أسباب سقوط الدولة الأموية
كان رأي بعض الباحثين أن سبب سقوط الدولة العامرية؛ ومن ثَمَّ سقوط الدولة الأموية في الأندلس هو تولِّي عبد الرحمن بن المنصور عبد الرحمن شنجول الحُكم، ذلك الفاسق الماجن الذي أسقط بني أمية وأحدَث هذه الاضطرابات الكثيرة في البلاد.

وحقيقة الأمر أنه ليس من سنن الله أن تهلك الأمم لمجرَّد ولاية رجل فاسق لشهور معدودات، فلم يمكث عبد الرحمن بن المنصور في الحكم إلا أقلَّ من عام واحد، ومهما بلغ أمره من الفحش والمجون فلا يمكن بحال أن يُؤَدِّيَ إلى مثل هذا الفشل الذريع، والسقوط المدوِّي للبلاد، فلا بدَّ إذًا أن تكون هناك أسباب وجذور أخرى، كانت قد نمت من قبل وتزايدت مع مرور الزمن، حتى وصلت أوجها في فترة عبد الرحمن بن المنصور؛ ومن ثَمَّ كان هذا التفتُّت وذلك الانهيار.

وكما رأينا سابقًا في تحليلنا لأسباب ضعف الإمارة الأموية، وكيف كانت لهذا الضعف أسباب وجذور تمتدُّ إلى عهد قوة الإمارة الأموية ذاتها، فإن هناك ثلاثة أسباب رئيسة لسقوط الدولة الأموية؛ ومن ثَمَّ الدولة العامرية.

السبب الأول: انتشار الترف والإسراف
ويرجع هذا إلى زمن عبد الرحمن الناصر ذاته، ذلك الرجل الفذُّ الذي اتَّسم عصره بالبذخ والترف الشديدين، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا؛ ومن ثَمَّ انشغال الناس بتوافه الأمور، وكانت الدنيا هي المهلكة، وليس أدلّ على ذلك من قصر الزهراء، الذي أنشأه عبد الرحمن الناصر، وكان آية في الروعة والجمال، وأعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت؛ فقد كان على اتساعه وكبر حجمه مبطَّنًا من الداخل بالذهب، بل كان سقفه -أيضًا- مبطَّنًا بخليط من الذهب والفضة، بأشكال تخطف الأبصار وتبهر العقول[1]، ومع أن عبد الرحمن الناصر لم يكن مُقَصِّرًا في الإنفاق على أي شأن من شئون الدولة؛ مثل: الإنفاق على التعليم، أو الجيش.. أو غيره، إلا أنَّ فِعْلَه هذا يُعَدُّ نوعًا من البذخ والترف المبالغ فيه؛ أَدَّى في النهاية إلى أن تتعلَّق القلوب بالدنيا وزخرفها.

ومما جاء في ذلك أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عبد الرحمن الناصر في قصره وكان على هذا الوصف السابق، فقال له عبد الرحمن الناصر: ما تقول في هذا يا منذر (يُريد الافتخار)؟! فأجابه المنذر ودموعه تقطر على لحيته قائلاً: ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ على ما آتاك الله من النعمة، وفَضَّلَكَ على كثير من عباده تفضيلاً حتى يُنْزِلَك منازل الكافرين.

فقال عبد الرحمن الناصر: انظر ما تقول، كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟! فردَّ عليه المنذر: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف:33].

فقد ذكر الله السُّقُف التي من فضة في هذه الآية على سبيل التعجيز؛ يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا، وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه؛ لهوان الدنيا عند الله ، لكنَّا لم نجعله، إلاَّ أن عبد الرحمن الناصر فعله، وجعل لقصره سقفًا من فضة.

وهنا وجم عبد الرحمن الناصر بعدما سَقطت عليه تلك الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه –رحمه الله- تنساب على وجهه، وقام على الفور ونقض ذلك السقف، وأزال ما به من الذهب والفضة، وبناه كما كانت تُبْنَى السُّقُف في ذلك الزمن، إلاَّ أن مظهر الترف -لكثرة الأموال ومع مرور الوقت- يعود ويبرز من جديد، حتى أصبح الإنفاق في لا شيء، وقد قال الله I: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16][2].

السبب الثاني: توسيد الأمر لغير أهله:
بقايا مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن الناصرإضافة إلى الترف والإسراف فقد كان توسيد الأمر لغير أهله من أهم الأسباب التي أَدَّت إلى سقوط الدولة العامرية والخلافة الأموية، ولقد تَجَسَّد هذا العامل واضحًا جليًّا حين ولَّى الحكم بن عبد الرحمن الناصر –الحكم المستنصر- ابنه أمور الحُكم في البلاد، وهو ما زال طفلاً لم يتجاوز الثانية عشرة سنة بعدُ، فأذن بهذا زوال الدولة الأموية في الأندلس؛ إذ تولَّى الحُكم رجال لم يملكوا عصبة الأمويين، فلئن كان منهم مقتدورن موهوبون كما كان المنصور وابنه، فلم يكن هذا متوفرًا فيمن بعدهم.

وقد حذَّرنا رسول الله صلى الله عيه وسلم من توسيد الأمر لغير أهله حين أجاب السائلَ عن أمارات ووقت الساعة بقوله: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»[3].

وهكذا إذا تولَّى مَنْ لا يستحقُّ منصبًا من المناصب، فلا بُدَّ وأن تحدث الهزَّة في البلاد ويحدث الانهيار، فما البال وما الخطب إذا كان هذا المنصب هو منصب الخليفة أعلى مناصب الدولة؟! فقد ضُيِّعَت الأمانة، ووُسِّد الأمر لغير أهله، فكان لا بدَّ أن تقع الأندلس وتسقط الخلافة الأموية والدولة العامرية.