الحمد لله القائل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24] والصلاة والسلام على رسول الله، الذي بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أمَّا بَعْـد:

عباد الله: إن من أعظم المعاصي التي عُصي الله بها في الأرض قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين؛ ولذلك توعد الله عليهما بالعذاب الأليم للعاق والقاطع، وهي معصية فظيعة، وجريمة شنيعة، تقشعر لها الأبدان، ويندى لها الجبينُ، أنكرها حتى الجاهليون، واليهود والنصارى في شرائعهم؛ ولذلك يقشعر جلد المؤمن يوم يرى الابن كلما شب وقوي، وكلما تعمر؛ تغمط حق والديه، يوم أذهبا العمر والشباب وزهرة الحياة في تربية هذا الابن، سهرا لينام، وجاعا ليشبع، وتعبا ليرتاح، فلما كبر هو وضعفا هما، ودنيا من القبر وأصبحا منه قاب قوسين، أو أدنى؛ أنكر جميلهما وقابلهما بالغلظة، وجحد حقيهما، وجعلهما في مكان من الذلة والصغار لا يعلمه إلا الله؛ لذلك قرن الله حقَّه بحقهما، وجعل من لوازم العبودية برَّ الوالدين وصلةَ الرحم، يقول جل ذكره: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] قضاؤه وأمره وإيجابه سُبحَانَهُ وَتَعَالى ألا يعبد إلا هو، ومِنْ عبادته تبارك وتعالى: بر الوالدين وصلة الأب والأم وصلة الرحم.

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ [الإسراء:23] وانظر إلى هذه الصورة العجيبة، التي صورها القرآن: صورة الأب وهو محدودب الظهر، قليل الصبر، شاب رأسه وشابت لحيته، وصورة الأم وهي جعداء الشعر، شمطاء الرأس، قد دنت من القبر، وأصبحت تتلهب على شبابها وفتوتها وصباها الذي أنفقته في تربية هذا الابن؛ فلما ترعرع وقوي ظهره واشتد ساعده؛ كان نكالاً وغضباً ونكداً على والديه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] حتى كلمة أفٍّ من سمح لك؟ ومن عفا عنك أن تقول لهما أف؟!! فقل لي بالله أيهما أعظم: كلمة أف، أم الذين جحدوا حقوقَ الوالدين، ولعنوا الوالدين، وعقوهما وقاطعوهما، وجعلوا جزاءهما السب والشتم والغلظة والنكال والقطيعة؛ حتى وجد في المجتمع من يعيش في الفلل الزاهية البهية، وفي الشقق الضخمة، ويركب المراكب الوطية، ويأكل الموائد الشهية، ووالداه في فقر مدقع، وفي حاجة ملحة، وفي ضنك لا يعلمه إلا الله.

أي قلوب هذه القلوب؟! وأي أرواح هذه الأرواح؟!

ولقد بكت العرب في جاهليتها وفي إسلامها العقوق، وتوجعت له، وتظلمت وتبرمت، واشتكت إلى بارئها منه.......


صور من العقوق


ورد في الأدب والسير: أن أعرابياً وفد على بعض الخلفاء وهو يبكي، فقال الخليفة: مالك؟ قال: أصبت في مال بأعظم من مصيبة المال، قال: وما هو؟ قال: ربيت ولدي؛ سهرت ونام؛ جعت وشبع؛ وتعبت وارتاح، فلما كبر وأصابني الدهر، واحدودب ظهري من الأيام والليالي، تغمط حقي، ثم بكى، وقال:

وربيته حتى إذا ما تركته أخـا القوم واستغنى عن المسح شاربه


تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يَدَهُ اللهُ الذي هو غالبه


قيل: فلويت يد الابن فأصبحت ملوية وراء ظهره.

وفي السير وبعض التفاسير كـالكشاف بأسانيد فيها نظر: أن رجلاً وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال مالك؟ فقال: مظلومٌ يا رسول الله! قال: من ذا الذي ظلمك وأنت شيخ كبير فقير؟

قال: ابني ظلمني، قال: كيف ظلمك؟ قال: ربيته، فلما كبر وضعف بصري، ورق عظمي ودنى أجلي، تغمط حقي، وظلمني وقابلني بالغلظة والجفاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل قلت فيه شيء؟ قال: نعم. قلت فيه أبياتاً، قال: ما هي؟ فقال له:

غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل


إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ


يقول: ما هذا جزائي! وما هذا رد الجميل معي! وما هذا رد المعروف! حتى الليلة التي تصاب فيها بالسقم ولا تنام؛ أشاركك السهاد ولا أنام، أنت السقيم ولكن أخذت السقم عنك، وأنت المريض لكن أخذت المرض عنك.

إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ


كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل


ثم يقول: أهذا جزاء الجميل؟! أهذا رد المعروف؟! أهذا حفظ اليد البيضاء؟!

فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل


جعلتَ جزائي غلظةً وفظاظةً كأنك أنت المنعم المتفضل


فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، وحق للقلوب اللينة، وللعيون الرقراقة بالدموع أن تدمع لهذه المآسي التي وجدت في بلاد الإسلام، والتي شكت قلوب الوالدين إلى بارئها هذا الظلم الفظيع، وهذا الجرم الشنيع، فهل أظلم وهل أكبر، وهل أشنع من أن تربي ابنك؛ فإذا قوي واشتد ساعده، وأصبح في مصاف الرجال -بعد أن أعطيته شبابك، وزهرة عمرك، ولذة روحك، وشجا نفسك- رد عليك الجميل منكراً؟! فإذا صوته صائلٌ في البيت، لا يجيب لك دعوة، ولا ينفذ لك أمراً، ولا يخفض لك جناحاً.

إنها -يا عباد الله- مأساة ما بعدها مأساة؛ ولذلك عدّ الإسلام بر الوالدين من أعظم الحقوق.......


صور من بر الوالدين


يقول عليه الصلاة والسلام وهو يسأل عن الأعمال الصالحة: أيها أزكى وأيها أعظم؟ فقال: {الصلاة في وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله }.......

من تاريخ الأمم السابقة

ويسافر صلى الله عليه وسلم بالقلوب ليحدثها عن رجل من بني إسرائيل كان باراً بوالديه، ويا عجباً! أن يوجد في اليهود والنصارى من تلين قلوبهم وهم أبناء القردة والخنازير، وهم أعداء الله، الذين لعنهم من فوق سبع سماوات؛ تلين قلوبهم لوالديهم، ويوجد في بلاد المسلمين وأبنائهم، من قسا قلبه، وطمس على فكره، فلا يلين قلبه أبداً.

يقول عليه الصلاة والسلام: {كان فيمن كان قبلكم ثلاثة آواهم المبيت إلى غار في جبل، فلما دخلوا الغار أمطرت عليهم السماء، فأتت صخرة من الجبل فتدحرجت فسدت باب الغار -فأصبحوا في مكان ضيق لا ملجأ ولا ملتجأ منه إلا إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، تقطعت الحبال، وأشرفوا على الموت وتأكدوا من الهلاك- فقال بعضهم لبعض: تضرعوا إلى الحي القيوم فإنه لا يكشف الضر إلا هو ولا يجيب المضطر إلا هو، فتقدم أولهم فتضرع إلى الله بأحسن العمل، وقال وهو يبكي عند فم الغار -والغار مظلم لا يكشف ظلمته إلا الله- قال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وإني قد نأى بي طلب الشجر -كان يرعى بغنمه ذاك اليوم فابتعد بغنمه فلم يأتِ إلا في الليل- قال: وأتيت مرة وقد ناما، وكنت لا أغبق عليهما أهلاً ولا ولداً -أي: لا أقدم في إعطاء اللبن ولدي الذي من صلبي، ولا زوجتي ولا أحداً من الناس حتى يشرب أبي وأمي- وإني قد أتيت ليلة من الليالي فوجدت أبي وأمي قد ناما، فحلبت وأتيت باللبن في الإناء فوجدتهما قد ناما فخشيت أن أوقظهما }.

يا للطف! يا للسماحة! يا للبر والجود! حتى وهو قائم باللبن في أول الليل خشي أن يزعجهما من النوم، وهذا فعل الوالد والأم مع الابن يخفضان أصواتهما في البيت حتى لا ينـزعج، تلحفه أمه بكسائها، وهي في البرد وهي تنتفض ليتدفأ، ولئلا يجد برداً أبداً، تكسوه في حرارة الشمس وتبقى هي في توقد الشمس حارة ساخنة، فيقول: {فخشيت أن أوقظهما وأبنائي يتضاغون عند رجلي -أطفال يمزق الجوع أكبادهم وأمعاءهم يطلبون اللبن في الإناء، وهو واقف عند رأس والديه وأطفاله لا يستطيعون الوثوب إلى اللبن، وإنما يتدحرجون عند أقدامه- قال: فوالله ما سقيت أبنائي حتى قام والديَّ مع الفجر -فلما لمع الفجر قام الوالد وقامت الوالدة، فقدم الإناء إليهما فشربا، ثم سقى أطفاله، ثم توجه إلى الحي القيوم الذي يعلم الصادق بصدقه- قال: اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء مرضاتك، ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بقدر ما أجاب الله سؤال هذا السائل }

العقوق مشكلة معاصرة

عباد الله: إن العقوقَ مأساة وجدت في المجتمعات، وانتشرت في البيوت، وأصبحت أكبر المشكلات على الآباء، وفي بعض الآثار: يود المؤمن في آخر الزمان أن يربي كلباً ولا يربي ابناً.

نعم، وجد هذا ورأينا ورأى غيرنا الآباء الذين طعنوا في السن وأصابتهم الشيخوخة، وهم يتباكون ويتضرعون ويتوجعون لهذه الذرية الظالمة العاتية، فهل من عودة يا شباب الإسلام إلى الله؟ وهل من عطف وحنان؟ وهل من خفض جناح؟ وهل من بر وجودة مع الآباء والأمهات؟

يأتي رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: {يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحبتي، قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أبوك. } فالأم لها ثلاثة أرباع الحق، فهي التي تعبت وحملت، وأرضعت وغسلت، وألحفت وأدفأت، فجزى الله آباءنا وأمهاتنا خير الجزاء، وسقاهما الله من الحوض المورود شربة لا يظمئون بعدها أبداً.


ثمار البر وأضرار العقوق


عباد الله: إن من ثمار بر الوالدين: أن يهديك الله سواء السبيل، وأن يصلح الله لك ذريتك، وأن يمدك بعون منه، وأن يرزقك قبولاً في الناس، وأن يمتعك متاعاً حسناً، وأن يسددك في أقوالك وأفعالك.

ومن نتائج العقوق: اللعنة من الله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] قال بعض أهل العلم: أصمهم فلا يسمعون ولا يستفيدون، وأعمى أبصارهم فلا يتدبرون ولا يعقلون.

ويقول جلَّ ذكره: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25].

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يدخل الجنة قاطع } من قطع رحمه، قطع الله حبله من السماء، وقطع حبله وذمته وعهده؛ ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {لما خلق الله الرحم، تعلقت بالعرش، فقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟! قالت: بلى يا رب. قال: فذلك لك، فمن وصلكِ وصلته ومن قطعكِ قطعته } فأنزلها الله إلى الأرض.......


فخر الجاهليين بصلة الرحم


ويفتخرون بصلة الرحم، يقول المقنع الكندي :

وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلفٌ جدا


إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا


ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا


أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.......


هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في صلة الأرحام


الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله أجمعين؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

عباد الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم، وأحلمهم؛ ولذلك ذكر الله خُلُقَه ومجد أنفاسه، وذكر مناقبه في القرآن، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وقال له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

فقد بلغ في صلة الرحم مبلغاً عظيماً، ضرب به المثل على مرِّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه صلى الله عليه وسلم، قام قرابته -أبناء عمه وأقاربه- فأخرجوه من مكة ، وطاردوه وشتموه وسبوه وآذوه، حاربوه في المعارك، ونازلوه في الميدان، وقاموا بحرب عسكرية وإعلامية واقتصادية ضده، فلما انتصر ماذا فعل؟

دخل مكة منتصراً، ووقفت له الأعلام مكبرة، وطنت بذكر نصره الجبال والوهاد، فلما انتصر، وقف عند حلق باب الكعبة صلى الله عليه وسلم منحنياً، وهو يقول للقرابة وللعمومة: {ما ترون أني فاعل بكم؟ فيتصورون الجزاء المر والقتل الحار والموت الأحمر، فيقولون وهم يتباكون: أخ كريم وابن أخ كريم، فتدمع عيناه، ويقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء! } كأنه يقول: عفا الله عنكم وسامحكم الله.......

صور من سيرته صلى الله عليه وسلم في صلة الأرحام

ويأتي ابن عمه أبو سفيان بن الحارث ، فيسمع بالانتصار وقد آذى الرسول عليه الصلاة والسلام، وسبه وشتمه وقاتله، فيأخذ هذا الرجل أطفاله، ويخرج من مكة ، فيلقاه علي بن أبي طالب ، ويقول: يا أبا سفيان ! إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعرياً! والله إن ظفر بي محمد ليقطعني بالسيف إرباً إرباً! فيقول علي -وهو يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم- أخطأت يا أبا سفيان ! إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصل الناس وأبر الناس وأكرم الناس، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فيأتي بأطفاله ويقف على رأس المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله وبركاته: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فيبكي عليه الصلاة والسلام وينسى تلك الأيام، وتلك الأعمال، وتلك الصحف السوداء، ويقول: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

فهل من متسم بأخلاقه؟ وهل من مقتد بأفعاله؟ فإنه الأسوةُ الحقة، وإن اتباعه نجاة من العار والدمار والنار.

تأتيه أخته من الرضاعة صلى الله عليه وسلم، وقد ابتعدت عنه ما يقارب أربعين سنة، فتأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه، مرت سنوات وسنوات، وأيام وأيام، وأعوام وأعوام، وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاع وهو تحت سدرة عليه الصلاة والسلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن، فيقول لها الصحابة: من أنت؟ فتقول: أنا أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية ، فيخبرون الرسول عليه الصلاة والسلام فيتذكر القربى وصلة الرحم والوشيجة والعلاقة، التي أنزلها الله من السماء، ويقوم لها ليلقاها في الطريق ويعانقها عناق الأخ لأخته بعد طول المدة، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس.

تصوروا رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية يظلل هذه العجوز من الشمس برضعة واحدة، فأين الذين قطعوا عماتهم وخالاتهم، وبناتهم وأخواتهم؟ وهم كثيرٌ! حرموهن من الميراث الذي فرضه الله لهن وقطعوهن من الصلة والزيارة؛ حتى سمعنا ورأينا من العجائز الطاعنات في السن من تقف الواحدة في فقرٍ، وهي تبكي وتقول: ظلمني! أنصفني الله منه، فأين هذا الخلق من ذاك الخلق؟! ويقول لها الرسول عليه الصلاة والسلام: كيف حالكم؟ ويترك الناس وشئون الناس ويقبل عليها ويسألها، ويقول لها أخيراً: يا أختاه اختاري الحياة عندي أو تريدين أهلك؟ فتقول: أريد أهلي، فيمتعها بالمال ويعطيها مائة ناقة عليه الصلاة والسلام، ليعلمِّ الناس صلة الأرحام قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] معنى الآية: إذا توليتم في الأرض، وأدبرتم عن طاعة الله، وكفرتم بتعاليم دين الله، فأكملوا المعصية بقطيعة الرحم، ليستحق غضب الله، ولعنته وعذابه، قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23]

فيا عباد الله: هل من واصل لرحمه علَّ الله أن يرحمنا؛ عله أن يمطر بلادنا وأن يرحم عباده، وإن الله تعالى يقطع من قطع رحمه، وإن الله يغضب إذا انتهكت محارمه؛ ولذلك يقول جل ذكره في الحديث القدسي: {أبي تغترون أم علي تجترئون؟! فبي أحلف لأنزلن فتنة تدع الحليم حيراناً }.

عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم:{من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً }.

اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم اجمع كلمةَ المسلمين، اللهم وحد بين صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه.

اللهم اصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان ، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وحد كلمتهم، اللهم خذ بأيديهم إلى كل خير، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين ، اللهم أعل كلمة الحق بهم يا رب العالمين، اللهم رد على أيديهم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، اللهم مزق بأيديهم أعداءك إخوان القردة والخنازير: الذين قتلوا رسلك وكفروا بكتابك وأفسدوا في أرضك يا رب العالمين.

اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.