نصر الدين أمر تكفل الله به وحده، وذلك بنص القرآن الكريم: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) (الحجر)، وحفظ سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم - لأنها ذكرٌ أيضاً: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" 44 (النحل).

ونصر جنوده المخلصين: "وإن جندنا لهم الغالبون" 173 (الصافات)، وبذا تبقى كلمة الله هي العليا، وحولها: "لا تزال طائفة من الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، كما في الصحيح وغيره. والنصر والهزيمة والتوفيق والخذلان والإكرام والإهانة، ليست إلا من الله، فمن نصره الله لن يغلبه أحد، ومن خذله لا ينصره مخلوق، ومن كتب الله عليه الهوان لن يجد من يكرمه، قال - تعالى -: "إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون" 160 (آل عمران)، وقال: "ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء" 18 (الحج).

والله متم نوره وناصر دينه بنا أو بغيرنا: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" 38 (محمد)، أو بجنود لا يعلمها إلا هو "وأيده بجنود لم تروها" (التوبة: 40)، "وما يعلم جنود ربك إلا هو" (المدثر: 31).

ورد الكفار على أعقابهم لن يعجز الله شيئاً: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون 59 (الأنفال)، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم (محمد)، ولكن اقتضت حكمته أن يبلو الناس بعضهم ببعض، وينتصر هذا الدين بسبب من البشر فيكونوا ستاراً لقدرته - سبحانه - ومشيئته.

والله عنده وحده خزائن كل شيء ومنها النصر: وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم 126 (آل عمران)، غير أنه لا ينزل إلا بقدر معلوم وقانون محكم إنا كل شيء خلقناه بقدر 49 (القمر)، ومن قوانين النصر أنه - سبحانه - لا ينزل إلا على المؤمنين "وكان حقا علينا نصر المؤمنين" 47 (الروم)، والذين قدموا الثمن وهو البذل والتضحية: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، 10 تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، 11 يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، 12 وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين" 13 (الصف).

وثمن النصر البذل والتضحية، قال الشاعر:

دفعوا ضريبة نصر الدين من دمهم *** والناس تزعم نصر الدين مجانا

والتضحية، اسم لكل ما يقدمه العبد عن رضا وطيب نفس ابتغاء مرضات الله وحده.

وقد ضرب الصحابة والسلف الصالح أعظم المثل في البذل والتضحية، فاستحقوا أن ينزل الله عليهم نصره ويعز بهم دينه ونذكر من صور تضحيتهم:

أولاً: التضحية بالمال:

أخذ سيدنا أبو بكر الصديق ماله كله في الهجرة وجاء والده أبو قحافة، قائلاً لبنيه: "ما أرى أبا بكر إلا فجعكم في ماله" فاحتالت السيدة أسماء على جدها وكان أعمى فجعلت بعض الأحجار في كوة بالبيت، وألقت عليها ثوباً وأخذت بيد أبي قحافة ليمسها توهمه أنه مال.

وفي غزوة تبوك حين انتدب الرسول – صلى الله عليه وسلم - المسلمين لتجهيز جيش العسرة وجد عمر بن الخطاب الفرصة سانحة للتنافس مع أبي بكر في الخير فأتى بنصف ماله وإذا به يجد أبا بكر - رضي الله عنه - قدم ماله كله فقال: "والله لا أسبقه إلى خير أبداً".

وأعتق أبو بكر - رضي الله عنه - عدداً من العبيد المسلمين الضعفاء أمثال بلال بن رباح وغيره في بداية الدعوة.

وساوم الكفار صهيب الرومي على ماله أو يمنعوه من الهجره، فترك لهم ماله كله ولحق برسول الله – صلى الله عليه وسلم - في المدينة فتلقاه قائلاً: "ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى".

وترك المهاجرون أموالهم وديارهم في سبيل نصر الإسلام بنفوس راضية طيبة، وجهز عثمان بن عفان تسعمائة فرس بأقتابها وأحلاسها في جيش العسرة غزوة تبوك حتى يقول – صلى الله عليه وسلم -: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"، وعبد الرحمن بن عوف كذلك.

ووقفت السيدة خديجة - رضي الله عنها - بجوار رسول الله ص تنصره بمالها وتصدقه بقلبها وقولها وعملها حتى قال فيها – صلى الله عليه وسلم -: "صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد".

ثانياً: تقديم الخبرة والمشورة:

سواء كانت هذه الخبرة رأياً صائباً، كما صنع الحباب بن المنذر مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في بدر إذ أشار على الرسول – صلى الله عليه وسلم - بالنزول أدنى ماء من القوم وردم كل الآبار عدا البئر التي يعسكر عندها المسلمون، فيشرب منها المسلمون، ولا يشرب الكفار. وأشار أحد الصحابة ببناء عريش "مركز قيادة" للرسول ص يتابع من خلاله سير المعركة، فإن انتصر المسلمون في الغزوة كان بها، وإلا خفَّ الرسول إلى المدينة ليلحق بالمسلمين فيها، ويستأنف رسالته وجهاده معهم.

وأشار سلمان الفارسي على الرسول بالخندق ورفض السعدان "سعد بن الربيع وسعد بن معاذ" إعطاء غطفان تمرة واحدة من تمر المدينة.

وأنقذ خالد بن الوليد بفضل الله، ثم بخبرته العسكرية المسلمين في مؤتة من الإبادة، حين أعد خطة ناجحة للانسحاب أبقى معها على أرواح المسلمين، وكل أولئك صور من الجهاد عظيمة لا تنفك أبداً عن الجهاد بالنفس وبذلها رخيصة في سبيل الله، وربما كانت الخبرة صورة من الخدمات الصحية التي كان يؤديها جمع من الصحابيات - رضوان الله عليهن - مثل عائشة وأسماء ونسيبة بنت كعب ورفيدة الأسلمية التي تخصصت في الجراحة ونصب لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في المسجد خيمة تعالج فيها سعد بن معاذ من جراحته.

ثالثاً: بذل الروح والنفس:

والجود بالنفس أسمى غاية الجود... وهذه التضحية سمة الصحابة الأبرار من أول يوم في الدعوة، حيث لقي في بداية الدعوة أناس ربهم شهداء وفاضت أرواحهم فداءً لهذا الدين تحت العذاب الشديد أمثال سمية بنت خياط - رضي الله عنها - التي طعنها أبو جهل لعنه الله بحربة في موطن عفتها، فلقيت ربها شهيدة، وياسر زوجها الذي مات تحت العذاب أيضاً، وغيرهما من المستضعفين، وفي العهد المدني لقي كثير من الصحابة ربهم شهداء في معارك الإسلام في بدر وأحد والخندق ومؤتة وحنين وفي الفتوحات الإسلامية في عهود الخلافة الراشدة.

وفي بدر يسمع عمير بن الحمام - رضي الله عنه - رسول الله ص يبشر من قُتل في هذه المعركة بالجنة فيرمي تمرات كن في يده وينشد:

ركضاً إلى الله بغير زاد *** غير التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد *** وكل زاد عرضة النفاد

إلا التقى والبر والرشاد

ويقاتل حتى يقتل.

وفي بدر أيضاً يسأل عوف بن الحارث الرسول – صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله: ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمس يده في العدو حاسراً "أي بلا درع" فيرمي بنفسه بين الأعداء، ويعمل فيهم سيفه حتى يقتل، وفي أحد يذيق حمزة بن عبد المطلب المشركين ألوان النكال فيرميه وحشي بحربة فيصرعه، وتأتي هند فتأكل كبده وتمثل به - رضي الله عنه - ومر أنس بن النضر بين المسلمين في أحد صارخاً: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء "يعني المشركين"، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء "يعني المسلمين" ويقول: "واهاً لريح الجنة، إني أشم رائحة الجنة من وراء هذا الجبل"، ويقاتل المشركين حتى يقتل وما يعرفه أحد بعد موته من كثرة الطعن إلا أخته، عرفته بعلامة في بنانه، يقول الصحابة رضوان الله عليهم: وكنا نرى قول الله- تبارك وتعالى -: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً" 23 (الأحزاب)، نزلت في أنس بن النضر.

وسقط مصعب بن عمير وزياد بن السكن وغيرهما شهداء حول النبي – صلى الله عليه وسلم - في أحد وهم يدافعون عنه، ولفظ سعد بن الربيع - رضي الله عنه - أنفاسه الأخيرة وهو يوصي برسول الله الصحابة قائلاً: "لا عذر لكم إن خُلِص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف".

وفي مؤتة يلقى الأمراء الثلاثة "زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة" ربهم شهداء، فداءً لهذا الدين.

وقد أشعل عبد الله بن رواحة حماس ثلاثة آلاف من المسلمين لمحاربة مائتي ألف من الروم قائلاً: "إننا لا نقاتل القوم بعدد ولا عدة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي ألزمنا الله"، وراح ينشد سائلاً ربه الشهادة:

ولكنني أسأل الرحمن مغفرة ** وضربة ذات فرع تفرغ الزبدا

وطعنة بيدي حران مجهزة ** من رمحه تقطع الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جسدي ** يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

وارتجل في هذه المعركة أراجيز مازال صداها يتردد في صدور المجاهدين حتى الآن، وآلى جعفر بن أبي طالب ألا يترك راية الإسلام تسقط فحملها بيمينه، فلما قطعت حملها بشماله، فلما قطعت احتضنها بعضده، وما تركها حتى فارق الحياة ولقي ربه شهيداً.

وغيرهم كثيرون من السلف في الفتوحات الإسلامية، منهم من مات في البر ومنهم من مات في البحر، لتبقى راية الإسلام خفاقة، ولتبقى كلمة التوحيد تتردد في جنبات هذا الكون، ومازالت شجرة الإسلام ترويها دماء الشهداء في فلسطين والبوسنة وفي كوسوفا والفلبين وكشمير وأفغانستان وما زالت الجنة تفتح أبوابها لاستقبال وفود الشهداء في الأرض المقدسة، الذين تحصدهم مدافع الحقد اليهودي كل لحظة.

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب بعد انتهاء إحدى المعارك فسأله عمر عن الشهداء، فقال: قتل فلان يا أمير المؤمنين، وقتل فلان، وأناس لا أعلمهم قال عمر: "ولكن الله يعلمهم".

رابعاً: إيثار المشقة على الراحة: والخطر على السلامة، والشظف على الترف.

ومضرب المثل في ذلك... مصعب بن عمير الذي عاش مترفاً، ثم آثر العيش الخشن في جوار رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقد رق له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ذات مرة وأشار إليه قائلاً: "انظروا إلى هذا الفتى الذي نوَّر الله قلبه، وصل به حب الله وحب رسوله إلى ما ترون، ولقد رأيته في مكة بين أبوين يغذوانه أطيب الطعام ويلبسانه أفخر الثياب".

وعندما سمع حنظلة بن أبي عامر الراهب، داعي الجهاد ليلة زفافه، نهض من فراش عروسه إلى المعركة، دون أن يغتسل، ولقي الله شهيداً، فأخبر – صلى الله عليه وسلم - أنه رأى الملائكة تغسله بين السماء والأرض، وسمي "غسيل الملائكة"، إنه ضحى بليلة عمره، كما يقولون بل بحياته كلها وضحى بعروسه في ليلتها الأولى، لتعانقه الحور العين في جنة الفردوس، ووجد أبوخيثمة في جيش العسرة امرأتيه قد أعدتا له طعاماً شهياً وماء بارداً ومجلساً ليناً وظلاً ظليلاً، فصرخ: ما هذا بالنَّصف (أي بالعدل)، رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في الحر وأنا هنا؟! جهزاني، وما نزل عن راحلته حتى لحق برسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

وأبو ذر الغفاري تقعد به راحلته وتضعف عن مواصلة السير في غزوة العسرة، فيطرح عنها متاعه ويضعه على عاتقه ويقطع طريق الصحراء الحارقة وحده على قدميه، فيلحق برسول الله – صلى الله عليه وسلم - فيمدحه رسول الله قائلاً: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث أمة وحدة".

وتتحقق فيه نبوءة سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فيموت بالربذة فلا تجد امرأته من يعينها على تجهيزه، فتضعه بقارعة الطريق، حتى يمر ابن مسعود وجماعة معه فيعرفه ابن مسعود، ويصدق مقالة رسول الله ويجهزه ويدفنه مع إخوانه.

ألوان أخرى من التضحية:

لا تقتصر التضحية على لون معين، بل كل ما يقدمه العبد في سبيل الله تضحية. قال - تعالى -: "وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون"60 (الأنفال).

و"ما" في الآية نكرة تفيد العموم، وكذلك كلمة "شيء" لذا كانت التضحية بكل محبوب مرغوب سبباً في تحقيق النصر.

ومن صورها كذلك التضحية بالنوم أو الراحة عموماً، حيث نقل عن صلاح الدين الأيوبي - رضي الله عنه - أنه ما شبع من النوم ليالي المعارك كلها وما شبع من الطعام، وكان مريضاً وكان قوله دائماً آنذاك في حرقة وأسى "وا إسلاماه وا إسلاماه"، كما روي عنه أنه ترك التبسم حزناً على المقدسات حتى تحررت.

وعَلْية بن زيد واحد من أصحاب رسول الله ص الذين لم يجد رسول الله ما يحملهم عليه هجر منامه وقام ليلة يصلي وتصدق على كل مسلم ظلمه بالعفو عنه، فلما أصبح قال – صلى الله عليه وسلم -: يا علية، لقد قبل الله صدقتك الليلة في الصدقات.

وطلب القائد قتيبة بن مسلم من أحد قواده أن ينظر مَن في المسجد قبل أن يغادر المدينة للمعركة، فجاءه قائلاً: ليس إلا رجل واحد هو محمد بن واسع رافعاً أصبعه إلى السماء يسأل الله النصر للمسلمين، قال قتيبة: "لأصبع محمد بن واسع عندي خير من ألف فارس".

وفي العصر الحديث هناك من باع سريره ونام على الأرض، ومن باع دراجته التي تحمله إلى عمله وسار على قدميه، ليقدم كل منهما ثمن السرير أو الدراجة لينصر دينه، وغيرهما كثيرون، أخفياء أتقياء يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.

بمثل هذه الجهود الصادقة والدعوات المخلصة والتضحيات المتباينة ينصر الله دينه ويؤيد جنوده. نسأل الله أن يجعلنا منهم وألا يحرمنا بركتهم.