الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم عليه كلما تضوَّع مسكٌ وفاح، وكلما غرَّد حمام وصاح، وكلما شدا بلبلٌ وناح، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.

إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي عملتم وكلٌّ في الكتاب مرتبُ؟


وماذا كسبتم في شبابٍ وصحةٍِ وفي عُمُر أنفاسُكم فيه تُكتبُ؟


فيا ليت شعري ما أقول وما الذي أجيب به إذْ ذاك والأمر أصعبُ؟


خطبتي هذا اليوم: إلى الموظف المسلم.

أيها الموظف المسلم: إن الله استرعاك على رعية، واستأمنك على أمانة، وحمَّلك مسئولية، يقول جل ذكره: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] وكل ما كلفنا الله به من عمل فهو أمانة، الموظف مؤتمن، والمدرس مؤتمن، والتاجر مؤتمن، والعالم مؤتمن، والقاضي مؤتمن: {كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته }.

أيها الموظف المسلم! إنك تختلف عن الموظف الكافر تماماً، إن الموظف الكافر يعمل من أجل الدنيا، ويراقب الناس، ويخاف الناس، لا يراقب إلا هذه الحياة الدنيا، أما أنت يا مؤمن! فإن رقيبك الله، وحارسك الله، يقول تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] ويقول سبحانه: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] قال بعض المفسرين: عن لا إله إلا الله، وقال غيرهم: عن الإيمان، وقال ثالث: عن كل ما استرعاك الله عليه. وهو الصحيح.

يا أيها الموظف! فوالذي نفسي بيده ليسألنك الله الأحد في يوم تشيب فيه النواصي عن وظيفتك وعن عملك، يقول سبحانه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] إذا كانت الذرة الحقيرة تُسأل عنها عند الله! فما بالك بقوم ضيعوا الله في أعمالهم، ونسوا الله في وظائفهم، خرجوا من الدوائر في غير طاعة، ولم يصيبوا في أعمالهم، وحبسوا المؤمنين والمسلمين بأموالهم، يقول سبحانه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:30] قال أهل العلم: تجد النفس ما قدمت من خير وما قدمت من سوء.

فماذا تقول لربك أيها الموظف المسلم إذا نَشَر لك الصحُف؟! وعَرض عليك الصحائف، ورأيت معاملتك السوداء، وخروجك من دوامك، وتأخيرك للمسلمين، وتنغيصك لحياتهم.

ماذا تقول لله تبارك وتعالى؟! ولذلك جعل الله عزَّ وجلَّ من نفسه رقيباً على العبد، يقول سبحانه وتعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيبُ


ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليك يغيبُ


إذا أخفيت عن المسئول، أو عن الأمير، أو عن الوزير، فما أخفيت عن عين الله.......


نماذج في مراقبة الله عز وجل


مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه -ورفع الله منزلة عمر ، وجمعنا الله في الجنة بـعمر - مر براعٍ يرعى غنماً، فقال عمر : [[يا راعي! بعني شاة من غنمك -يريد أن يمتحن إيمانه، وينتظر صدقه مع الله- قال الراعي -وهو مؤمن، وهو مسلم، وهو يراقب الله في الخلوات-: يا أمير المؤمنين! الغنم لسيدي، قال عمر : إذا سألك سيدك عن الشاة فقل: أكلها الذئب، قال الراعي: الله أكبر يا عمر ! أين الله؟! فجلس عمر يبكي ويقول: إي والله، أين الله؟! ]]. فهل قال الموظف المسلم لنفسه: أين الله؟! وهل قال المسئول لنفسه: أين الله؟!......

أبو بكر ومراقبته لله

تولى أبو بكر الخلافة، وأول خطبة خطبها على المنبر بكى وأبكى الناس، والبيعة على المسلمين، فردوا بيعتهم في عنق أبي بكر ، فأخذها شاردة واردة. كان أزهد الناس، وأخشاهم وأورعهم، ذكر أهل السير: أن عمر كان يتفقد أبا بكر بعد كل صلاة فجر، فإذا هو يخرج من المسجد إلى ضاحية من ضواحي المدينة ، فذهب عمر وراءه يوماً من الأيام، فدخل أبو بكر خيمة، ومكث فيها ساعة ثم خرج، فلما خرج؛ دخل عمر بعده إلى الخيمة، فوجد عجوزاً وأطفالاً، قال للعجوز: يا أمة الله! من أنتِ؟ قالت: أنا عجوز حسيرة كبيرة عمياء، وهؤلاء الأطفال مات أبوهم من سنوات، قال: ومن هذا الشيخ الذي يدخل إليكم؟ قالت: لا أعرفه -لا تعرف أبا بكر ، ولكن الله يعرف أبا بكر - قال: ماذا يفعل؟ قالت: يدخل عندنا، فيكنس بيتنا، ويحلب شياهنا، ويصنع لنا طعامنا، ثم يخرج، فضرب عمر بيده على رأسه وبكى وقال: [[يا أبا بكر ! أتعبت الخلفاء بعدك ]].

من يفعل مثل هذا الفعل؟! من يترصد مثل هذا الترصد؟! من يخدم مثل هذه الخدمة؟! إنه الصديق الأكبر، ولذلك تولى عمر فأخذ درساً من أبي بكر لا ينساه [[ ولما مات أبو بكر ، قال لأهله: خذوا هذه البغلة، وهذه الثياب، والله ما لبست من ثياب المسلمين، وما أخذتُ من طعامهم، واذهبوا بهذه البغلة والثياب إلى عمر بن الخطاب ، وقولوا: يا عمر ! هذه بقية ميراث أبي بكر ، فاتق الله يا عمر في أموال الأمة، لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي ]] فلما تولى عمر أصابه عام وجاع مع المسلمين، فبقي جائعاً شاحباً حزيناً محتاجاً، يقول على المنبر يوم الجمعة وبطنه يُقَرْقِر من الجوع: [[قَرْقِرْ أو لا تُقَرْقِر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين ]].

عمر ومراقبته لله

عمر بن الخطاب يبكي ويصيح: [[والله الذي لا إله إلا هو لو عثرت بغلة في ضفاف دجلة بـالعراق ؛ لخشيتُ أن يسألني الله يوم القيامة عنها: لِمَ لَمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ ]] هذه مراقبة الواحد الأحد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما صحَّ عنه: {اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه } اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئاً ولو يسيراً، ولو وظيفة، أو مشيخة، أو إدارة، أو إمارة، أو وزارة فشق عليهم فاشقق عليه، غداً تكون المشقة عليه يوم العرض الأكبر، يشق الله عليه كما شق على المسلمين، وعلى المساكين والفقراء، وعلى الأرامل والأيتام والمحتاجين، والجزاء من جنس العمل، يوقفه الله نادماً خاسئاً ذليلاً حقيراً، يوم لا حاكم إلا الله يوم ينادي بصوت يسمعه مَـن قَرُب كما يسمعه مَـن بَعُد: {لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسَه بنفسه ويقول: لله الواحد القهار }.

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ولاه الله أمراً من أمر أمتي فاحتجب عن خُلَّتِهم وحاجتهم احتجب الله عن خُلَّتِه وحاجته يوم القيامة } والمعنى: مَن تولى أمراً صغيراً أو كبيراً فأوصد أبوابه، واعتذر بالمعاذير عن عمله، وعطل أعمال الناس، وأخر إجراءاتهم، وأخر مقاصدهم، ومعاملاتهم، احتجب الله عنه وعن خلته وحاجته ومسألته يوم العرض الأكبر، فلا يقضي الله له حاجة، ولا يؤثره برحمة، جزاء ما نكَّد على الأمة الإسلامية.

سعيد بن عامر ومراقبته لله

أرسل عمر بن الخطاب سعيد بن عامر إلى حمص والياً وأميراً، وكان سعيد بن عامر من أزهد الناس وأعبدهم، ومن أصدق الناس مع رب الناس، فذهب سعيد بن عامر فتولى ولاية حمص ، ومكث عندهم سنوات، وكان من خيرة الناس، يعيش عيشة الفقير، ومرَّ عمر على أمرائه يسألهم، ويسأل الرعايا عن الأمراء، ويحاكمهم أمام الناس، فلما وصل إلى حمص سأل أهل حمص عن سعيد بن عامر ، فقالوا: فيه كل خير، من أصدق الناس، ومن أعبدهم وأزهدهم لولا أن فيه أربع خصال، قال عمر : وما هي؟ قالوا: لا يخرج لنا حتى يتعالى النهار -أي: يتأخر في دوامه- قال عمر : هذه واحدة -و عمر عنده درَّة، يؤدب بها-.

قال: والثانية؟

قالوا: وله يوم في الأسبوع لا يخرج إلينا فيه.

قال: والثالثة؟

قالوا: لا يخرج إلينا في ليل مهما طرقنا على بابه.

قال: والرابعة؟

قالوا: إذا أصبح في مجلس الحكم أُغمي عليه حتى يُرش بالماء. قال عمر وقد ترقرقت عيناه بالدموع: اللهم لا تخيب ظني في سعيد بن عامر ، قم يا سعيد !رد على نفسك -هذا حكم ومناصفة، والرعية جلوس- قال سعيد : والله لوددتُ أن أستر هذا الأمر لكن ما دام أنهم تكلموا فأما قولهم يا أمير المؤمنين: أني لا أخرج إلا إذا تعالى النهار، فامرأتي مريضة وليس لي خادم، فأجلس في بيتي، وأصنع طعام إفطاري، وأصلي الضحى، ثم أخرج إليهم.

قال: والثانية؟

قال: وأما قولهم: لا أخرج لهم بليل، فقد جعلتُ لهم النهار، وجعلتُ لربي الليل أصلي وأدعو الله حتى السحر.

قال: والثالثة؟

قال: وأما قولهم: إن لي يوماً لا أخرج فيه إليهم، فيوم أغسل ثيابي فيه.

قال: والرابعة؟

قال: وأما الرابعة فإنني حضرتُ مقتل خبيب بن عدي في مكة وأنا مشرك وهو مسلم فما نصرتُه، فكلما تذكرتُ ذاك اليوم أُغمي علي، فتهلل وجه عمر وقال: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك، قال سعيد بن عامر : يا أمير المؤمنين! والله لا أتولى لك ولاية بعدها أبداً.

ثم ترك الولاية وخرج، ولكن ما تركه عمر يخرج حتى حاسبه في الأموال وفي الخزائن وفي الأحكام، وعرض عليه الدواوين، فوجده ما أخذ درهماً ولا ديناراً، وإنما خرج كما دخل، بصحفة وشملة وعصا.

هؤلاء أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام.

نداء إلى الموظف المسلم


فيا أيها الموظف المسلم! ويا أيها المسئول المسلم! اعلم إذا جلست على كرسيك أن الله سوف يجلسك يوم العرض الأكبر، فيسألك عما فعلت، وعما تصرفت قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] وقال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95].

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناهُ


كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناهُ


ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناهُ


ونركب الجو في أمن وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ اللهُ


كن كالصحابة في زهد وفي ورعٍ القوم هم ما لهم في الناس أشباهُ


عُبَّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ


وأُسْدُ غابٍِ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ


يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيِّدوا لنا مجداً أضعناهُ


أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.......


ثمرات الصدق مع الله عز وجل


الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد:

فإن الموظف المسلم إذا صدق مع الله كسب أموراً:

منها الدعاء له الذي هو من أعظم الأعمال عند الله، والثناء الحسن يرسله الله للمخلص الصادق، فيدعون له بالتوفيق والهداية، ويدعون له بالتسهيل كما سهَّل أعمالهم ومعاملاتهم، والموظف الصادق يسهل الله عليه الحساب يوم العرض الأكبر، وانتفاعه من ذلك العمل كما يسر على المسلمين أمورهم ييسر الله عليه أمره يوم الحساب.......


خيانة بعض الموظفين للأمانة


ولكن وُجد من الناس من لا يراقب الله، ولا يرعى الله، ولا يخاف الله في عباد الله، وُجد منهم من يتأخر في دوامه، فيبقى في بيته متخلفاً متأخراً، ومعاملات الناس ومصالحهم مركونة بمكتبه، فإذا حضر سوَّف في عمله، سيئ في خُلُقه، متبجِّح في تصرفاته، لا يراعي حق المسكين، ولا حق الضعيف، ولا حق المسافر المنقطع، بل بعضهم لا تتطلب منه المعاملة وقتاً طويلاً فتكثر الإجراءات، فيَعِدُ الأسابيع بعد الأسابيع، والأشهر بعد الأشهر، فينقطع المسلم ببابه واليتيم والمسكين والأرملة، فيجازيه الله عليه يوم العرض الأكبر.

وبعضهم إذا حضر كانت تصرفاته غير سليمة، لا يتعامل بالخلق الحسن، ولا بالرحمة، ولكن تجده معسراً معتباً شرساً متكبراً على عباد الله؛ وهذا لقلة الإيمان في قلبه؛ ولأنه ما عرف سيرة محمد عليه الصلاة والسلام ولا سيرة أصحابه.

ومنهم من يخرج أثناء الدوام فيترك وظيفته وعمله، ويخرج في أمور ذاتية شخصية لبيته ولأغراضه الخاصة، يخرج إلى المستشفى أو السوق، وما عمل عمله، فقد خان الأمانة إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].

ومنهم من لا يراعي الله عزَّ وجلَّ في أعمال المسلمين، فيحيف، وربما ينسى الإنصاف في المعاملة؛ فيقدم قريبه وحبيبه ويُبعد هذا ويُقرب هذا لأمور دنيوية سوف يُسأل عنها يوم يبعثر ما في القبور ويُحصَّل ما في الصدور.......


المثالية الإيمانية لبعض الموظفين


وقد عُلم من بعض الموظفين أنهم بلغوا المثالية الإيمانية، وأنهم ضربوا أروع الأمثلة، وقد سمعنا عن موظف عظيم من عظماء الإسلام، يعيش في هذا العصر، بلغ من تواضعه وصدقه مع الله أن يحاسب نفسه على الدقائق في الحضور والانصراف، ولذلك أصلح الله له حاله، وترى وجهه فيه النور، ودعا له المسلمون، من قصص هذا الموظف العظيم، وهو معروف: أنه إذا أراد أن يتصل بأهله لا يتصل من مكتبه، يقول: هذا الهاتف للمسلمين، ولم يأذن لي ولاة الأمر أن أتصل على بيتي، وإنما وُضع هذا الهاتف للمصالح العامة، وهذا هو الورع الصادق الذي سوف يجده في قبره يوم يُنَوَّر له قبرُه بعمله الصالح، ولكن يوجد من الآخرَين من يلطخ صحائفه البيضاء بأعمال لا ترضي الواحد الأحد.......


على الموظف أن يراقب الله


إن التسرع على الانصراف قبل وقته، أو على عمل حسابات ليست بصحيحة، أو على تزوير أوراق، أو على مكالمة لا تمس إلى عمله بصلة، أو على الاشتغال مع زملائه بحديث جانبي، وترك المراجع ولقد تعاطى الساعات الطويلة، وهو ينتظر وراء الباب، وهذا لا يرضي الله، ولا يرضي وُلاة الأمر، الذين قاموا على الحكم بما أنزل الله، ومعنى ذلك: أنها خيانة صريحة وجرح لشعور المسلمين لا يريده الله عزَّ وجلَّ.

والذي ينتظر مراقبة المسئول الذي فوقه ولا يراقب الله ليس بمؤمن، أتراقب العبد ولا تراقب المولى؟! أتراقب الضعيف ولا تـراقـب القـوي؟! يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء:108].

وإذا خلوت برِيْبَة في ظُلْمَة والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ


فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني


أيها الموظف المسلم: استحل راتبك بالعمل الصالح الصادق، ارحم أمة محمد عليه الصلاة والسلام، اصدق مع الله؛ لتنال من الله عزَّ وجلَّ المثوبة والأجر، ومن المسئولين الشكر والثناء، ولتنال من أمة الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء.