توصيفٌ لواقعنا المرير، والوقوف على مكمن الداء، وتشخيص الدواء!!

قال الشيخ عمر العرباوي الجزائري، رحمه الله (مُتوفَّى:1405هـ):
"لقد طغَت الإباحة وعلا صوتها، في أوساط المسلمين، على كل صوت يدعو إلى الله .. !!

فضاعت الحقوق، وانتهكت الحرمات، وغلب العقوق على الامتثال، وتخاذلت الهِمم، وفسَدت الأمم بإعراضها عن كتاب الله، وهضم الغني حقّ الفقير، واندثرت الفضائل، وانتثرت الرذائل!

فهذه نوادي ومسارح فاتنة، ومراقص ماجنة، وأفاعي كاسية عارية تتلوَّى، ولحوم بشرية في الشواطيء متراكمة، ونفوس دنيئة تتهافت على مجاري القذارة ... ورجال يقفزون في حلبات الرقص كقرود لاهثة!!

وزعم الإسلامَ من لا يعرفه، ونبذ أوامره في سبيل شهواته، وذمَّ الإيمان من ترك الصلاة، وأصرَّ على المعصية لينال مبتغاه، ولم يخش غضب ربه، وذمَّ التقوى والصلاح، من اتخذ الموتى أولياء من دون الله!!

هذه عواقب من ترك كتاب الله، واتبع هواه، وأغراه الشيطان بطاعته: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}!!

فإلى النجا أيها المسلمون .. بادروا إلى تدبر القرآن، واسعوا ما استطعتم إلى فهمه، والعمل بأوامره، والوقوف عند حدوده ونواهيه، وأنيروا قلوبكم بنوره وحكمه، واشكروا ربكم على فضله ونعمه!!

لقد آمن المسلمون الأولون وحسُن إيمانهم، فمكّن الله لهم في الأرض، وأن الذي مكَّن لهم على قلتهم؛ لقادر أن يُمكن لنا إذا آمنا وحسُن إيماننا!!

ذلك وعد الله لعباده .. ومن أوفى بعهده من الله؟!!

وأن المسلمين يتحدثون عن الإسلام صباح مساء، ويُعربون في كل مناسبة عن تعظيمهم للقرآن واعتزازهم به، ولكن لا يقرأونه ولا يُقيمون أحكامه، ولا يعتنون بتعاليمه، ولا يوجد شيء منه في واقع حياتهم!!

فأحكامه استبدلوها بقوانين وضعية أجنبية، وتعاليمه ضربوا بها عرض الحائط، وحدوده عطّلوها ورموها وراء ظهورهم!

ومع هذا إنهم يعتزّون بالقرآن .. فالآيات القرآنية تكتب بخط جميل أنيق، تُزين بها جدران المنازل، وتُعلق في رقاب الأولاد والمرضى، والمصاحف الضخمة فوق مكاتب الحكام والقضاة، الذين يحكمون بغير ما أنزل الله!

فهل هناك تكريم للقرآن أفضل من هذا التكريم؟!!

يا قومنا إن القرآن أنزل ليكون شرعة ومنهاجًا لحياتنا، فيجب أن نسير على هديه، لا ندعوا إلا بدعوته، ولا نعمل إلا بأوامره!

يا قومنا لم ينزل القرآن ليكون أنغامًا وألحانًا، يتغنى به المُطربون!

لم ينزل القرآن ليُقرأ في مجالس العزاء، على بخار السجاير، وإنما أنزل ليحكم بيننا بالحق، ويهدي قلوبنا إلى معرفة الخالق، لنعبده ونشكره على ما أولانا من النعم، التي لا تعد ولا تحصى ..!!

يا قومنا منذ تركنا أحكام القرآن، وابتعدنا عن أوامره العادلة، ونحن نتخبط في الفتن، ونتقلب في الفوضى، ونتجرع الظلم ألوانًا، ونشرب الذل كؤوسًا!!

والله لا خلاص لنا مما نحن فيه، إلا بالرجوع إلى كتاب الله!

والله لا يؤمن حاكم يحكم بغيره .. والله لا يؤمن قاض يقضي بسواه!

والله لا يؤمن عالِم لا يبين أحكامه وينشر هديه، ويجاهد الناس به!

والله لا يؤمن من ابتغى الخير في غيره!

إذا دام المسلمون على هجر القرآن، وسُنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لابد لهم من يوم يندمون فيه، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا}!!

ومما يُحزن المسلم، أن يرى المسلمين يسيرون من ضعف إلى أضعف، ومن جهل إلى أجهل، وهم لا يدرون السبب في ذلك، والسبب واضح .. هو عدم تمسكهم بالشريعة الغراء، وتشبثهم بالقوانين الوضعية الأجنبية، هذا هو الذي أفسدهم، وأورثهم الفرقة والذل والضعف!!

فهناك فرق كبير بين المسلمين والإسلام، فالإسلام يدل عليه كتابه الجامع ورسوله العظيم، والمسلمون يدل عليهم ضعفُهم وتخاذلهم وتفرّقهم .. هذا هو الفرق بينهما!!

أيها المسلمون .. الله الله في دينكم، لا يفتننكم الشيطان عنه بأقوال المسرفين، ولا تصرفنكم المدنية الغربية عن تعاليمه السامية، فإنه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }!!

نريد من دعاة المسملين .. أن يُبرزوا تعاليم القرآن إلى نشاط وحركة وتطبيق!!

لم ينزل اللهُ القرآن زينةً، يُوضع فوق الرفوف، ولا تعاويذ ولا ترانيم ولا أنغامًا، ولكنه قانون حياة وعمل، قامت عليه أممٌ انبعثت به إلى الوجود!!

وما لم تتحول تعاليم القرآن إلى أعمال إيجابية، وسلوك مُحكم دقيق؛ فليس ثمة مسلمون، وليست ثمة إصلاح لهذه الشعوب".

انظر: كتاب التوحيد