بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.


تصرفات النبي بالقضاء جزء من عمله السياسي ، والأعمال السياسية لا تلزم الأمة، في الحاضر والمستقبل، في أحكامها الجزئية، لاختصاصها في المتغيرات والنوازل والدَّعَاوَى، وهي بطبيعتها أحداث طارئة ومتغيرة حسب ظروف الزمان والمكان.


تصرفات الرسول بالقضاء هي ما يفصل به بين المتنازعين بوصفه قاضيا، وفق ما يتوفر لديه من الحجج والأدلة والقرائن، التي يتقدم بها المدعي والمدعى عليه.
وقد أوضح النبي هذه الوظيفة القضائية البشرية التي تعتمد على الأدلة القانونية، في الحديث: "إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له، فإني أقضي بينكم في نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" .


فما هي بعض التطبيقات القضائية؟ ومن كان يتولى تنفيذ الأحكام القضائية؟. لم يكن في العاصمة/ المدينة قاض سوى النبي ؛ إذ إنه تولى القضاء بنفسه، وكلف به أصحاب الكفاءة من الصحابة في بعض الأحيان، ليعلمهم أحكام القضاء والفصل في المنازعات بين الناس، أثناء غيابه أو بعد وفاته ، أو لتولي القضاء في أقاليم الدولة عند اتساعها. الأدلة التي تثبت أن النبي أسند مهمة القضاء في حياته لبعض القضاة المؤهلين تند عن الحصر. أورد الحاكم(ت405هـ) في "المستدرك" أنه أتى النبيّ خصمان متنازعان، فقال لعبد الله بن عمرو: "اقض بينهما".
وقال عثمان بن عفان(ت35هـ) لعبد الله بن عمر(ت73هـ) في خلافته: "اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني (أي تعفيني) يا أمير المؤمنين؟ قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي على عهد رسول الله ، وقال معقل المزني: أمرني النبي أن أقضي بين قوم، فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله؟ قال: "اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحِفْ عَمْدًا" .
ويروي الدارقطني(ت385هـ): أن قوما اختصموا إلى رسول الله في خص (بيت من قش) كان بينهم، فبعث حذيفة يقضي بينهم فقضى للذين يليهم معاقد القمط (ما تشد به الأخصاص وغيرها)، فلما رجع إلى النبي أخبره فقال: "أصبت وأحسنت".


واستقضى النبي عقبة بن عامر الجهني في خصومة معينة. فقد روى أحمد(ت241هـ) قال: جاء خصمان إلى رسول الله يختصمان فقال: "قم يا عقبة اقض بينهما"، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أنت أولى بذلك قال: "وإن كان اقض بينهما".
وكذلك حكم علي بن أبي طالب(ت40هـ) في حضرة النبي.


غير أن الملاحظ، أن مهمة هؤلاء الذين قضوا في حضرة الإمام العادل في حادثة أو أكثر كانت تنتهي بمجرد الفصل في النازلة، بمعنى أنهم لم يكونوا قضاة معتمدين من قبل الحاكم . ولما اتسعت رقعة الدولة لتشمل شبه الجزيرة العربية، تم تعيين عمال بالأقاليم المفتوحة من الكفاءات السياسية والقانونية، وعهد إليهم بوظيفة القضاء كجزء من المهام الموكلة إليهم في إدارة شؤون الإقليم، فبعث عليّا(ت40هـ) إلى اليمن وقال له: "ادعهم إلى الإسلام ... واقض بينهم" فقال: لا علم لي بالقضاء، فجعل يده على صدره وقال: "اللهم اهده للقضاء.
والجدير بالذكر، أن النبي العظيم كان يزود العمال والدعاة بتوجيهات دقيقة في القضاء لخطورته، ومنه ما ذكره علي بن أبي طالب(ت40هـ) قال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء".


وتشير المصادر أن عليّا بن أبي طالب(ت40هـ) بقي في اليمن قاضيا مدة لا يغادرها حتى جاء إلى النبي في حجة الوداع ولم يرجع إليها بعد ذلك.
وبين أيدينا رواية أخرى تفيد بأنه في عام فتح مكة، أي في أواخر السنة 8ه، بعث النبي الداعيتين القاضيين معاذا بن جبل(ت19هـ) وأبا موسى(ت42هـ) إلى اليمن ـــــــ لشساعة هذا الإقليم وكثرة سكانه ولأهميته الإستراتيجية ــــــ للفصل في المنازعات، وقد قيل إنهما توجها إلى اليمن قبل حجة الوداع أي في السنة 10ه.
فكيف السبيل إلى التوفيق بين هاته الرواية والرواية التي تقول إن عليا بن أبي طالب(ت40هـ) بقي في اليمن إلى غاية حجة الوداع؟ إن سبب هذا التباين في تحديد التاريخ، أن المصادر لا تذكر تاريخا محددا لإرسالهما إلى اليمن، غير أن الراجح، أن عليّا بن أبي طالب(ت40هـ) تولى القضاء في اليمن لمدة قصيرة، ثم عاد إلى المدينة حيث شارك في حجة الوداع(10هـ). ثم أرسل النبي معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وبقيا هناك حتى وفاة الرسول .


وكانت اليمن قد قسمت بين معاذ وأبي موسى، فكان لمعاذ الجهة العليا ناحية صنعاء شمال اليمن، وكانت لأبي موسى الجهة الجنوبية، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه صار قريبا من صاحبه، فيزوره ويسلّم عليه. وكانا قد بعثا واليين وقاضيين يعلّمان الناس القرآن وشرائع الإسلام، وزودهما النبي العادل بتوجيهاته فقال: [يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا[
. ويذكر، أن النبي الكريم أجرى اختبارا شفهيا لمعاذ بن جبل(ت19هـ) قبل مباشرة مهامه. فكانت الأسئلة الموجهة إليه: [كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟"، قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟"، قال: فبسنة رسول الله ، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ، ولا في كتاب الله؟" قال: أجتهد رأيي، ولا آلو].
فنجح في الامتحان، فضرب رسول الله في صدره وقال: [الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ]
. ويذكر ابن هشام(213هـ/ 828م) أن النبي بعث أبا عبيدة بن الجراح(ت18ه) قاضيا إلى نجران، وذلك أن وفد نجران طلبوا من رسول الله أن يبعث معهم رجلا من أصحابه يرضاه لهم، يحكم بينهم في أمور اختلفوا بينهم فيها، فانتدب النبي الكريم أبا عبيدة، وقال له: (اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه)، وكذلك استعمل نبي الرحمة عتاب بن أسيد(ت13هـ) على مكة بعد فتحها في السنة 8هـ واليا وقاضيا.


وعين غيرهم من الولاة وأسندت إليهم مهمة التسيير الإداري والقضاء، لأن ولاية القضاء تندرج ضمن مسؤولية العمال والولاة. وهذا يفيد أن ولاية القضاء لم تكن مستقلة، بل كانت ضمن الولاية العامة التي تشمل القضاء وغيره. لكن السؤال المطروح هو: ما هي الجهة (السلطوية) التي كانت تتولى تنفيذ الأحكام القضائية؟. (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). البقرة:201. يتبع تصرفات الرسول بالقضاء. (
تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية) أ‌. صهيب محمد أفقير أستاذ باحث في تاريخ الإسلام وحضارته (المغرب) sohayb.mh@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين. جاء في "المغرب في ترتيب المعرب" للمُطَرِّزِىّ(610هـ/ 1213م) الْمَظْلِمَةُ الظُّلْمُ. يقال: فِي هَذَا مَظْلِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهو اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ فِي قَوْلِهِمْ عِنْدَ فُلَانٍ مَظْلِمَتِي وَظُلَامَتِي أَيْ حَقِّي الَّذِي أُخِذَ مِنِّي ظُلْمًا.


ففي هذا المبحث سنتناول وظيفة المظالم أو ما يسمى بتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية. وقد ثبت أن نبي المرحمة كان يتولى الإشراف على هذه الوظيفة بنفسه. لكن السؤال المطروح هو: هل كانت ولاية مستقلة عن القضاء. أم كانت ولاية واحدة جامعة لمهمة إصدار الأحكام وتنفيذها؟. وما مفهوم المظالم في الفقه السياسي الإسلامي؟ وما علاقة هذه الوظيفة بالقضاء؟. يعرف الماوردي(ت450هـ) نظر المظالم في "الأحكام السلطانية" بالقول: "هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين"
. والقود والزجر وجلالة القدر وعظمة الهيبة والسطوة التي ذكرها الماوردي، كلها صفات يقصد بها القدرة على تنفيذ الأحكام، التي تكون لدى السلطة التنفيذية. وهو مقصدنا في هذا المقال؛ إبراز جوانب من تنفيذ الأحكام القضائية. والملاحظ، أنها توافرت جميعها في رسول الله . تستشف هذه الحقيقة من خلال النظر في قضايا المظالم التي باشرها النبي القاضي كجزء من مهمة القضاء. عبر العزيز الحليم عن اتجاهه في نظر المظالم حين أقر حلف الفضول التاريخي، الذي عقدته القبائل القرشية في دار ابن جدعان، لرد المظالم التي تحدث في قرية مكة ـ هذا الحلف يعتبر الدليل الواضح على وجود المظالم في الجاهلية، أي الجهة التي تنفذ الأحكام القضائية ـ كان النبي قد حضر هذا الحلف قبل النبوة، ثم أقره بعدها فقال: (لَو دعيت إِلَيْهِ لأجبت) ، ولقد كان حلف الفضول أكرم حلف سُمع به، وأشرفه في العرب كما قال طه عبد الرءوف سعد.


وروى أحمد(ت241هـ) قول النبي الكريم : (شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وإني أنكثه) ، وهذا يفيد أن إقرار النبي له يجعله (في حكم) وكأنه كان بعد الإسلام. يقول الماوردي(ت450هـ): "إلا أنه صار بحضور رسول الله له، وما قاله في تأكيد أمره حكما شرعيّا وفعلا نبويّا".
وتشعر الروايات بأن تنفيذ الأحكام القضائية ـ في هذه المرحلة ـ كانت داخلة في القضاء، فتذكر المصادر أن النبي وهو قاضي المسلمين في المدينة، قد نظر المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام(ت36هـ) ورجل من الأنصار فحضره بنفسه، وقال: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجهه ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجذر ـ أصل الحائط ـ ثم أرسل الماء إلى جارك". قال الزهري(ت124هـ): "واستوفى النبي للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة".
وتعدّ هذه القصة من المظالم، وجود طرفين متخاصمين ابن عمة الرسول ورجل آخر. "ولقد ظن الأنصاري أن الزبير أخذ هذا الحقّ لقربه من الرسول ، ولكنّ النبيّ بين الحكم الذي ينبغي أن يتبع في أمر السقاية بين الجيران".


ومن الحوادث التي وقعت في مرحلة حكم الرسول ، واعتبرت من نظر المظالم/ تنفيذ الأحكام ما رواه أبو داود(ت275هـ)، قال: "كان لسمرة بن جندب عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي فذكر له ذلك، فطلب إليه أن يبيعه أو ينقله فأبى ثم رغبه أن يهبها له، والله يثيبه أكرم مثوبة فأبى، فقال عليه السّلام: "أنت مضار"، ثم قال للأنصاري: "اذهب فاقلع نخله".
وهذا يوضح أن القاضي العادل لم يختر الحكم الذي ينهي الخصومة فقط كبيع النخيل أو هبته، إنما اختار الحكم الذي ينهي الخصومة، أصلا، ويردع الظالم لإساءته استعمال حقه، فقضى بقلع النخل وهو ما يجاوز حكم القضاء ويدخل في نطاق نظر المظالم، أي تنفيذ الحكم، الذي تظهر منه السياسة الشرعية؛ تحقيقا للمصلحة العامة. ويعتبر ما وقع لابن اللتبية أساسا واضحا لقضاء المظالم؛ لأن ما أعطي ابن اللتبية من الهدايا كان بسبب استغلال نفوذه الوظيفي، ولهذا فقد احتاج هؤلاء الولاة والعمال إلى سلطة أعلى من سلطة القضاء، والتي تجمع بين حكم القضاء، وهيبة السلطة، وهو ما سمي فيما بعد "وِلَايَة الْمَظَالِمِ".


. ونظر الرسول المظالم- أي نفذ حكما قضائيا- في قصة خالد بن الوليد(ت21هـ)، حين قتل مقتلة من قبيلة بَنِي جَذِيمَةَ، بعد أن أعلن أهلها الخضوع، فاستنكر النبي الحليم ذلك العمل، وأرسل عليا بن أبي طالب(ت40هـ) ليرفع المظلمة عن هذه القبيلة، فدفع دية قتلاها، لكون القتل وقع خطأ"( ). وكذلك عزل النبي العلاء بن الحضرمي(ت14هـ) عن البحرين بعد أن شكاه أهلها، وولى بدلا عنه أبان بن سعيد(ت13هـ)، وقال له: "استوص بعبد القيس خيرا، وأكرم سراتهم".
وكذلك حكم النبي في قضية وفد بني سليم الذين أسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم رسول الله أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا وصحّوا وسمنوا، فارتدوا وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فجيء بهم، فأمر بهم رسول الله : فقطّعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، ثم أمر بحبسهم حتى ماتوا.


وما تقدم، يصلح دليلا على أنه لم يكن هناك في زمن حكم الرسول ولاية خاصة بالمظالم وتنفيذ الأحكام القضائية، وما ورد من إشارة في "العقد الفريد" من أن النبي : "استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران، فولّاه الصلاة والحرب، ووجّه راشد بن عبد ربه أميرا على القضاء والمظالم" لم تؤيدها باقي المصادر التاريخية، مما يؤيد الزعم القائل أنه لم يكن هناك ولاية خاصة بالمظالم، أي لم تكن جهة (وزارة) خاصة بتنفيذ الأحكام القضائية، بل كانت ضمن ولاية القضاء، فكان الرسول وولاته يقومون بأنفسهم بمباشرة القضاء ورفع مظالم الرعية بتنفيذ الأحكام، لأن ولاية المظالم جاءت متأخرة في الزمن. يقول ابن العربي(ت543هـ): "أما ولاية القضاء فقدم النبي ـ ـ لها في حياته عليا بن أبي طالب حين بعثه إلى اليمن. وقال: لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر". وشروطها مذكورة في الفقه. "وقدم النبي ـ ـ غيره من ولاته"( ). ثم أضاف "وأما ولاية المظالم فهي ولاية غريبة أحدثها من تأخر من الولاة، لفساد الولاية وفساد الناس؛ وهي عبارة عن كل حكم يعجز عنه القاضي فينظر فيه من هو أقوى منه يدا". )رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). البقرة:201.