الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد:

أمرنا ربنا أن نقرأ الفاتحة في كل ركعة ولا تصح الصلاة إلا بها؛ فقراءتها شرط من شروط الصلاة. ومما نقرأه في صلاتنا فيها (اهدنا الصراط المستقيم)... فنحن ندعو الله أن يدلنا على الصراط المستقيم فنعرفه، وأن يوفقنا بعد معرفتنا له فنسلكه؛ وهو صراط النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وندعوه أن يباعدنا عن طريق المغضوب عليهم وهم اليهود، وعن طريق الضالين وهم النصارى، ثم نؤمن على هذا الدعاء جماعات وفرادى فنقول: آمين؛ أي اللهم استجب دعاءنا.

فمخالفة الكفار ومنهم اليهود والنصارى وعدم التشبه بهم من أعظم مقاصد الشريعة، وكلامي في هذه الدقائق عن أهم مسائل التشبه. ومن التشبه المنهي عنه التشبه بالكفار، والمقصود بالتشبه بالكفار هو موافقتهم فيما هو من خصائصهم. فالتشبه بالكفار: مماثلتهم في عقائدهم أو عباداتهم أو عاداتهم التي يختصون بها دون غيرهم فهذا هو التشبه المحرم.

وتحريم التشبه بالكفار دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ يقول ربنا تبارك وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]. فأمر الله نبيه باتباع شريعته ونهاه عن متابعة الكفار ومشابهتهم، ومما ورد في السنة من النهي عن التشبه بالكفار حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه الإمام أحمد: 5093 بإسناد حسن). فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وعيد شديد، ويختلف ذلك باختلاف نوع التشبه وما يقع في القلب.

فيحرم التشبه بالكفار باحتفالاتهم الخاصة بهم؛ فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قدمت المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما، إن الله عز وجل أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم النحر» (رواه الإمام أحمد: 13058 بإسناد صحيح). فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم الاحتفال بأعياد الكفار، وأبدله بالاحتفال بالعيدين الشرعيين.

ويحرم التشبه بعادات الكفار المختصة بهم؛ فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ؛ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (رواه مسلم: 413). فالقيام ركن من أركان الصلاة، لا تصح صلاة الفرض إلا به مع القدرة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك قيام المأمومين إذا كان الإمام يصلي جالسا لعذر لأجل عدم التشبه بالكفار في عاداتهم مع عظمائهم.

وعن حذيفة بن اليمان: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ} (رواه البخاري: 5426، ومسلم: 2967). فبين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من النهي وهو عدم مشابهة الكفار في عاداتهم.

ويحرم في حال الاختيار التشبه بالكفار فيما يختص بهم من لباس، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين؛ فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» (رواه مسلم: 2077). فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو عن لبس الثياب المصبوغة بالعصفر، وعلل النهي بأنها من لباس الكفار؛ فمن لبسها تشبه بهم في لباسهم.

ومما يحسن التنبيه عنه في هذا المقام:
أن الشيء إذا كان أصله مما اختص به الكفار من العادات ثم شاع وانتشر في أوساط المسلمين؛ زال عنه وصف التشبه؛ فلا يحرم. سئل الإمام مالك (فتح الباري: 10/272) عن البُرنس فقال: "لا بأس به"، قيل: "فإنه من لبوس النصارى"؛ قال: "كان يلبس ها هنا". فالبرنس خاص برهبان النصارى، ثم شاع ولبسه غيرهم، فلبسه بعض الصحابة، منهم حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك؛ فزال عنه وصف اختصاصه بالكفار. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ» (رواه البخاري: 1542، ومسلم: 1177). فأباح النبي صلى الله عليه وسلم لبس البرنس لغير المحرم، مع أن أصله من لبوس رهبان النصارى، والبرنس ثوب غطاء الرأس منه يلبس فوق الثياب.

قال الشيخ محمد بن عثيمين في مجموع الفتاوى (12/237): "التشبه بالكفار: أن يعمل المسلم شيئًا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار؛ فإنه لا يكون تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى"؛ لقاء الباب المفتوح. مثل الآن: لبس البنطلون للرجال لا نقول هذا تشبه؛ لأنه صار عادة للجميع. ا. هـ. ومما شاع: ما تلبسه العروس ليلة زفافها من ثوب أبيض وطرحة، وليس هو من فعل المسلمين، لكنه شاع فزال عنه وصف التشبه والله أعلم.

ومن التشبه المحرم:
الحلف بغير الله؛ فعن ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ». وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (رواه مسلم: 1646). فالحلف بغير الله نوع من أنواع الشرك الأصغر؛ فعن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر» أو «أشرك» (رواه الترمذي: 1535، وقال حديث حسن).

والشرك الأصغر أعظم إثمًا من الكبيرة، فالحلف بالله كاذبًا هي اليمين الغموس، وهي من الكبائر؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» (6675)، ومع ذلك يرى الصحابة أن الحلف بالله كاذبًا وهو كبيرة أخف إثمًا من الحلف بغير الله صادقًا؛ فعَن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا أَدْرِي ابْنَ مَسْعُودٍ أَوِ ابْنَ عُمَرَ "لِأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا" (رواه عبد الرزاق: 15929 بإسناد صحيح).

لا يشترط في التشبه قصد التشبه، فإذا كان الفعل من خصائص الكفار فهو تشبه منهي عنه، ولو من غير نية التشبه؛ ففي حديث عَمْرُو بْن عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ قَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» (رواه مسلم: 832).

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، حتى لا يتشبه المسلم بالكفار في صلاته، مع أنه لا يتصور قصد التشبه بالكفار؛ فصلاة المسلم لله وصلاتهم لغير الله، وربما يجهل المصلي الحكمة من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ويمنع من ذلك. لكن الثواب والعقاب على قصد القلب فيقال الفعل تشبه وينهى عنه، لكن لو وقع التشبه من جاهل من غير قصد فلا إثم عليه، لكن يجب عليه أن يقلع عنه متى ما نبه عليه.

ليس من التشبه المحرم تعلم لغة الكفار للحاجة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود. وليس من التشبه المحرم الاستفادة من علومهم وصناعاتهم، فحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق بإشارة سلمان الفارسي، ولم يكن ذلك معروفا عند المسلمين، وكانت حوائج المسلمين من لباس وغيره تجلب من الشام ومن اليمن وكانتا بلاد كفر.

الخطبة الثانية
من التشبه المحرم:
تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري: 5885). فيحرم على الرجل أن يتشبه بالنساء، ويحرم على المرأة أن تتشبه بالرجال بصفة اللباس، إلا إذا كانت عادة البلد لا تفرق بين لباس الرجل والمرأة في صفة تفصيله كعادة بعض بلاد العجم، وليس من التشبه بالرجال لبس اللون الأبيض بالنسبة للنساء. وكذلك يحرم على كل واحد منهما أن يتشبه بالآخر بالكلام والمشي وكذلك الزينة، فيحرم على الرجال استخدام الزينة المختصة بالمرأة من مكياج وغيره. وبذلك يتبن لنا حكم ظهور بعض الرجال بمظهر امرأة، وظهور بعض النساء بمظهر رجل في بعض التمثيليات، ومحاكاة ذلك بالصوت واللباس والزينة.

ومن الخطأ الذي يقع فيه البعض:
إلباس الذكور الملابس الخاصة بالإناث أو العكس، وهذا من التشبه المحرم؛ فالقاعدة عند بعض أهل العلم في باب اللباس: أن ما حرم على الكبير وجب تجنيبه الصغير، ودليل ذلك حديث أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم» (رواه الترمذي: 1720، وقال هذا حديث حسن صحيح). فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بالذكور والإناث، ولم يعلقه بالرجل والمرأة، لكن الحكم متوجه على الأهل فالصغير ليس مكلفا.

ومن التشبه المنهي عنه:
التشبه بالفساق من المسلمين؛ لعموم حديث من تشبه بقوم فهو منهم.
ومن التشبه المنهي عنه: محاكاة البهائم وتقليدها بالصوت أو بحركاتها أو غير ذلك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (32/256-257): "التشبه بالبهائم في الأمور المذمومة في الشرع مذموم منهي عنه، في أصواتها وأفعالها ونحو ذلك، مثل أن ينبح نبيح الكلاب أو ينهق نهيق الحمير ونحو ذلك، فنهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص؛ كالتشبه بالأعراب وبالأعاجم، وبأهل الكتاب ونحو ذلك في أمور من خصائصهم، فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة، بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقًا فيما هو من خصائصها، وإن لم يكن مذمومًا بعينه لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه، إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيًّا أو عجميًّا خيرٌ من كونه كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا، فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه لكون ذلك تشبهًا فيما يستلزم النقص ويدعو إليه؛ فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذمومًا ومنهيًّا عنه.

لا بد أن نفرق بين أمرين بين التشبه بالكفار وبين مخالفة الكفار:
فالتشبه بالكفار هو أن يتشبه المسلم أو المسلمة بشيء من خصائص الكفار، فيظنه الظانُّ منهم، والأصل في التشبه التحريم، أما المخالفة فهي عكس التشبه، فيقصد المسلم والمسلمة فعلا لا يفعله الكفار، فيفعله مخالفة لهم، كتغيير الشيب بغير السواد، والأصل في المخالفة الاستحباب، وسيأتي الكلام على المخالفة في جمعة قادمة إن شاء الله.


أحمد الزومان