزمان أسوة بالمدن التي غفت.‏

والحق أن مرحلة ازدهار حلب في أيام الحمدانيين قصيرة، لم تكن أكثر من برق أصحبَ رعدًا وهديرًا، ثم عاد فخبا، فكان برقًا خلّبًا. وسرعان ما تلاحقت عليها الفتن الداخلية، والجيوش الفاطمية، والاحتلالات السلجوقية، والهجمات الغربية، والإغارات المغولية الوحشية... فتراجعت ألف خطوة بعد قفزة سيف الدولة. ولم تصح من كبوتها الكهفية إلا على نفير الحرية مع ندَّاتها من المدن العربية أيام اليقظة القومية الكبرى.‏

سلاسل التاريخ حول حلب:‏
تعدُّ مدينة حلب من أكثر المدن العربية حظوةً في التاريخ؛ فقد لاحظت كوكبة من المؤرخين أهمية المدينة، فتسابقوا إلى التعريف بها، والتأريخ لها، وتسجيل معالمها وأعلامها، بدءًا من القرن الخامس الهجري. ولقد فُقد -مع الأسف- بعض هذه الكتب، وفُقد بعضُ بعضه. لكن مجرد وجود أسمائها دليل على مدى أهمية هذه السلاسل الذهبية، ومن هذه الكتب:‏