من مظاهر سلطان حاكم الدولة الأموية في الأندلس اتخاذ الألقاب ومنحها [1]، وبما أن دولة بني أمية في الأندلس قد مرت بعصري الإمارة والخلافة، لذا فإن الألقاب ارتبطت بالحالة السياسية للدولة.

عبد الرحمن الداخل
ففي عصر الإمارة نجد أن الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد أُطلقت عليه عدة ألقاب، أشهرها: عبد الرحمن الداخل [2]، لأنه أول من دخل الأندلس حاكماً من بني أمية، كما لقب بـ" الإمام" [3]، و"ابن الخلائف" [4] ونودي بـ"سلطان الأندلس" [5] و"الأول" [6] لأنه أول من حمل اسم عبد الرحمن من حكام بني أمية في الأندلس. ومن الألقاب التي أطلقت على الأمير عبد الرحمن بن معاوية "صقر قريش" [7]، و"صقر بني أمية" [8]، ولُقِّب بـ"الأمير الكريم والملك العظيم" [9].

هشام الرضا
كما عرف ابنه الأمير هشام بـ"الرضا"، وقد ذكر ابن حزم أنه لم يتلقب من بني أمية في الأندلس بهذا اللقب إلا هشام بن عبد الرحمن الداخل، فقد كان يقال له: هشام الرضا [10]، وذكر ابن الآبار أن هشاماً سمي بـ"الرضا لعدله وفضله [11]" ويبدو أن هذا اللقب قد أطلق عليه في فترة لاحقة، إذ أن المصادر المتقدمة لم تورده إطلاقاً [12].

الحكم الربضي
وكان الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل معروفاً بلقب "الربضي" [13]، وهذا اللقب لم يطلق عليه إلا في أواخر عهده وذلك بسبب ما فعله الحكم الربضي بأهل الربض عند قيامهم ضده في يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان سنة 202هـ (26 مارس 818م) [14].

عبد الرحمن بن الحكم بن هشام
ولم يُعرف الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بلقب معين، والمصادر التاريخية المبكرة خلت من ذكر لما يمكن أن يكون لقباً له، إلا أن المصادر التاريخية التالية أطلقت عليه لقب "عبد الرحمن الأوسط" ومن الطبيعي أن هذا اللقب لا يمكن أن يتم إطلاقه إلا بعد القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أي بعد زوال دولة بني أمية. ولعل هذا الرأي يوضحه بعض المؤرخين أثناء حديثه عن الأمير عبد الرحمن حيث قال: "ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط، لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر" [15].

لكن إذا كان الأمير عبد الرحمن بن الحكم لم يُعرف بلقب على المستوى الرسمي فإن العامة أطلقت عليه لقباً استوحته من كلفه بصيد الغرانيق، فقد أطلقوا مثلاً أصبح شائعاً فقالوا: "أيام أبو الغرانيق" [16].

أواخر إمارة بني أمية
وقد عُرف الأمير محمد بن عبد الرحمن بلقب "الأمين" [17] في حين أن ابنيه المنذر وعبد الله لم يعُرفا بلقب معين.

هذه هي ألقاب بني أمية في الأندلس فمنذ قيام دولتهم سنة 138هـ (755م) إلى سنة 316هـ (928م)، كان كل حاكم منهم يطلق عليه لقب "أمير" الذي يعني في اللغة الأمر والتسلط [18]، كما كان يطلق عليه لقب "الإمام" [19] الذي يعني القدوة [20].

عبد الرحمن الناصر
وأما في عصر الخلافة الأموية، فلم يقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر على لقب "الناصر لدين الله"، فقد اتخذ لقباً آخر كما يذكر ابن حزم هو "القائم لله" [21] وهناك نسخة أخرى أشار إليها محقق كتاب نقط العروس تفيد بأن الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أغفل استخدام لقب القائم [22]، ولم يجمع بينهما إلا في رسالة قد بعث بها إلى قسطنطين ملك الروم، إلا أن ابن حزم عاد في موضع آخر وذكر أنه اطلع على أكثر من خمسين كتاباً كتبها الخليفة عبد الرحمن الناصر كلها تحمل اللقبين معاً [23].

وأما طريقة ترتيب ألقاب عبد الرحمن الناصر فقد كانت تأتي على التسلسل التالي "عبد الله" [24] متبوعاً باسمه الشخصي ومن ثم لقبه وأخيراً لقب أمير المؤمنين، فأصبحت الكتب الصادرة منه معنونة "من عبد الله عبد الرحمن الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان" [25].

الحكم المستنصر
وقد جرى من أتى بعد الخليفة عبد الرحمن الناصر على اتخاذ اللقب المركب المكون من مقطعين، المقطع الثاني اسم الجلالة "الله" فالخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر اتخذ لقب "المستنصر بالله" في حين أن ابنه هشام تلقب بـ"المؤيد بالله"، وعندما فرض سليمان بن الحكم سلطة على قرطبة اتخذ لقب "المستعين بالله".

خلافة الحموديين في الأندلس
وفي الفترة التي تولى فيها الحموديون الخلافة في قرطبة، تلقب أولهم على بن حمود الحسيني بـ"الناصر لدين الله" وابنه يحيى بـ"المعتلي بالله" [26] وعندما استعاد الأمويون سلطتهم على الخلافة مرة أخرى تلقب عبد الرحمن بن هشام بـ"المستظهر بالله"، وجاء بعده محمد بن عبد الرحمن فتلقب بـ"المستكفي بالله"، وآخر خليفة أموي وهو هشام بن محمد كان لقبه "المعتد بالله" [27].

ولعل لكل واحد من هذه الألقاب دلالة خاصة، فالمستنصر والمستعين والمعتلي والمستظهر والمستكفي والمعتد بالله كلها ذات دلالة واحدة وهي أن حاملها يطلب التأييد والعزة من الله تعالى، وأنه جل وعلا كافيه عمن سواه، وأما "المؤيد بالله" فهو من الألقاب التي تشير إلى تقوى الملقب، إذ أنه مؤيد من السماء يأتيه النصر من عند الله تعالى [28].

ضعف الخلافة الأموية
وهنا لابد من القول أن هذه الألقاب ماعدا لقبي الخليفتين عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، كلها لا أثر لها في الدولة الأموية في الأندلس، يدل على هذا أنه منذ أن توفي الخليفة الحكم المستنصر سنة 366هـ (976م) يمكن القول بأن دور الخليفة قد انتهى، فمنذ ذلك التاريخ إلى سنة 399هـ (1009م) كانت الخلافة التي يمثلها الخليفة هشام المؤيد تحت سيطرة العامريين -المنصور وولديه عبد الملك وعبد الرحمن شنجول، ومن بعد ذلك بدأت الفتنة التي استمرت حتى سقوط الدولة الأموية في الأندلس سنة 422هـ (1031م) وطيلة هذه الفترة التي استمرت قرابة ثلاثة وعشرين عاماً، تعاقب على الخلافة تسعة خلفاء وبعضهم تولى أكثر من مرة، الأمر الذي يعطي دلالة أكيدة على مدى الاضطراب الذي كانت تعانيه الخلافة الأموية في آخر عمرها في الأندلس، والفوضى السائدة في البلاد بصورة عامة مما أدى إلى سقوطها وقيام حكم دويلات الطوائف.

نقش الألقاب على المنشآت العامة
هذا، وقد استخدم أمراء بني أمية في الأندلس لقب "أمير" في النقش على المنشآت العامة، فعندما أتم الأمير عبد الرحمن بن الحكم زيادته في جامع قرطبة في جمادى الأولى سنة 234هـ (ديسمبر 848) [29] نقش على أحد التيجان عبارة "بسم الله بركة للأمير عبد الرحمن بن الحكم أعزه الله" [30]. وعندما أنجز الأمير محمد بن عبد الرحمن إتمام الزيادة التي بدأها والده في جامع قرطبة [31]، وُجد نقش على عقد أحد أبوابه جاء فيه "أمر الأمير أكرمه الله محمد بن عبد الرحمن ببنيان ما حكم به من هذا المسجد وإتقانه رجاء ثواب الله عليه وذخره به، فتم ذلك سنة إحدى وأربعين ومائتين على بركة الله وعونه" [32].

وكذلك فعل الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد نقش اسمه ولقب أمير المؤمنين ولقبه الخاص على لوحة تذكارية عند إقامته لجدار جديد دعَّم به الواجهة القديمة التي أنشأها جده الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد نقشت لوحة بهذه المناسبة وذلك في شهر ذي الحجة سنة 346هـ (مارس 958م) جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أطال الله بقاه، ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه، تعظيماً لشعائر الله، ومحافظة على حرمة بيوته، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر وجزيل الذخر، مع بقا شرف الأثر وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله، في شهر ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة، على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب" [33].

وهناك نقش في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، جاء مفتتحاً بلقب الإمام، ثم اللقب الخاص بالخليفة الحكم، ثم لقب عبد الله، ومن بعده الاسم الشخصي للخليفة، وأخيراً لقب أمير المؤمنين، ففي أحد النقوش في المسجد الجامع بقرطبة، نص جاء فيه: "أمر الإمام المستنصر بالله الحكم أمير المؤمنين أصلحه الله، فيما شيَّد من هذا المحراب بكسوته بالرخام داخله، في جزيل النور وكريم المنار، فتم ذلك على يدي مولاه وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن رضي الله عنه بنظر محمد بن تمليخ وأحمد بن ناصر وخالد بن هاشم أصحاب شرطته ومطرف بن عبد الرحمن الكاتب، في شهر ذي الحجة من سنة أربع وخمسين وثلث ماية {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [34]. كما كانت أسماء الأمراء والخلفاء الأمويين تنقش على الدراهم الفضية والدنانير الذهبية [35].

إثبات الألقاب في الكتب الرسمية
كذلك حرص أمراء وخلفاء بني أمية على إثبات بعض ألقابهم في الكتب الرسمية الصادرة من قبلهم، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما عقد الأمان لمحمد بن هاشم التجيبي [36] ومن معه من أهل سرقسطة في أواخر شهر ذي الحجة سنة 325هـ (أكتوبر 937م) استخدم اللقب الخاص به، الناصر لدين الله، بالإضافة إلى لقب أمير المؤمنين [37].

وعندما بعث برسالته إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين [38]، كان الكتاب يحمل اسم عبد الله قبل الاسم الشخصي للخليفة، ثم اللقبين الخاصين به معاً، وأخيراً لقب أمير المؤمنين، جاء فيه: "من عبد الله الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين" [39].

وعلى نفس الصورة كتب الخليفة الحكم المستنصر بالله السجل الذي عقده لأبي العيش بن أيوب على قومه جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من عبد الله الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين لأبي العيش بن أيوب" [40].

ومن بعد هذين الخليفتين نشهد اختصاراً في الألقاب، فالخليفة هشام المؤيد عندما أصدر أمره بتلقيب الحاجب عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بـ"المظفر" جاء في كتابه "من الخليفة هشام المؤيد بالله" [41].

ثم عندما أصدر هشام المؤيد أمره بتعيين الحاجب عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر ولياً للعهد جاء كتابه مصدراً بـ:"هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد" [42].

وبعد الخليفة هشام المؤيد زاد اختصار الألقاب، فالخليفة سليمان المستعين عندما أصدر كتاباً أعلن فيه تعيين ولده محمداً ولياً للعهد، لم يحمل ذلك الكتاب سوى لقب "أمير المؤمنين" [43].

وتجدر الإشارة إلى أن جميع الكتب التي تصدر عن الخلفاء الأمويين بالأندلس إن لم يخاطب بها ملوك دول أخرى، تأتي مقتصرة على لقب أمير المؤمنين [44]، بل إنه في عهد الإمارة نجد أن كتاب الأمان الذي بعثه الأمير الحكم الربضي للفقيه عيسى بن دينار [45] قد خلى من الألقاب بالجملة حيث اقتصر على ذكر اسم الأمير، فقد جاء فيه "من الحكم بن هشام لعيسى بن دينار ..." [46].