في حادثة خلق القرآن؛ جاء في كتب التاريخ أن العلماء والقضاة أجابوا المأمون إلى اعتقاده إلاًّ الإمام أحمد ومحمد بن نوح، فقد صبرا على البلاء واستعدّا للمحنة، فمات محمد بن نوح في الطريق وبقي الإمام أحمد على اعتقاده السلفي الصحيح، حتى أدال الله له من أعدائه، وبقي اسمه الكبير دليلاً واضحاً على تأثير الدين في أهله متى ما صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومضوا على طريقهم وسنتهم، وعوَّدوا أنفسهم الصبرعلى الشدائد والمحن، والصبر هو أفضل الزاد وضياء الحياة المحتسبة، وشطر الإيمان الكامل، وقرين التقوى والتوكل، وصديق اليقين والإيمان، وخليط الشكر والعمل الصالح، أمر الله به ونهى عن ضده، وأثنى على أهله، وأوجب محبته ومعيته لهم، وأطلق البُشرى وضمن النصر لمتعاطيه، وجعل أهل الصبر هم أهل الفهم والانتفاع بالعبر، وهم أهل الإمامة في الدين، ولهم النصر ومنه إليهم المدد.

والإمام الجليل أحمد بن حنبل كان قد عوّد نفسه الصبر منذ أن كان صغيراً يتيماً، واحتمل ما لا يستطيع احتماله أكابر الرجال، وأمات الدنيا في نفسه، فلم يتطلع إلى شهرة أو رئاسة أو لعاعة. وسيرته ممتلئة بالوقائع والقصص -قبل وقوع المحنة- تلمس فيها هذه المعاني واضحة جلية، فلما وقعت المحنة لم تجد فيه من معاني الدنيا ما يقرض وينشر ويؤكل، فلم تؤثر في اعتقاده ولم تزعزع موقفه ولم ترخ من قوته ولم تطامن من هامته. فعاش فيها عظيماً وخرج منها رمزاً على العلم الحقيقي، والصمود، والإباء، والصبر، ونقاء المعتقد يتنقل في مسمع الزمن جيلاً بعد جيل.

إن كثيرًا من أهل العلم، والفكر، والتدين؛ يتمتعون بفضائل وصفات يحسدهم الناس عليها من تقوى وخشوع وخوف من الله، وشجاعة وكرم وأريحية، ولكنها صفات لم تعرض على الابتلاء، ولم تلج طريق الاختبار، فبقيت بمنأى يفاخر بها أهلها بصريح العبارة أو بالإشارة أو بالحال، حتى إذا مستهم الدنيا بعذابها وكربتهم الأيام بمصائبها تفلتوا منها، وانعتقوا من ربقتها، وخلفوها وراءهم ظهرياً، ولم يتبق لهم إلا ما يتبقى من المطر الهاطل على الصفاة الملساء، ولعل بعضهم ينقلب بين عشية وضحاها من رحابة الإيمان إلى ضيق المعصية، ومن قداسة العلم إلى مخاضة الدنيا، ومن دعوة الحق إلى إمامة الباطل، ومن صفاء النفس إلى خبث النية!

إنه معترك خطير يجب التنبه له والحذر من مزالقه، حتى لا نخدع أنفسنا ولا نخدع غيرنا، ولا نضع الإسلام الذي نحمله في مأزق أخلاقي خطير له تأثيره في نفوس العامة وسطوته في عقول المتشككين، وخطره في الصد عن الحق، والبعد عن الدين، والتجافي عن أهله، وكل ذلك يأتي بالمجاهدة الكاملة الشاملة للحياة بدء من النفس الإنسانية؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين} [العنكبوت:69]، ولن تكون هذه المجاهدة إلَّا بالصبر الصادق المتسرب إلى أعماق القلب ليكون نبضاً وشعوراً واعتقاداً.