حفلت السيرة النبوية الشريفة بمواقف كثيرة تبين لنا كيف كان يتعامل رسول الله عليه الصلاة والسلام مع زوجاته بمودة ورحمة ورمانسية نفتقدها في تعاملاتنا المعاصرة مع زوجاتنا، وتظهر لنا سنته كيف كان يراعي نفسية زوجاته وغيرتهن، ويفعل ما يسعدهن ويدخل السرور إلى أنفسهن ولو بأمور بسيطة، ولكنها كانت تجعل البيت النبوي مليئا بالحب والصفاء.
المرأة بطبيعتها تحب من يدللها، وقد فطن الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام لهذا الأمر وراعاه في تعاملاته مع زوجاته، فقد كان يدلل السيدة عائشة رضي الله عنها ويقول لها: «يا عائش، يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام». وكان يقول لها أيضا: «يا حميراء»، والحميراء تصغير حمراء يراد بها المرأة البيضاء المشربة بحمرة الوجه.
ومن الأفعال التي كان يظهر بها النبي عليه الصلاة والسلام حبه لزوجاته أنه كان يشرب من موضع شربهن ويأكل من موضع أكلهن، تقول أم المؤمنين السيدة عائشة: «كنت أشرب فأناوله النبي عليه الصلاة والسلام فيضع فاه على موضع في، وأتعرق العرق فيضع فاه على موضع في». أي يأكل ما بقي من لحم تركته السيدة عائشة على العظم.
ولم ينس الحبيب عليه الصلاة والسلام وعلى آله رومانسيته مع زوجاته حتى وقت الشدة والحروب رغم المسؤوليات والمشقة، فعن أنس قال: «خرجنا إلى المدينة ـ قادمين من خيبر ـ فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام يجلس عند بعيره، فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبتيه حتى تركب البعير»، فلم يخجل الحبيب عليه الصلاة والسلام من أن يرى جنوده هذا المشهد وهو يظهر الحب والمودة لزوجته السيدة صفية.
وكان يطيب خاطرها إذا حزنت، فقد كانت السيدة صفية مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في سفر، وكان ذلك يومها، فأبطأت في المسير، فاستقبلها رسول الله عليه الصلاة والسلام وهى تبكي، وتقول: حملتني على بعير بطيء، فجعل رسول الله يمسح بيديه عينيها ودموعها، ويسكتها.
وبلغت رقته الشديدة مع زوجاته أنه يشفق عليهن حتى من إسراع الحادي في قيادة الإبل اللائي يركبنها، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في سفر وكان هناك غلام اسمه أنجشة يحدو بهن ـ أي ببعض أمهات المؤمنين وأم سليم ـ، فسارت بهن الإبل بسرعة كبيرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير».
ولم ينس النبي عليه الصلاة والسلام أن يمازح زوجاته ويسلي عنهن، فتحكي السيدة عائشة رضي الله عنها كيف دعاها النبي عليه الصلاة والسلام لتشاهد كيف يرقص أهل الحبشة بالحراب في المسجد، فتقول إن النبي سمع لغطا وصوت صبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قوم من الحبشة يرقصون، والصبيان حولهم فقال: «يا عائشة، تعالي فانظري»، فجاءت السيدة عائشة ووضعت ذقنها على كتف رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخذت تشاهد من ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لها: «أما شبعت، وأما شبعت؟» قالت: «فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده».
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يسابق السيدة عائشة ويتركها تسبقه، ثم يسابقها مرة أخرى فيسبقها ويقول لها ضاحكا: «هذه بتلك».
وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها قدم الرسول صلى الله عليه وآل وسلم مرة من غزوة وفي سهوتي أي مخدعي ـ ستر، فهبت الريح فانكشف ناحية الستر عن عرائس لي لعب، فقال ما هذا يا عائشة؟ قلت بناتي، ورأى عليه الصلاة والسلام بينهن فرسا له جناحان من غير قاع ـ من جلد ـ فقال: ما هذا الذي وسطهن؟ قلت فرس فقال عليه الصلاة والسلام فرس له جناحان، قلت: أما سمعت أن لسليمان عليه السلام خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه.
بل كان يترك المجال لزوجاته رضي الله عنهن أن يمزحن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله بيني وبينها، إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملت لها حريرة، فقلت: كلى فأبت، فقلت: لتأكلي، أو لألطخن وجهك، فأبت فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله عليه الصلاة والسلام رجله من حجرها لتستقيد منى، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
ولم يخجل الحبيب صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله من أن يظهر حبه لزوجاته فكان يقول عن السيدة خديجة رضي الله عنها: «رزقت حبها»، وعندما سأله سيدنا عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يراعي غيرة زوجاته ويقدر مشاعرهن فقد استضاف مرة بعض أصحابه في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه في إعداد الطعام فأرسلت السيدة أم سلمة طعاما فدخلت السيدة عائشة لتضع الطعام الذي أعددته فوجدتهم يأكلون، فغارت وغضبت وأحضرت حجرا ناعما صلبا ففلقت به الصحفة التي أرسلتها أم سلمة، فجمع النبي عليه الصلاة والسلام بين فلقتي الصحفة، وقال لأصحابه: «كلوا.. كلوا.. غارت أمكم.. غارت أمكم» وهو يضحك، ثم أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة وأعطى صحفة أم سلمة لعائشة.
وكان الحبيب عليه الصلاة والسلام يتجمل لزوجاته ويتطيب لهن، فتقول السيدة عائشة: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله عليه الصلاة والسلام . وسئلت: «بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك».