حديثنا اليوم عن مقدمة كتاب عظيم، لإمام عظيم، كتبها عالمٌ كبير من علماء العربيَّة والدين، حديثنا عن مقدِّمة (الرسالة) للإمام المُطَّلِبِي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله الكتاب الذي حقَّقه وقدَّم له الشيخ العالم أحمد محمد شاكر رحمه الله والكتابُ -على جلالة قدْرِه- يقع في مجلَّد واحد متوسط الحجم، إذا جُرِّد من الحواشي والتعليقات، ومقدمته القيمة تُناهِز صفحاتها المائة.

وُلِد الإمام الشافعي بغزة سنة خمسين ومائة، ومات بمصر ليلة الجمعة، ودُفِن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب سنة أربعة ومائتين، وعمره أربع وخمسون سنة. كان الشافعي رحمه الله قويّ العارِضة، مُنوَّر البصيرة، مُبدِعًا في إقامة الحجة وإفحام المناظرين، فصيح اللسان، ناصِع البيان، في الذِّروة العليا من البلاغة، تأدَّب بأدب البادية، وأخذ العلوم والمعارف عن أهل الحضر، ونبَغ في الحجاز، وكان إلى علمائه مرجع الرواية والسُّنة، وكانوا أساطين العلم في فقه القرآن، ولم يكن الكثير منهم أهل لَسَنٍ وجَدل، وكادوا يَعجِزون عن مناظرة أهل الرأي، فجاء هذا الشاب يُناظِر ويُنافِح، ويعرف كيف يقوم بحُجَّته، حتى سمَّاه أهل مكة: (ناصر الحديث)، وتواترت أخباره إلى علماء الإسلام في عصره، فكانوا يَفِدون إلى مكة للحج، يُناظِرونه ويأخذون عنه في حياة شيوخه، حتى إن أحمد بن حنبل رحمه الله جلس معه مرة، فجاء أحد إخوانه يَعتِب عليه أن ترَك مجلس ابن عيينة شيخ الشافعي ويجلس إلى هذا الأعرابي! فقال له الإمام أحمد: "اسكت! إنك إن فاتك حديث بعُلوٍّ، وجدتَه بنزول، وإن فاتك عقل هذا، أخاف ألا تجده، ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى!"، ويقول الإمام أحمد: "لولا الشافعي، ما عرَفْنا فِقه الحديث"، ويقول أيضًا: "كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ألَّف الشافعي كتبًا كثيرة، بعضها كتبه بنفسه، وقرأه على الناس أو قرؤوه عليه، وبعضها أملاه إملاءً، وإحصاء هذه الكتب عسير، وقد فُقد كثير منها، وكتاب (الرسالة) ألَّفه الشافعي مرتين؛ ولذلك يعدُّه العلماء في فهرس مؤلَّفاته كتابين: الرسالة القديمة، والرسالة الجديدة، يقول الشيخ أحمد شاكر (محقق الكتاب): أما الرسالة القديمة، فالراجح عندي أنه ألَّفها في مكة؛ استجابة لطلَب عبد الرحمن بن مهدي، الإمام الحافظ العَلَم الذي قال عنه الشافعي: "لا أعرف له نظيرًا في الدنيا"، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيفَ الرسالة، وأيًّا ما كان الأمر فقد ذهبت الرسالة القديمة، وليس في أيدي الناس اليوم إلا الجديدة، وقد تبيَّن لنا من استقراء كتب الشافعي الموجودة التي ألَّفها بمصر أنه ألَّفها من حِفْظه؛ لأن كتبه كلها لم تكن معه، والظاهر عندي أيضًا، أنه أعاد تأليف كتاب (الرسالة) بعد تأليف أكثر كُتبه التي في كتاب (الأم)، وأنه أملاها إملاءً على الربيع المرادي، والشافعي لم يُسمِّ (الرسالة) بهذا الاسم، إنما يُسمِّيها: الكتاب، ويظهر أنها سُمِّيت (الرسالة) في عصره؛ بسبب إرسالها إلى الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله الذي قال عنها: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتْني؛ لأنني رأيتُ كلام رجل عاقل، فصيح، ناصح، فإني لأُكثِرُ الدعاء له.


أيها القارئ الكريم، إن كتاب (الرسالة) هو أول كتاب أُلِّف في أصول الفقه، بل هو أول كتاب ألِّف في أصول الحديث أيضًا، قال الإمام الفخر الرازي في كتابه (مناقب الشافعي): "كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلَّمون في مسائل من أصول الفقه، ويستدِلون، ويَعترِضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفةِ دلائل الشريعة، وفي كيفيَّة مُعارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي عِلمَ أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًّا يُرجع إليه في معرفة مراتب أدلَّة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلى علمِ الشرع كنسبة أرسطو إلى علمِ العقل".


وقال الشيخ أحمد شاكر مُحقِّق الكتاب: إن أبواب الكتاب ومسائله التي عَرَض الشافعي فيها للكلام على حديث الواحد والحُجَّة فيه، وإلى شروط صحة الحديث وعدالة الرواة، وردّ الخبر المُرسَل والمُنقطِع، إلى غير ذلك مما يعرف من الفهرس العلمي في آخر الكتاب، هذه المسائل عندي أدقُّ وأغلى ما كَتَب العلماء في أصول الحديث، بل إن المُتفقِّه في علوم الحديث يفهم أن ما كتب بعده إنما هو فروع منه، وعالَة عليه، وأنه جمع ذلك وصنَّفه على غير مثال سبق، لله أبوه!


ويمضي المحقِّق في مقدمته قائلاً: وكتاب الرسالة، بل كتب الشافعي أجمع، كُتُب أدب، ولغة، وثقافة، قبل أن تكون كتب فقه وأصول؛ ذلك أن الشافعي لم تُهجِّنه عُجْمة، ولم تدخل على لسانه لُكْنة، ولم تُحفظ عليه سقطة أو لحنة.


قال الإمام عبدالملك بن هشام، النحوي، صاحب السيرة: "طالتْ مجالستنا للشافعي، فما سمعت منه لحنةً قط، ولا كلمةً غيرُها أحسنُ منها"، وقال أيضًا: "الشافعي كلامه لغة يُحتَج بها"، وقال الجاحظ، الأديب الأكبر، صِنو الشافعي، الذي وُلِد سنة خمسين ومائة، التي وُلِد فيها الشافعي، وعمَّر نحوًا من ضعفَي عمره، إذ مات في المحرم سنة خمسٍ وخمسين ومائتين، قال: "نظرت في كتب هؤلاء النَّبَغَة، الذين نبَغوا في العلم، فلم أرَ أحسن تأليفًا من الشافعي، كأن لسانه يَنظِم الدُّرَّ"؛ ا. هـ، فكُتُبه كلها مُثُلٌ رائعة من الأدب العربي النقي، في الذِّروة العليا من البلاغة، يكتب على سجيَّته، ويُملي بفطرته، لا يتكلَّف ولا يتصنَّع، أفصح نثرٍ تقرؤه بعد القرآن والحديث، لا يُساميه قائل، ولا يُدانيه كاتب، أقول: ولا تعلو عليه إلا بلاغة بلغاء الصحابة رِضوان الله عليهم.

ويضيف الشيخ أحمد شاكر رحمه الله قائلاً: وإني أرى أن كتاب (الرسالة) ينبغي أن يكون من الكتب المقروءة في كليَّات الأزهر، وكليات الجامعة، وأن تُختار منه فقرات لطلابِ الدراسة الثانوية في المدارس والمعاهد؛ ليفيدوا من ذلك عِلمًا بصحة النظر، وقوة الحُجَّة، وبيانًا لا يرون مِثلَه في كتب العلماء وآثار الأدباء.


وبعد هذا الإطراء الجزيل، والاقتباس القليل من مقدِّمة المُحقِّق، أقتطِف جُملاً من مقدمة الإمام الشافعي نفسه، يقول: الحمد لله الذي لا يؤدَّى شكر نعمةٍ من نعمه إلا بنعمةٍ منه، توجِب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمةً حادثةً يجب عليه شُكره بها، ولا يبلُغ الواصفون كنه عظمته، الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يَصِفه به خلقه، أحمده حمدًا كما ينبغي لكرمِ وجهه وعزِّ جلاله، وأستهديه بهداه الذي لا يَضِل مَن أنعم به عليه، وأستغفِره لما أزلفت وأخرتُ استغفارَ من يُقِر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفِر ذنبه، ولا يُنجيه منه إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فصلى الله على نبينا محمد كلما ذكَره الذاكرون، وغفَل عن ذِكره الغافلون، وصلى عليه في الأوَّلين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحدٍ من خَلْقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه، أفضل ما زكى أحدًا من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلاً عمَّن أُرسِل إليه؛ فإنه أنقذنا به من الهَلَكة، وجعلنا في خير أمة أُخرِجت للناس، فلم تُمْسِ بنا نعمة ظهرت ولا بَطَنت، نلنا بها حظًّا في دين ودنيا، أو دُفِع بها عنا مكروه فيهما، وفي واحد منهما، إلا ومحمد - صلى الله عليه - سببها، القائدُ إلى خيرها، والهادي إلى رُشْدها، الذائد عن الهَلَكة وموارد السوء في خلاف الرشد، المنبِّهُ للأسباب التي تُورِد الهَلَكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والإنذار فيها، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد، كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنه حميد مجيد.


ونختم مقالة اليوم بما ختم به المحقِّق مقدمته، مقتبسًا من الإمام الشافعي قوله: فنسأل الله المبتدئ لنا بنِعَمه قبل استحقاقها، المديمَها علينا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجَب به من شكره بها، الجاعلَنا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فَهْمًا في كتابه، ثم سنة نبيِّه، وقولاً وعملاً يؤدي به عنا حقه، ويوجِب لنا نافلةَ مزيده.