بسم الله الرحمن الرحيم

موعظة الموت


سلام أيها الانسان ألم تأن الساعة التي تجعلك ندمان فإلى متى سيطول بك الانتظار و أنت في هذا الحال من الغفلان وإلى متى ستبقى حيران تتخبط بعظيم الأوهام التي لو عمرت قلبك بالإيمان لكانت في زوال لا محال .

اسمع يا عبد الله الأخبار عن أحوال ملوك عظام صاروا قي طريقهم إلى زوال ولم ينفعهم سوى عظيم الأفعال التي كتبها لهم الرب المتعال ، فيا عبد الله إذا الملوك العظام صاروا إلى زوال فكيف يكون حالك يا غافل عن أهوال ، لو وقفت تتأملها لدقائق من هذا الزمان لكنت في زمنك سلطان ، ولأعدائك قهار ، ولربك تكون من الصغار و في أخرتك من الأبرار الأطهار .

وإلى متى سيطول بك الانتظار ، أو تنتظر ساعة لا تقبل فبها التوبة و لا يمكنك عن الذنب رجعة و لا إلى الأهل عودة ، ولا عن الخلود في النار منعة ، ولا عن شرب الحميم لوذة ، فأين سيكون بك الفرار من رب على أمثالك جبار وعلى عباده رحمان، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام .

أين ستفر و إلى أين الملجأ ، إذا نفخ في الصور و صعق من في القبر وتطاير الشجر والحجر ، فنسفت الجبال وسويت الوديان و انحبست الأمطار وتعالت الأخطار ، وماج الأنس والجان واندثر أصحاب اللؤلؤ والمرجان فصاروا أضعف من فئران ، فماذا ستفعل حين يحل الظلام و أنت في القبر حيران لا أهل ولا جيران إلا العمل الصالح يقربك من الله الرحمن ، ماذا ستفعل إن هاجت عليك الفئران والثعبان فأنت في قبرك ندمان تصيح وتقول ليتني اتخذت الرحمن خليلا ، رب ارجعن اعمل صالحا ، أو الآن فقط عرفت أن لك إلها تعبده ، أين كنت من القرآن كتاب الرحمن ، أين أنت وقد كنت دائما في خذلان ، وتدعي أن لقاء الله هو قمة الأوهام و لقد تطاولت في البنيان ، ولم تعطف على مسكين طرق بابك وهو حيران ، ومعظم أيامك ولياليك كنت سكران ، وعن أداء حقوق عباد الله كنت غفلان ، وعلى الخوض في أعراض الناس ما كنت ندمان ، وعلى الاستماع إلى لهو الحديث كنت في انشغال ، ورحت تجري في هذه الدنيا بلا عنان ، حتى ظننت نفسك أنك في هذا الزمان سلطان ، و إنك لملك الموت من القهار ، فوافيت منيتك بقدر من الأقدار من حيث لم تأتك الأخبار ، مع إنك استعنت بعظيم السحار لتعلم فيها متى سيكون سوقك إلى الله العزيز الجبار ، ولكن خذلوك ووافتك الأقدار بما كنت قد نسيته منذ أزمان ، فتركت ورائك المال والصبيان ، ونعيم تفاخرت ببناءه لفترات من الزمان .

وصلت وجلت في كل ميدان حتى ظنك من حولك أنك من علماء هذا الزمان ، فلقد مد الله لك يد بالنعماء والسراء لعلك تكون من الشاكرين ، فما حفظت النعم وحولتها بيدك إلى نقم ، وتعاليت وتعاليت و في تعاليك هذا ذل لك أمام ربك فما حسبت الحساب ، ولا استعددت ليوم العذاب ، فجمعت لدنياك وجمعت وجمعت وظننت أن في ما جمعت الخلود و إن فيه الهروب من الرب المعبود.

مسكين أنت يا إنسان وما حال الجان العاصي أفضل من حالك بأي حال من الأحوال مسكين أنت يا إنسان فبرغم ما بنيت وبرغم ما جمعت ، وبرغم ثقل أوزان اللؤلؤ والمرجان التي جمعتها على مر الأزمان لم تحظ يوم مماتك سوى بقطعة قماش بيضاء عملوا لك منها أكفان ، وعلى لوح ممن أخشاب مدت لك السيقان ، وبيد باردة أغمضت لك الأجفان ، وصلوا عليك صلاة لا ركوع فيها بعد أن طال الخصام بين الفريقين ، بين مؤيد للصلاة عليك ، وبين من يقول لا صلاة على فاسق لا رحمه الله و أخيرا صلوا عليك أملا أن تكون قد عملت صالحا يوما .

وبعد طول الخصام انتهى بك المقام إلى مقبرة مع عامة الشعب والفقراء ، وكنت دائما منهم في ازدراء ، فأنزلوك في قبر ضيق لا فيلق فيه ولا مركب ، وهالوا عليك التراب وقد كنت في دنياك تترفع عن دوس التراب ، فقد فرش لك السجاد و أتمرت العباد ليحملوك حتى عن البلاط .

فماذا ستفعل يا مسكين في هذا الزقاق، علية القوم قد شيعوك و إلى قبرك قد أوصلوك وعند قبرك مجدوك وبأكاليل الزهور غطوك ، وحول نعشك اجتمعوا ليقبلوك ، وأنت يا مسكين تستنجدهم فلا ينجدوك وتستصرخهم فلا يسمعوك وتقول لهم إياكم والمشي ممشاي و إياكم و اتباع خطاي فإن مصيركم سيكون كمصيري إلى زوال ولن تنالوا سوى الأكفان فاجعلوا الموت في الحسبان.

ويلك يا مسكين ها أنت تستنجد وتستصرخ و أنت لم تنزل إلى قبرك بعد فماذا ستقول حين ترى ما جنت يداك ، وإلى من ستلجأ في شكواك .

ها قد انصرف القوم من حولك وقد سمعت خطى أقدامهم فصحوت من غفوتك وقد ضمك القبر ضمة كسرت ضلوعك ، ولم تكن هذه الضمة سوى التحية فماذا ستكون البقية .

قمت لترى أين أنت فخبط رأسك بسقف لحدك نظرت من حولك فلم تر سوى الظلام الظلام ، فما هذا المكان ، وأين ذلك الزمان الذي كنت فيه كأنك سلطان ، ويرمقك القوم بعظيم الاحترام ، فماذا جرى يا عبد الرحمان، ها قد حان وقت الانتقام من رب جبار على عصيان طال به الزمان .

ظلام وظلام وفي وحشة الظلام بدأ الحساب والسؤال ولم تكن قد أعددت للامتحان فبؤت بعظيم الخسران والخذلان و باتت تأكلك النيران و أنت في حالة من الخوف والذعران ، أسفا نادما على ما آلت له الحال ولكن لا ينفع الندمان ، وما ينتظرك بعد هذا العذاب أدهى و أمر ، إن الساعة لآتية والساعة أدهى وأمر.
فماذا ستجيب الرحمان و كل شيء أحصاه وأعد له ميزان فأين ستكون يا عبد الرحمن و قد فات أوان الاستغفار.

طال بك عذاب القبر وبت ترجو قيام الساعة لعلك تكون في مفازة ، وأخيرا جاء اليوم المنتظر ، فوقع الخبر فأذاب الحجر ، وأذهل البشر ، وأقلع الشجر وجمعت الوحوش، وتناثرت النجوم ، وانشق القمر ، وأخرى صعق البشر ، ونفخ في الصور و أشرقت الأرض بنور ربها ، ونفخ في الصور فصعق الأنس والجن لهول الخبر ، فقمت مفزوعا من قبرك كسائر البشر تنظر ولا تكاد تعي ما الخبر فيتهددك الخطر، وتدنو الشمس من الخلائق فتحرق بوهجها من أقبل على الرذائل ويظل ربك بظله من هم بالفضائل ، فينصب الميزان فيهرع الأنس والجان ، وكل يدعو نفسي نفسي ، فينشغل عنك الأهل والخلان و أنت بأشد العون لاستفغار وينجيك من هول الأخطار فيتخلى عنك الأهل والأصحاب ويرميك الأم و الأولاد ، وينكرك الأب والأحباب ، فتصير بين جموع عباد الرحمن حيران ، الشمس من فوق رأسك و تكاد تذيبك النار والنار تزفر وتنادي هل من مزيد ، وهذا الصراط قد نصب استعدادا لمرور العبيد فأين المفر و إلى أين المفر .

أين قصورك وجواريك ، أين اللؤلؤ والمرجان، أين الحفدة و الخلان أين أين أين يا من كنت تدعي أنك سلطان فأين جبروتك في هذا اليوم الموعود ، وكم قلت إنك في هذا اليوم ستكون المسعود لأعمال كنت قد ادعيت أنها لك ستكون شهود ، فأين أنت اليوم يا أبا السعود ويا من تطاولت بالبنيان ، وجاهرت بالعصيان و قطعت الأرحام و أكلت مال الأيتام ونمت ليلك بلا قيام وقضيت نهارك بلا أذكار وتوسدت القرآن ، و أهنت رب السماء ، وتعاليت على الأنبياء ، وجلست مجالس السوء واتبعت السحار ، وابتدعت الأوهام فكانت هذه الأعمال عليك وبال يوم لا ينفع مال ولا عيال ، فأين أنت يا متعال يا من حباك بالضلال بفعل أعمال كنت مصر عليها طوال تلك الأزمان.

ها قد حشدت الجموع وأنت بينهم وقد ملئت عيناك بالدموع ، وقلبك ملء بالخشوع وبات صوتك اليوم غير مسموع ، ونظرك إلى ربك مرفوع ، وقطّع أمعائك الجوع وقد قمت من جديد بعد إن أكل جسدك الدود ولقد كنت دوما لهذا اليوم في تكذيب فماذا تقول اليوم و قد جاءك الخبر الأكيد و بماذا ستجيب رب العبيد .

كيف سيكون بك الحال و أنت تنتظر دورك في السؤال ، و ماذا أعددت من جواب ، لرب عظيم متعال ، أطال عليك بالنعم الجزال ، وكنت عن هذا الحال في سبات فماذا أعددت لها اللقاء ، يا من سارعت لإرضاء الأهواء ، وعاندت رب السماء ، وغطيت جسدك بالأخطاء، ورضيت لنفسك العيش في شقاء ، بعد إن كنت تحيا في نعماء يغبطك عليها الأشراف الأشقياء ، ويعزيك عليها أولياء الله الأتقياء فما ينفعك في هذا اللقاء .

ها أنت الآن تجلس جاثيا على ركبتيك مفزوع من عظم العذاب وبت الآن لربك مهتاب فلم لم تأخذ بالأسباب لتكون اليوم في إنقاذ من هذا الحساب وعزة رب السماء أنك اليوم في خسران ولو انك في ذنوبك بلغت عنان السماء ثم استغفرت الله لغفر لك الله الرب الرحمن فلم لم تفعل ذلك يا جبان فلعلك تستحق سخط الرحمن .

ها قد طال بك الجلوس و الانتظار بين عابد وعاصي وغني وفقير وبين عالم وجاهل وبين كبار وصغار وبين الرعاع والفقراء كلكم في هذا اليوم سواء إلا من أتى ربه بعظيم الأفعال وجليل الأعمال وبقلب خال من الأضغان ، وقد عمر بذكر الرحمن فباء برضا الله الغفار .

طال بك الجلوس ، وعلا زفير النار ، وتراءى الجمعان ، وبينما الأنس والجن في قمة الذعر والخذلان ، والشمس لهم في حرقان ودموع اليأس والألم في انهمار وأجسادهم قد ملئت بالغبار لطول الرقاد في التراب وبينما هم كذلك فإذا منادي ينادي يا فلان فتكون أنت المعني في السؤال فقد جاء وقت الحساب ، وقد ترك الأهل والأحباب ولم يبق معك سوى هذا الكتاب الذي كان لأعمالك في ارتقاب .

نودي عليك يا فلان وقد جاءك اليوم ملكان غليظان شديدان جراك سحبا على الأقدام وكبلاك بعظيم الأغلال فصرت من اصغر العباد بعد أن كنت مؤتمرا على العباد فماذا دهاك يا من ترفعت عن رب العباد فأين ستفر من اليوم من اسواط الجلاد .

ها قد حان وقت الحساب وستمثل أمام رب العباد فقد حان وقت الحصاد ، جرك الملكان وسط زحمة العباد وها قد وصلت إلى مقام رب العباد وقد ذبت من الحياء والقي إليك الكتاب الذي كان عليك من الأشهاد وقد غطيت أوراق الكتاب بصفحات سواد تحوي عظيم الأفعال والفساد الذي كنت تسعى به بين العباد .

ها أنت تقف بين يدي حكيم الحكماء وأكرم الكرماء وأعدل من في الأرض والسماء

وبدا السؤال وتبدلت بك الأحوال فتكسرت منك العظام من هيبة رب عزيز ذو انتقام

وشاب منك الرأس من هول الأحوال .

وتطايرت أخبار الصحاف بما كنت فيه من استخفاف وشهد عليك الأيدي والأقدام وصدق الأخبار العقل منك واللسان،و كنت لأعضائك في استصراخ للتوقف عن الإقرار بما جرحت في الليل والنهار ولكن هيهات هيهات انه وعد عزيزي جبار عادل في الأحكام عظيم في الشان فتبارك الله ذو الجلال والإكرام .

مثلت لرب العباد فطار منك اللب والفؤاد ولحد الآن لم تر هول الجزاء فإلى أين سيؤول بك المآل وها قد حان وقت استلام الكتاب ففجعت باستلام الكتاب ، فكنت من أصحاب الشمال فأي خسران اعظم من هذا الخسران وأي حال أسوأ من هذا الحال.

ها قد أخذ فلان كتابه بالشمال وانصرف مهموم حيران وتجره الملائكة وقد قيد بالاغلال وصار منظره بين العباد احقر من جرذان وظن أن هذا الحال هو قمة الخسران ولم يدر ما هو مخبأ وراء الجدران ولقد كنت عن هذا اليوم غفلان ونمت وأنت شبعان والجيران من حولك في أرقان والنوم قد فراق لهم الاجفان وذلك لطول الحرمان ، فاتعظ يا إنسان .

وها قد حان وقت قطع الصراط وقد حملت على ظهرك عظيم الأثقال وكسر ظهرك ثقل الأوزار وها قد جاء دورك في قطع الصراط وهممت وأنت محمل بكل تلك الأثقال هممت بقطع الصراط أملا أن يكون لك إنقاذ وما إن داست أقدامك على الصراط حتى كبلت بالأغلال وسحبت إلى واد عميق ليس له قرار ولقد سبقك إليه كثير من العصاه الطغاة أمثالك يا من فاتك الأوان لتستقل ركب الاستغفار.

وقعت في حفرة من حفر النار التي ليس لها قرار ، فإلى أين ستلوذ بالفرار يا من التقمتك جمار النار ، وبدأت أسواط العذاب تأتيك من كل مكان و لا تجد ملاذ بالفرار بعد أن أقفل خزنة النار أبواب النار ليعلو لهيبها، وليشتد عذاب النار و ليزداد ظلامها، ولتصبح لنار جهنم شواء ، فهذا مبتدى الحال، طال بك الحريق و أنت دائما في صعيق تطلب العفو من رب العبيد .

ولكن لا فائدة فصوتك اليوم غير مسموع وضاق بك الجوع ولم تجد سوى شجر الزقوم ، لتملأ به البطون فتألمت ألما أصابك بسببه الجنون ، وأرقت لأجله العيون وتذكرت أيامك بكل شوق وحنين ، ولم تجد أمامك سوى طعام الغسلين فتجرعته بكل ألم و أنين ، و أصابك الجفاف والخوف والعطاش ، ورحت تبعث عن الماء الزلال الذي لم يكن يهنأ لك بال حتى ترشه في أرض الديار في أيام الصيف الحار.
فكيف اليوم بك الحال و قد غمست اليوم غمسا بجمار النار ، ولو أن جمرة واحدة من هذه الجمار نزلت على أرض الديار لجفت لها الوديان ، وغارت به الأرضين وتقطعت أنسالكم إلى حين وحين ، فما قولك اليوم يا مسكين و أنت وحدك تتلظى بحر هذه الجمار ، فأصبت بعطش عظيم ، ولم تجد سوى شرب الحميم وتجرع الدم والصديد ، فأصاب جوفك الحريق و أما أحشائك فصارت في لهيب و إن هذا اللهيب لقادر على أن يذيب الحديد .

فماذا سيكون بك الرد والمقال يا هذا العبد الضال ، فما أصبرك يومئذ على النار، ولم يبق لديك خيار سوى الاستنجاد بأهل الجنة الأبرار ، الذي كنت لهم من المزدرين ، فأنت اليوم تتمنى أن تكون لأقدامهم من المقبلين ، على أن يعطوك بعض بعض بعض بعض أجزاء النعيم ، الذي هم فيه يحيون ولكن هيهات هيهات أن يكونوا لك من السامعين فهم على الأرائك متكئون ، يطاف عليهم بولدان مخلدون ، يتلذذون بأكل الفاكهة ولحم الطير مما يشتهون ، وقد حباهم رب العالمين بحور العين ، ويشربون من عسل لذة للشاربين ، خالدين فرحين في جنات النعيم فضل من رب العالمين ، جزاء على صبر عظيم فهنيئا لكم طيب عيشكم ، فدمتم في هذه النعمة فاكهين.

فأنى يكونوا لصوتك سامعين في ظل هذا الفضل والنعيم وأن أجابوكم فسيكون جوابهم عليكم حسرة وأنين ، فسيقولون ذوقوا جزاء بما كنتم تكذبون فأنتم اليوم من رحمة ربنا من المطرودين فذوقوا عذاب الخلد في الجحيم، فإنكم تستحقون فلا رحمكم الله رب العالمين والسلام على أمة هي لربها من الطائعين.



نسال الله لنا ولكم حسن الخاتمة والثبات عند الممات