الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وبعد ...
فقد كان الداعي إلى الله بإذنه يجتمع بالخلية الدعوية في المقر السري "ابن الأرقم"، يرشد ويعلم على غفلة من زعماء الشرك ، ومنذ أن انضم الجندي حمزة بن عبد المطلب(ت45ق.هـ) وبعض وجهاء قريش، الذين لهم مكانة في المجتمع كعمر بن الخطاب(ت24ه)، قويت الحركة ونزل قوله تعالى : " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" فاتسع نطاق الدعوة من المجال الخاص إلى المجال العام، وحققت انتشارا وتغلغلت في كل القبائل تقريبا.


-فما هي القبائل التي تم استقطاب بعض أفرادها؟
-وما دلالات استقطاب عناصر من كل القبائل القرشية تقريبا؟.


كانت التعددية القبائلية مقدمة مباركة لانتشار الإسلام، وإشارة صريحة لعموم الرسالة وعالميتها، وترجمة صحيحة لطموحاتها الإنسانية، وعامل حماية للدعوة من آفة التعصب القبلي، والانتساب للأرض أو العرق في مقابل الانتساب للدين والأمة. قال العمري: و"لقد انتشر الإسلام في المرحلة المكية في سائر فروع قريش بصورة متوازنة" .
لتنقلب الأخوة الإيمانية على العصبية القبلية ، وتحل الروابط الإيمانية محل الدموية. في إطار سياسة الاستقطاب الدعوي، "عمل النبي ما في وسعه من أجل توسيع نطاق قاعدة الدعوة، لتشمل كل أو معظم الجهات والفئات، ليشكل بذلك النواة الأولى لمشروع الأمة، البديل عن مشروع القبلية" .


وهذه صورة عن التركيبة القبلية الأولى لرجال الدعوة في بداية الاستقطاب: فأبو بكر الصديق(ت13هـ) قرشي تيمي، وعمر بن الخطاب(ت24ه)، قرشي عدوي، وعثمان بن عفان(ت35هـ)، قرشي أموي، وعلي بن أبي طالب(ت40هـ) قرشي هاشمي، والزبير بن العوام(ت36هـ) قرشي أسدي، وعبد الرحمن بن عوف(ت32هـ) قرشي زهري، وعثمان بن مظعون(ت2ه) قرشي جمحي، وابن أم مكتوم(ت23هـ/ 643م) قرشي عامري، وعبد الله بن حذافة(ت32هـ) قرشي سهمي، والمهاجر بن أبي أمية أخو أم سلمة زوج النبي قرشي مخزومي، والأرقم بن أبي الأرقم(ت53هـ) بن أسد بن عبد الله بن عمر مخزومي، ومحمد بن أبي حذيفة، قرشي عبشمي، ومعمر بن أبي سرح(ت30هـ) قرشي فهري، ومصعب بن عمير(ت3هـ) بن هاشم قرشي عبدري( ). بل إن عددا من المسلمين في هذه المرحلة لم يكونوا من عشائر قريش، بل كانوا من المستضعفين، أو من الموالي الذين لا منعة لهم ولا قوة.

بمعنى أنهم لم يكونوا من العائلات الكبيرة الشريفة، فعبد الله بن مسعود(ت32هـ) "هذلي مضري" من هذيل "حليف بني زهرة"وعمار بن ياسر(ت37هـ/657م) "من حلفاء بني مخزوم"، "كان من المستضعفين الذين يعذبون بمكة ليرجع عن دينه"ومسعود بن الربيع أعرابي وهو أحد حلفاء بني زهرة"( ). ومحمد بن مسلمة(ت46هـ) الأنصاري، حليف لبني الأشهل"وعبد الله بن جحش(ت3هـ) من حلفاء بني أمية"وصهيب الرومي(ت38هـ) "عربي عراقي، نمري من بني النمر بن قاسط، هرب من الروم فأتى مكة فحالف ابن جدعان؛ وكان من متقدمي الإسلام المعذبين في الله"وواقد بن عبد الله(ت23هـ) بن عبد مناف "تميمي حليف بني عدي"وزيد بن حارثة(ت8هـ/ 629م) "كلبي، مولى رسول الله "والطفيل بن عمرو(ت13هـ) دوسي من قبيلة دوس، وأبو ذر(ت32هـ/ 652م) "غفاري"، من بني غفار""أسلم قديماً، يقال كان خامساً في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة بعد الخندق"وخباب بن الأرت(ت37هـ)، "كان أبوه سوادياً من كسكر، فسباه قوم من ربيعة وحملوه إلى مكة فباعوه من سباع بن عبد العزى(ت1هـ) الخزاعي، حليف بني زهرة"وعامر بن فهيرة(ت4هـ) مولى الطفيل بن عبد الله الأزدي، وكان الطفيل أخا عائشة لأمها أم رومان، أسلم قديماً قبل دخول رسول الله ـ ـ دار الأرقم، وكان من المستضعفين يعذب في الله، فلم يرجع عن دينه، واشتراه أبو بكر(ت13هـ) وأعتقه.


ولم يقتصر هذا التنوع على مكة بل تأكد في المدينة حين أشرف مصعب بن عمير على الدعوة ، فاخترق بسياسة الاستقطاب كل القبائل تقريبا. وكذلك تم استقطاب العنصر النسوي لأهميته في تبليغ الدعوة للإناث (خاصة) ولغيرهن، فتاريخ الحركات الإصلاحية أثبت كفاءة المرأة في تبليغ الدعوة.
غالبية المنخرطات في التنظيم الدعوي الجديد انضممن عن طريق أزواجهن أو أحد أقاربهن، كما هو حال فاطمة بنت الخطاب ، التي دعاها زوجها إلى الخلية فأجابت. وسمية(ت نحو 7ق.هـ/ 615م أم عمار التي دعاها عمار ابنها فانخرطت في العمل، وبذلك فهن بالضرورة يمثلن مختلف البطون.
لقد صار هؤلاء الصحابة الأخيار دعاة إلى الله بإذن من رسول الله، كل يدعو حسب طاقته ومنهجه وأسلوبه في التأثير العقلي والوجداني. قال ابن الجوزي(ت597هـ) "كان أبو بكر يدعو ناحية سرّاً، وكان سعيد بن زيد، مثل ذلك، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر بن الخطاب يدعو علانية، وحمزة بن عبد المطلب وأبو عبيدة بن الجراح، مما أغضب زعماء قريش وظهر منهم لرسول الله الحسدُ والبغي
"لقد كان واضحا منذ الوهلة الأولى أن الإسلام ليس خاصا بمكة وقريش"وقد كان منتظرا كذلك أن تخرج الدعوة إلى العلن في يوم ما لتواجه المشركين بشجاعة وحكمة، ولتكسر الطوق وتشق الأصقاع وتصل إلى الناس جميعا، لكن السؤال الملح على كل لبيب يدرك كنه الدعوة، وجاذبيتها المغناطيسية للفقراء والأغنياء هو: لماذا كان المجتمع المكي عنيدا مع الدعوة رغم علم الوجهاء بصدق النبي ؟ ولماذا الشراسة في التعامل مع الحركة الإصلاحية الجديدة السلمية التي قادها النبي الحق ، المعروف عند القاصي والداني بالصدق والأمانة؟. (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). البقرة:201.