الحمد لله الذي أرشد الخلق إلى أكمل الآداب, وفتح لهم من خزائن رحمته وجوده كل باب, أنار بصائر المؤمنين فأدركوا الحقائق وطلبوا الثواب, وأعمى بصائر المعرضين عن طاعته فصار بينهم وبين نوره حجاب, هدى المؤمنين بفضله ورحمته, وأضل المعرضين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, المبعوث بأجل العبادات وأكمل الآداب، صلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين, وسلم تسليماً.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه, لقد قدمت لكم نبذة يسيره عن عداوة الشيطان في الدرس الماضي وفي هذه الدرس أبين نبذة يسيرة عن مداخل الشيطان.......

الحسد

فمن مداخله الحسد الذي أخرج به إبليس من الجنة, لعدم السجود للأبوين, وورد في الأثر عن رسول الهدى ونبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب } أو قال: {كما تأكل النار العشب } رواه أبو داود .

عباد الله: احذروا الحسد فإنه خلق إبليس, وهو من مداخل الشيطان, ويقول صلى الله عليه وسلم فيه: {لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً, ولا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث } متفق عليه.


الحرص

ومن مداخل الشيطان الحرص, فمتى كان العبد حريصاً على شيء أعماه حرصه وأصمه, وغطى نور بصيرته التي يعرف بها, فعند ذلك يوصله الحرص إلى شهواته, وإن كان منكراً أو فاحشاًَ, كل ذلك طاعة للشيطان.

الغضب

وكذلك من مداخل الشيطان الغضب والحدة, فإن الغضب غول العقل, وإذا ضعف جند العقل هجم الشيطان, ولعب بالإنسان كما يلعب الصبيان بالكرة, ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد منه وصية قال له صلى الله عليه وسلم: {لا تغضب، فردد مراراً: قال أوصني يا رسول الله؟ وفي كل ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: لا تغضب } ويقول صلى الله عليه وسلم:{ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب }.

فاحذروا الغضب يا عباد الله! فإنه نار يشعلها الشيطان في قلب الإنسان, وإن الإنسان إذا غضب ربما قضى على نفسه أو على أولاده بسبب غضبه, وكذلك يحمله الغضب أحياناً على إطلاق لسانه بالقذف، والغيبة والنميمة، والبهت والاستهزاء والسخرية، والشتم والسب والطلاق وسائر أنواع المعاصي.

والغضب مضاره كثيرة، فليحذر المسلم منه؛ لأنه مدخل من مداخل الشيطان, احذروا الغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله, فعند ذلك يجب الغضب لله عز وجل, كما هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

الشِبع

ومن مداخل الشيطان الشبع، فإنه يقوي الشهوة ويشغل عن الطاعة, أرأيتم الصائم كيف يكون عنده من الأخلاق والآداب حال الصيام؛ لأنه حصل عنده االصيام الذي يضيق على الشيطان مجراه؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, فالحذر يا عباد الله من الشبع, وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [[إياكم والبطنة! فإنها تذهب الفطنة وتثقل عن الصلاة ]].

والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام, ولهذا جاء في بعض الآثار: [[ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم ]] وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه } ولو لم يكن في الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل, وإذا أغفل القلب عن الذكر ساعةً واحدة جثم عليه الشيطان، ووعده ومنّاه وشهاه, وهام به في كل واد, فإن النفس إذا شبعت تحركت وجالت وطافت على أبواب الشهوات, وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت, نعم يا عباد الله، فاحذروا الشبع.

الطمع في الناس

ومن مداخل الشيطان الطمع في الناس, فإن من طمع في شخص بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه, وداهنه، ولم يأمره بالمعروف ولم ينهه عن المنكر, وبذلك حقت على بني إسرائيل اللعنة قال تعالى: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معصية لله ولرسوله، وما ترك قومٌ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أصيبوا بالذل والهوان, وتسلط الأعداء.


العجلة وحب المال

ومن مداخل الشيطان العجلة وترك التثبت، وقد روي في الأثر: [[العجلة من الشيطان, والتأني من الله تعالى ]].

ومن مداخل الشيطان حب المال، ومتى تمكن القلب من حب المال أفسده، وحمله على طلب المال من غير وجهه, وأخرجه إلى البخل, وخوفه الفقر, فمنع الحقوق اللازمة، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268].

عباد الله: هذا طرف يسير من مداخل الشيطان, وينبغي للإنسان أن يحترز عن مواقع التهم؛ لئلا يساء به الظن.

عباد الله: سدوا على الشيطان الأبواب التي يدخل منها, يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه, قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء, وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله ولم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء } رواه مسلم .

ومن مداخل الشيطان: سماع الأذنين إلى الحرام, فإن الأذنين تزنيان بالاستماع.

ومن مداخل الشيطان نظر العينين إلى الحرام, فإن زنا العينين النظر.

ومن مداخل الشيطان البطش باليدين في الحرام.

ومن مداخل الشيطان الرجلان إذا سارا إلى الحرام, فاحفظوا ذلك يا عباد الله, وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه, وجنبنا وإياكم ما يبغضه ويأباه، وجعلنا الله وإياكم هداة مهتدين.

وصلى الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واستغفروا الله يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.


الأذكار تعصم الإنسان من الشيطان


الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله عز وجل.

عباد الله!. خذوا حذركم من هذا العدو اللدود, خذوا حذركم من عدوكم الأكبر, خذوا حذركم من الشيطان الرجيم الذي حذركم الله عداوته في كتابه العزيز الذي: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42] وحذركم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمركم أن تستعينوا بالله عليه بكثرة ذكره تعالى, فقد قال صلى الله عليه وسلم: {من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير في يوم مائة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة, وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي, ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه } متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: {لو أن أحدكم إذا أتى أهله -أي: إذا أراد أن يجامع أهله- قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا, فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً } أو كما قال صلى الله عليه وسلم، متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: {من قال إذا خرج من بيته: باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: كفيت وهديت ووقيت, وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي } وقال أبو هريرة رضي الله عنه: {ولاّني رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة رمضان أن أحتفظ بها، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته, فقال: دعني فإني فقير وعليّ عيال ولا أعود, فذكر الحديث وقال: فقال له في الثالثة مثلما قال في الأولى ثم قال له: أعلمك كلمات ينفعك الله بهن: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها, فإنه لا يزال عليك من الله حافظ, ولا يقربك شيطان حتى تصبح, فخلى سبيله, فأصبح أبو هريرة ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله, فقال: صدقك وهو كذوب, أتدري من تخاطب يا أبا هريرة ؟ قال: لا, قال: ذلك الشيطان }.

وأنا سأقرأ آية الكرسي، ولعل بعض الإخوان الذين لم يحفظوها أن يحفظوها قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255].

اللهم احفظنا بحفظك، وارعنا برعايتك, واكلأنا بعيناتك, واحرسنا بعينك التي لا تنام.

عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً } اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وبإحسانك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين, اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك يا رب العالمين, اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم على القوم الكافرين.

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم وأصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم أصلح أولادنا ونساءنا, اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.

عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, أكثروا من ذكر الله يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم فإنه وعد الشاكرين بالمزيد, وصلوا على رسول الله.......