الحمد لله، الحمد لله الذي جعل الأبناء لعيون الآباء قُرَّة، وجعلهم لقلوبهم مسرَّة، وجعل الأبناء في جبين السعادة دُرَّة، وأوصى بهم وبتربيتهم في الكتاب والسنة كرة من بعد كرة.

والصلاة والسلام على خيرة الآباء، أبي الزهراء ، سيد الأولياء، وأعظم الأصفياء، وأجل المربين النبلاء.

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المسلمون الفضلاء! أيها الآباء النبلاء! إن من أعظم الهبات التي يهبها الله تبارك وتعالى: أن يرزقك الله الذرية الصالحة الناصحة، والأبناء النجباء الأتقياء، حينها تسعد في الحياة الدنيا وفي الآخرة.......

أسباب الحصول على الذرية الصالحة

وهذه الهبة، وهذا العطاء الرباني يحصل بسببين اثنين:

أولهما: قضاء وقدر من الحي القيوم، وهداية خَلقية أمرية منه تبارك وتعالى.

وثانيهما: سبب كسبي من العبد بالتربية والتوجيه والتعليم.

فها هو إبراهيم الخلـيل يتوجه إلى الله تبارك وتعالى أن يجنب أبناءه الشرك والوثنية، يقول عليه السلام في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35].. كأنه يقول: يا رب! لا تجعل أبنائي مشركين وثنيين فجرة، حينها تُنَغَّص عليَّ الحياة، وتُكَدَّر عليَّ السعادة، وتُظْلِم الدنيا في عينيَّ.

ويقول بعدها بآيات في قوله تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].. يا رب! أبنائي يقيمون الصلاة فلا تضيعهم. يارب! أبنائي أتقياء أخيار؛ فلا تجعلهم ضُلاَّلاً مشركين.

ويقول في سورة البقرة -يوم طلب الولاية من الله لـه ولأبنائه- في قوله تعالى: قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

ولو كان الأب خَيِّراً باراً سعيداً تقياً، ولكن ابنه فاجر، فلن تناله ولاية الله، فالله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، ولا واسطة، ولا شفاعة, إلا لمن ارتضى من عباده الأخيار.

وزكريا عليه السلام يشرف على الهرم، ويدركه الشيب، ويضمحل جسمه، فيلتفت إلى القبلة, ويرفع أكف الضراعة إلى الحي القيوم، يقول الله عنه: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم:4-6] يقول: يا رب! أسألك ابناً صالحاً يرثني في الخير، يدعو لي وأنا في القبر، مُسَدَّداً، يتصدَّق. فيُحَسِّن خُلُقَه، فيكون في ميزان حسناته، سبحان الله! يا له من دعاء..!

يقول الله في سورة الكهف: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82] حفظ الله لهما الكنـز؛ لأن أباهما كان صالحاً.

والله عز وجل يمتن على زكريا عليه السلام بالهداية لأبنائه، فيقول: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

ومدرسة التوجيه والتربية في القرآن تعتمد على الوصايا النافعة، لا على المبادئ المهزوزة الفاشلة، والتعاليم التي أُسْقِيَها أبناء المسلمين في هذا العصر، تجعل الواحد منهم ينشأ فاشلاً فاجراً إلا من رحم ربك.

يقول تعالى حاكياً عن لقمان وصيته لابنه: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

أي وصية هذه؟! وأي تعاليم هذه التعاليم؟! وأي مبادئ هذه المبادئ؟!


الأمور التي تحصل بها تربية الأبناء


وتربية الأبناء - أيها الآباء النبلاء الفضلاء الشرفاء - تحصل بأمور؛ أفرد بعض العلماء فيها تصانيف؛ ومن أجَلِّ ما تحصل بها هذه الأمور:

أولها: اختيار الزوجة الصالحة.

ويوم نخفق ونفشل في اختيار المرأة الصالحة سوف ينشأ النشء غير مستقيم، ولا مسترشد.

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ


الأم نبت إن تعاهده الحيا بالريِّ أورق أيما إيراقِ


والرسول - عليه الصلاة والسلام - يعلن الأسس التي تتزوج عليها الأمم جميعاً، فيقول: {تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولنسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك }.

فأهل فارس : يتزوجون للجمال.

والروم: يتزوجون للنسب.

واليهود: يتزوجون للمال.

وأما أمة محمد عليه الصلاة والسلام: فيتزوجون للدين، وللاستقامة.

والأم إذا كانت صالحة مرشدة؛ نشأ أبناؤها حفظة لكتاب الله، أخياراً، أبراراً، سعداء، يتشرفون بحمل الرسالة، لا يَخْجلون إذا تلبسوا بالسنة، لا يتدسسون إذا رأوا على أنفسهم معالم الاستقامة؛ لأن بعض الناس ينكس رأسه إذا استقام، ويخجل أن يسمى سنياً؛ لأنها ما غرست في قلبه فطرة (لا إله إلا الله).......

نماذج من الزوجات الخيرات

أم سليم : يراها صلى الله عليه وسلم في الجنة. ولقد كان أعظم مهر في الإسلام مهر أم سليم ، أتاها أبو طلحة وهو مشرك يريد أن يتزوجها، فقالت: " مهري الإسلام، إذا أسلمتَ تزوجتك، فأسلم فتزوجته.

لما قَدِم صلى الله عليه وسلم المدينة ، أهدت إليه ابنها أنس بن مالك ، فخدمه عشر سنوات، تقبل الله منها أحسن ما تقبل من عباده.

الخنساء : تحضر معركة القادسية ، فلما قربت المعركة بين الحق والباطل، بين (لا إله إلا الله) والكفر، جمعت أبناءها الأربعة، وقالت: يا أبنائي! - والله - ما خنتُ أباكم، ولا نكـستُ رأس خـالكم، -والله - إنكم لأبناء رجل واحد، فإذا أقبلت المعركة، فيمموا قبلتها، واستقبلوا شطرها، ثم قاتلوا أبطالها، ولا أراكم أحياء في آخر اليوم، أريد أن أراكم شهداء؛ لأسعد بكم في جنة عرضها السماوات والأرض.

وبدأت المعركة، وقاتل أبناؤها، وقتلوا جميعاً، وأتى الصحابة يعزونها في أبنائها، قالت: الحمد لله الذي أقر عيني بهم في جنة عرضها السماوات والأرض، وهي تضحك.

أي جيل هذا الجيل؟! وأي سعادة حصلت لهم لما استقاموا على منهج الله الذي رضيه لعباده؟!

التربية من حين اجتماع الزوجين, ومن حين خروجه وليداً

والأمر الثاني: يحصل بذكر الله يوم أن يلتقي الرجل بالمرأة.

والأمر الثالث: يوم يقع رأس المولود في الأرض:

حينها يبكي صارخاً

يقول فيلسوف الأدب:

ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا


فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا


هدي الإسلام عند خروج الطفل من بطن أمه

يوم يقع رأس الغلام في الأرض, ماذا يفعل الإسلام به؟ ما هو هدي الإسلام للمولود؟

هديه -كما أتى في (السنن ) و(المسند )- أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ولد الحسن بن علي أذَّن في أذنه.

يا لله! ويا لَلْعَجب! ويا لَلرَّوعة والإبداع! لينشأ الطفل على (لا إله إلا الله)؛ لينشأ على الأذان، وليغرس في قلبه معالم هذا الأذان، ولتُحَبّب إليه المساجد, والرياض الخضرة بتقوى الله وبذكر الله.

أذن صلى الله عليه وسلم في أذنه، لتهتز أذنه بالوحدانية، ولينشأ قلبه على الصمدانية، وليكون عبداً لله من أول يوم.

ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريَّا


دخولي تحت قولك: ياعبادي وأن صيرت أحمد لي نبيَّا


وفي بعض الآثار، ونقل هذا عن عمر بن عبد العزيز أنه يُقام في الأذن الأخرى، يُؤَذَّن في اليمنى، ويقام في الأخرى.

وعَقَّ صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً (كما في السنن ).

لكن في (السنن ): يقول عليه الصلاة والسلام: {كل مولود مرهون بعقيقته، يُعَقُّ عنه يوم السابع، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة } وهو في (السنن ) و(المسند ) بسند حسن.

وهذا معناه: أن تعلن رضاك بموعود الله، وبما أعطاك الله؛ فتتصدق، وكأنه في يوم عيد، يوم رزقك الله ذرية تزيد في الأمة الإسلامية، وتسبح بحمد الله، وتكون لك ذخراً.

ويُحْلَق رأسُه، ويُتَصَدَّق بوزنه فضة، كما ثبت ذلك في الآثار والأحاديث الصحيحة.

هدي الإسلام في الأسماء

وسنّ صلى الله عليه وسلم على الآباء: حسن الأسماء للأبناء, وفي (الصحيح): {أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن }.

ليكن اسم ابنك جميلاً، اسماً إسلامياً عربياً قوياً، لا اسماً فيه أنوثة أو تدليل أو مستورداً من الخواجات والعملاء والضُّلاَّل أبناء الوثنية السخفاء الحقراء، بل يكون اسماً قوياً: عبد الله، عبد الرحمن، عبد السلام، أحمد، محمد؛ ليكون خادماً لهذه الرسالة الخالدة، التي شق نورها المعمورة، فلا يكون اسماً مستعمراً مستورداً، ففي كتابنا وفي سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- ما يغنينا عن هذه الأسماء.

وورد عنه صلى الله عليه وسلم: أن الناس يُدْعَون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم.

فيا معاشر الآباء! يا رواد الجيل! يا ركب الحضارة! اختاروا الأسماء الطيبة البديعة المليحة الحسنة؛ لتكون عنواناً يوم القيامة، يوم العرض الأكبر، تدعون بها أنتم وآباؤكم وأبناؤكم.

وسنّ الإسلام كذلك: أن يُرَبى الطفل على تقوى الله، وأن تُغْرس في قلبه طاعة الله، وأن تُزْرع في قلبه شجرة الإيمان.

تربية الطفل على الافتخار بالدين

الرسول عليه الصلاة والسلام يقـول لـابن عباس وهـو طفل كمـا في سنن الترمذي بسـند حسن: {احفظ الله يحفظك} انظر إلى الوصايا الخالدة التي تزرع في القلب، فتمر في الشرايين مع دفق الدم، فتكون حرارة ونوراً وتوهجاً: {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف }.

نقول: ما للمجتمعات ينشأ الأبناءُ فيها لا يحملون التشرف بالدين، ولا الافتخار بالرسول عليه الصلاة والسلام؟

لأن البيوت -إلا من رحم الله- جعلوا العظماء في البيت المغنيين والمغنيات، والماجنين والماجنات، فيظن الطفل أن عظماء الناس وقوادهم وأن فاتح بلاد الناس, هو هذا المغني, وهذه المغنية.

فما طرق في أذن الطفل دائماً وأبداً مع وجبة الإفطار ومع الجلسة والغداء والعشاء وحفل السمر، محمد رسول الله: أبو بكر الصديق .. عمر الفاروق .. عثمان ذو النورين .. علي بن أبي طالب ، فهذه الأسماء اللامعة، هذه الأسماء التي من لم يَسِر على منوالها، -فوالله- إنه مهزوم, وفاشل, وحقير, ولا يساوي في عالم العدالة والإبداع فلساً واحداً، هذه الأسماء إذا لم تشتهر في البيوت، ولم تعرف سيرتُها، فمعنى ذلك أن البيت فاشل حقير مغضوب عليه.

أنجعل هتلر في البيت، ونابليون وديكارت وكانت وأشباه هؤلاء القردة والخنازير, وأعداء البشرية وأعداء الشعوب؟ أم من المغنين, والمغنيات, الأحياء منهم والأموات؟!

لا والله، بل تتعرف على الأنبياء والصحابة، قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

أدب الإسلام وهديه بالأطفال


ومن أدب الإسلام وهديه بالأطفال:

إذا بلغ الطفل السابعة أن يؤمر بالصلاة أمراً.

فيقال: صل هداك الله، صل فتح الله عليك، هذا طريق المسجد، احضر معنا، هيا بنا إلى روضة من رياض الجنة، هيا إلى رحمة الله تغشانا، وإلى الملائكة تحف بنا، وإلى الرضوان يداخلنا ونداخله، وإلى السعادة، هيا قم بنا؛ ليعرف طريق المسجد.

ويوم يعرف الابن طريق المسجد فلن يعرف طريق السجن ولا الحبس أبداً، ولن يعرف طريق الخمارة ولا المقاهي اللاهية، ولا المنتزهات اللاغية، ولا جلساء السوء، ولا الليالي الحمراء؛ فالمسجد يغسله غسلاً، والمسجد يعلمه تعليماً، والمسجد يجعله هادياً مهدياً راضياً مرضياً.......

هدي الإسلام في من بلغ العاشرة من عمره

فإذا بلغ العاشرة جاء الأمر بالتأكيد والضرب، والفصل بينه وبين إخوانه في المضاجع، لا ينام الأخ مع أخيه الذكر، ولا الأنثى مع الأنثى في فراش واحد، ولا الذكر مع الأنثى، فهذه تعاليم سماوية، ومبادئ أصيلة جليلة، لا بد أن تكتب في الصدور، لا في السطور.

فإذا ما ترعرع فاستصحبه دائماً، واحضر به جلسات الخير، ومنتديات البر، ومعالم التوحيد، ومحاضرات التوجيه والتربية. لا تتركه لاعباً تائهاً في الشارع والسكك، وتأتي أنت تتعلم، فكأنك تهدم من شق, وتبني من شق، وهذا ليس فيه منفعة؛ لأن الدين ليس فيه ترقيع أبداً.

للحديث بقية، ولا نريد الإطالة. (فحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق) ومن يراجع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجد الخير والبر والهداية والفلاح في الدنيا والآخرة.

وفقنا الله وإياكم لبناء بيوت أصيلة جليلة هادية مهدية متجهة إلى الله الواحد الأحد.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الأب قدوة لأولاده


الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونـذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أمَّا بَعْــد:

فلا يزال الحديث متصلاً مع الآباء، مع هؤلاء الذين حملهم الله مسئولية تربية النشء، وقيادة الجيل، وهداية هؤلاء الشبيبة بعد هداية الله عز وجل.

ومن الأمور التي يؤكد عليها، وهي في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم:

أن يكون الأب قدوة لابنه:

وما فشل كثير من الآباء في تربية أبنائهم, إلا يوم ربوهم بالقول, وتركوا الفعل والعمل، قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2].

يريد الأب من ابنه أن يكون صادقاً بالقول, وهو فاجر كاذب, يتعدى حدود الله في القول، ويريد من ابنه أن يكون مصلياً محافظاً على الصلوات الخمس في الجماعة, وهو لا يعرف المسجد أبداً، فكيف يهتدي؟! كيف يكون الابن أميناً وأبوه خائن؟! والابن مُتَّقٍ وأبوه فاجر؟! إن الابن في مرحلة الشبيبة يقلد تقليداً تاماً.

فمن الهدي والخير والسداد والمصلحة - يا عباد الله - أن نكون قدوة لأبنائنا في البيوت، نأمرهم بالخير ونأتيه، وننهاهم عن المنكر ونجتنبه؛ ليصلح الله لنا الظاهر والباطن، فإنه إذا أصلح أصلح.

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوهُ


يا أيها الرجل المعلم غيره هلَّا لنفسك كان ذا التعليمُ


ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
......

أثر التعليم النافع

والمسألة الثانية التي يجدر الإشارة إليها: التعليم:

تعليم الأبناء تعليماً شرعياً، يعتمد على الكتاب والسنة، لا تعليماً ثقافياً ساذجاً؛ فتحشى به أذهانهم حتى تكون مثل سلة المهملات.

علمٌ لا يقوده إلى المسجد، ولا يحبب إليه طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يقوده إلى الخير، ولا يجنبه المعاصي والمزالق ليس بعلم.

نحن نختلف تماماً عن أمم الأرض التي لا تدين بالإسلام؛ فعلمنا من فوق سبع سماوات، وعلمهم من الطين والتراب، قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

فهذا الابن لا بد أن تسكب في قلبه العلم؛ وأعظم العلم أن تحفظه كتاب الله عز وجل من يوم يبدأ في السادسة, أو في السابعة وتلقنه السور العظيمة والآيات الكريمة، وتدخل كتاب الله في قلبه، ليستدرج النبوة بين جنبيه؛ غير أنه لا يوحى إليه؛ ليكون شافعاً له، لتنور صدره، لتزيل همومه وغمومه وأحزانه وكربه بالقرآن, لتجعله راضياً مرضياً, سعيداً في الدنيا والآخرة.

فالله الله! في تحفيظ أبنائنا كتاب الله.


أثر التعليم السيء

ويوم أتت بعض الأسس التربوية من الغرب، وقالت: هذا ليس بسِنِّ حفظ، وإنما يُحفَّظ معلومات ونماذج من كتيبات، وعندها تركنا القرآن وحفظ القرآن، أخفق الأبناء، فما نجحوا في هذه العلوم, ولا في هذه العلوم. وأصبحوا مذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

فالعلم النافع الذي يعتمد على: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأؤكد مبدأً أصيلاً, أن أي داعية, أو أي مصلح يهون من شأن العلم ومن شأن التحصيل العلمي بحجة الدعوة في سبيل الله, فإنما هو يهدم الإسلام بمعوله، ويعادي الرسالة المحمدية، علم أم لم يعلم.


أسس ينبه عليها الآباء

ومن الأسس التي أريد التنبيه عليها للآباء كذلك:

جلساء الخير والرفقة الصالحين.

الله الله فيهم، وفي إبعاد أبنائنا من الرفقة السيئة، قال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

ومن معالم الولاء والبراء كما ثبت في الأحاديث الصحيحة: {أن تحب العبد، لا تحبه إلا لله } {ورجلان اجتمعا في الله وافترقا عليه }.

فحـبب ابنك إلى الأخيـار، والعلماء، وطلبة العلم، والدعاة، والمصلحين، والأخيار الصالحين، فوالله لا يكسب منهم إلا نفعاً في الدنيا والآخرة.

أما المردة والفجرة وعصابة السوء والإجرام والإفساد, فهم والله الجناة على البشرية، والجناة على البلاد والعباد، ولا يكسب منهم إلا عاراً وشناراً ودماراً وناراً في الدنيا والآخرة.

يقول الشافعي :

أحب الصالحين ولستُ منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة


وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة


عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

متابعة الأبناء

أمِن المعقول - يا أيها الآباء الأخيار الأبرار - ألاَّ يُدْرَى عن الابن أين يذهب؟ ومع مَن يمشي؟ ومع مَن يلعب؟ ومع مَن يجلس؟ ومع مَن يسافر؟ أهذا من العقل ومن النُّبْل بمكان؟!

لا والله، هذا جهلٌ، وسفه في التربية، نترك أبناءنا هكذا شذر مذر، فيقعون في حمأة الرذيلة، فيُحبسون ويجلدون ويتردَّون، ويتعاطون المعاصي، ثم نقول: لقد كتب الله عليهم هذا! والله يهدي من يشاء ويُضِل!

وهذا صحيح؛ لكنها كلمة حق أريد بها باطل؛ أين سببك؟ أين كسبك؟ أين تربيتك؟ أين ملاحظتك وتوجيهك؟ لو حدث هذا ما حدث ذاك.

فأوصيكم ونفسي بهذه الأمور للأبناء؛ لأن لهم حقوقاً عليكم، كما أن لكم حقوقاً عليهم.

حينها تسعدون بهم، ويكونون في ميزان حسناتكم، ويكونون بررةً بكم، ويدعون لكم قبل الموت وبعد الموت، وتتشرفون بهم في الدنيا والآخرة.

أقر الله عيوننا وعيونكم بأبناء بررة، نجباء أخيار، وصرف الله عنا وعنكم السوء.

عباد الله! وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة واحدة, صلى الله عليه بها عشراً }.

اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين