الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فإن ظاهرة القول الشاذ ما زالت ولا تزال في الأمة وتزداد يوماً وراء يوم، وذلك حينما يسكت العلماء الراسخون في تبيين الحق والرد على تلك الأقوال الشاذة وأصحابها، ولقد انبرى عبر التاريخ علماء لتلك الظاهرة وما زالت كتبهم تنطق بتلك الردود والنقاشات العلمية، والحكم على تلك الأقوال بالشذوذ والضعف والرد وعدم الجواز بأخذها، ومخالفة قائلها لما عليه جمهور علماء الأمة كالإمام مالك وابن قدامه وابن عبد البر والنووي وابن حجر وابن تيمية رحمهم الله وغيرهم، والعلماء عبر التاريخ يناقش بعضهم بعضاً عبر وسائل متنوعة ويُقوِّم بعضهم بعضاً يقصدون بذلك وجه الله والتناصح وحفظ الدين والوصول إلى لحق، ويستجيب بعضهم لبعض، ويرجع المخطئ منهم إلى الحق وجادة الصواب، ولا تضيق نفوسهم وصدورهم بذلك.

ولقد ضربوا أروع الأمثلة في ذلك وأولهم قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رجع لقول عمر رضي الله عنه في مسائل عدة، ورجع عمر لقول أبي بكر رضي الله عنهم ورجع عمر لقول جارية اعترضته وهو يخطب على المنبر في القصة المشهورة، ورجع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام لأنهم طلاب حق، وكانوا يفرحون بذلك فرحاً شديداً لصدق نواياهم وصفاء سرائرهم وصدقهم مع الله في قولهم وفعالهم، وكان إماماً العصر ابن باز وابن العثيمين قد سارا على ذلك النهج القويم، منهج السلف رحمهم الله رحمة واسعة، وما زال ولا يزال العلماء وطلاب العلم إلى يومنا وهم رجّاعون للحق يبتغون الهدى والنجاة، وهذا من فضل الله عليهم وتوفيقه، ويصدعون برجوعهم وخطأهم أمام الملأ، وما يضيرهم كل ذلك، والحمد لله ربِّ العالمين.

وبعد:

فلقد ظهرت في هذه الأيام عبر إحدى الصحف (فتوى بجواز حضور عيد الكرسمس والتهنئة للمصلحة في إظهار سماحة الإسلام وتحبيب الكفار فيه والدعوة من خلال ذلك تتضمن مجموعة من الأدلة) ونسب صاحبها هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن تيمية شامة في جبين الأمة ورمز من رموز أهل السنة فيها، جاهد وأفنى عمره في الرد على أهل البدع والضلال.

وإنه انطلاق من باب النصح للمسلمين، والمؤمنون نصحة والمنافقون غششة، وليعلم طالب العلم والمفكِّر والداعية والمثقَّف أن النقاش في مسائل العلم وغيرها: لا يوجب التهاجر والتباغض والتشكيك في نوايا الناس واتهامهم بما لا يليق، ومقاصد القلوب وخبايا النفوس أمر قلبي لا يمكن الاطلاع عليه، والحذر من أن يكون القصد من النقاش العلمي: التجريح والانتقام والتشفي فهذا مما يترفع عنه العقلاء فضلاً عن العلماء وطلاب العلم وأرباب القلم والتوجيه والفكر السديد وليحرص الإنسان أن يلتزم في النقاش العدل والإنصاف والأمانة وأن يكون كل ذلك في حدود أدب النقاش العلمي والحوار الهادف بُغية طلب الحق مع التماس المعاذير وغير ذلك مما لا يخفى على صاحب علم وعقل وحكمة، والحكمة ضالة المؤمن.

وعليه، وبناء على ما تقدَّم؛ فقد كتبت جواباً ونقاشاً علمياً على عجل، مستعيناً بالله مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، سائلاً الله التوفيق والسداد فهو خير مسئول ومأمول.

وأدع المجال للعلماء وأصحاب التخصص لطرح المزيد حول هذه المسألة وألا يدعو الناس في اضطراب وحيرة وشك في أمور دينهم فالمسئولية منوطة بهم وهم ورثة الأنبياء في تبليغ الدين والواجب عليهم حمايته وصيانته والغيرة على الشريعة من العابثين والدخلاء، ولا ينكر هذا إلا جاهل مكابر وأقدِّم بادئ ذي بدء بمقدمة مهمة وهي:

أولاً: تعريف القول الشاذ

- اختلفت عبارات العلماء في تعريفه ومنها:

مخالفة الواحد للجماعة وقيل: مخالفة الحق. وقيل: التفرد بقول مخالف للسواد الأعظم من المجتهدين بلا مستند من سماع أو قياس أو حجة معتبَرة. وقيل: التفرد بقول مخالف للحق بلا حجة معتبَرة. وقيل: مخالفة النص الصريح أو الإجماع (بحث الفتوى الشاذة لوليد الحسين).

ثانياً: منهج السلف في التعامل مع الفتوى الشاذة

1- إنكار القول الشاذ قال ابن القيم رحمه الله: "إذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً"[1]، ولكن يكون ذلك إذا صدر من عالم مجتهد زل به بالمعروف ولا ينتقص من أجلها كما يقول ابن القيم، وأما من عرف عنه تمييع الدين وتتبع الرخص ونشر الشاذ من الأقوال والتدليس على الناس في دينهم فهذا يجب الإنكار عليه وتحذير الناس منه وتوضيح ما يُلبّس به على الناس في دينهم ولم ينته حين نصحه وتذكيره بالله، ودين الله أحب إلى أهل العلم والناس من أي شخص كائناً من كان بل قال أهل العلم: "أن على ولي الأمر منعه من الفتيا ويتوعده بالعقوبة إن لم ينته عنها" (الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي: [2/324]).

2- يُحرم الأخذ بها ونقلها للناس واجتناب زلَّات العلماء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الفقيه الأصولي المالكي القرافي والإمام الشاطبي وغيرهم (الفروق: [2/109]، الفتاوى: [32/137]، الموافقات: [4/533]).

يقول مسلم رحمه الله في مُقدِّمَته:

"إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وأجدر ألا يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه، غير أنَّا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد لعاقبة إن شاء الله" (المنهاج شرح صحيح مسلم: [1/110]).

والحديث عن الفتوى الشاذة يطول وقد بسط أهل العلم القول فيها.

• الشروع في المقصود:

أولاً: أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يَرد في كتبه ولا أحد قام بالنقل عنه لا من طلابه ولا ممن له عناية بكتبه وأقواله أنه يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم وحضورها للمصلحة، ومن اطلع على شيء من ذلك فليخرجه للأمة وليعزوه لمصدره، وهذا من المتطلبات لا سيما في مثل هذه المسألة الكبيرة التي هي مرتبطة بعقيدة الناس وتوحيدهم، وهي أعظم ما يملك الإنسان في حياتهم، وأما ما يبعثه البعض من أن هذه المسائل اليسيرة ويسعها الخلاف والأمر لا يستوجب التشديد فهي كغيرها من المسائل في بعض أحكام صلاة المسافر أو أحكام الوضوء والمسح على الخفين فهذا إما جهل أو تدليس وما أكثرهم في هذه الأزمان نسأل الله لهم الهداية.

ثانياً: أن ابن تيمية من أبعد الناس عن القول بمثل هذا وهو الذي أطال القول في تحريم حضور أعياد الكفار وتهنئتهم في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وهو الذي انبرى لقضية التشبه بالكفار والتحذير منها- بجميع صورها الظاهرة والباطنة ثم ينسب له القول بجواز ذلك فهذا من أكبر التناقض ونسبته لابن تيمية أمر خطير وكبير وخاصة أن ابن تيمية رمز لأهل السنة في الأمة ورمز في محاربة أهل البدع والضلال، وإنه يخشى أن يتخذ اسم شيخ الإسلام ابن تيمية ترويجاً لقبول تلك الفتاوى وغيرها.

وشيخ الإسلام صاحب منهج في الاستدلال ومطرد في منهجه ومع أصوله في الاستدلال.

ثالثاً: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حكى الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والإجماع على تحريم حضور أعياد الكفار وقد نقل الاتفاق أيضا تلميذه ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة) وحكى الاتفاق في عدم جواز تهنئتهم بأعيادهم ونقله شيخنا ابن عثيمين في فتاويه رحمهم الله (اقتضاء الصراط المستقيم: [1/497]، أحكام أهل الذمة: [2/722]).

وشيخ الإسلام من أعرف الناس بالخلاف ومذاهب العلماء ولو كان في المسألة خلاف لنقله هو أو نقله تلميذه ابن القيم وليس المقام مقام ذكر الأدلة في ذلك وبسطها ومناقشة المخالف المعاصر، وقد حكى ابن تيمية الخلاف في قبول هدية الكافر للمسلم بمناسبة أعياد الكفار، فيقبل المسلمُ الهديةَ من الكافر واختار جواز قبولها ما لم تتضمن أمراً محرَّماً وقد ورد ذلك عن الصحابة كعلي وأبي برزة رضوان الله عليهم، فالتفريق بين هذه الأمور وقوفاً عند النص الشرعي ولا يخفى ذلك على كبار الصحابة رضي الله عنهم، وأما إهداء المسلم الهدية للكافر بمناسبة أعيادهم فلا يجوز:

1- لأن في ذلك إقراراً لهم ومشابهة ففرق بين الأمرين.

2- لم يرد هذا عن أحد من الصحابة والصحابة من أحرص الناس على دعوة الناس إلى الخير وكان اليهود والنصارى موجودن بالمدينة واليمن والشام ولم ينقل عنهم الإهداء لهم في أعيادهم فهل هم أحرص مِنَّا؟! وألا يسعنا ما وسعهم؟!

ومن أراد المزيد فيجده مبسوطاً في كتب أهل العلم وإنما أردت أن أُبيِّن أنه لو كان في المسألة خلاف لذكره ابن تيمية وابن القيم وناقشوا القائل به.

تنبيه:

كتب أحد المعاصرين كذلك فتوى بجواز حضور أعياد الكفار وذكر أن بعض العلماء أجاز ذلك؛ وهذا أيضاً من الوهم والإيهام فلم ينقل عن أحد من العلماء المتقدمين أنه أجاز ذلك وخاصة أن هذه المسألة من المسائل العظيمة التي لابد ذكر مَن قال بجوازها -في وقت بُلي بعض أفراد الأمة بالتنازل عن عقيدتهم وبعض الأعناق تتشوف لمثل هذه الفتاوى ضعفاَ وتنازلاً وانهزامية- فهل يُعقَل أن يتم نسيان مثل ذلك وهناك من يحاول تجويز ذلك وإقحام النصوص للاستدلال بها في غير ما سيقت له فيا سبحان الله؟!

رابعاً: أن ما ذكره بعض المجيزين لحضور تلك الأعياد من أن حضورها فيه مصلحة فالجواب عنه: إنه من المتقرِّر عند علماء الشريعة وخاصة علماء الفقه وأصول الفقه أن العمل بالمصلحة له شروط من أهمها:

1- ألا تخالِف نصاً من كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
2- ألا تخالِف إجماعاً.

فإن كانت المصلحة مخالِفة لذلك فهي مصلحة غير مُعتبرة ومُلغاة لمعارضتها النصوص الشرعية، وهذا من الأمور المسلمة وبدهيات العلم عند أهل الاختصاص ولا تخفى على طالب في الجامعة في كلية الشريعة فضلاً عن طالب علم أو داعية والله المستعان، ونصوص الشريعة ألغت كثيراً من المصالح لعدة اعتبارات مبسوطة في كتب الفقهاء والأصول كالخمر والربا فهي فيها مصالح لكنها ملغاة.

إن ذلك المنهج الذي تبناه فئة من الدعاة ومن يطلق عليهم بالمفكرين الإسلاميين إن صحَّت العبارة وهو ربط كثير من الفتاوى الشاذة والضعيفة بالمصلحة المرسلة والمقاصد، حتى هدموا كثيراً من نصوص الشريعة وجوَّزوا المحرَّمات ولا شك أنه خطأ في منهج الاستدلال وإذا كان المنهج بُنِيَ على مُقدِّماتٍ خطأ كان النتيجة خطأ في الفتوى وغيرها، وأيضاً من المنهج الخطأ التقرير للمسألة ثم الاستدلال لها ومحاولة التمسك بالأقوال الشاذة والأحاديث الضعيفة لأجل تقوية الفكرة المراد لها.

والناس في باب النظر للمصالح والمقاصد طرفان ووسط، غلو في الاستدلال بها وغلو في تضييق الاستدلال بها والمقام لا يتسع للحديث عن هذه القضية ولا شك أن الخلاف في المنهج أشد من الخلاف في أفراد المسائل.

خامساً: أن الكفار وُجِدوا في عهد النبوة ولكن لم يُنقَل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا التابعين أنهم حضروا أعياد الكفار وشاركوهم فيها وهنئوهم بها ولو كان خيراً لسبقونا إليه؛ أفلا يسعنا ما وسع أفضل الخلق وأفضل القرون؟! هل نحن أعلم وأحرص من رسول الله وصحابته في دعوة الناس للإسلام؟!

سادساً: أن من أدلة المجيزين حضور أعياد الكفار أن في ذلك فرصة لدعوة الكفار للخير وإظهار سماحة الإسلام فالجواب:

1- ما تقدَّم.

2- أن هذه حجة باطلة والواقع ينكرها لا سيما أن في تلك الأعياد من المعتقدات الباطلة والمحرَّمات الشيء الكثير فهل يكون هذا مقاماً مناسباً لدعوتهم فلا نخادع أنفسنا ونُبرِّر المواقف بالحيل، فهذه من المسائل العظيمة التي لا يتساهل فيها، فهل سيمكن المسلم من ذلك؟!

3- أن مواضع دعوتهم وإظهار سماحة الإسلام كثيرة جداً فلماذا نأتي ونُضيِّق على أنفسنا ونُجوِّز الحرام وليس هناك ضرورة.

مسألة: الأصل في وسائل الدعوة إلى الله أنها اجتهادية ما لم تتضمن أمراً محرَّماً وهي كثيرة جداً لا تكاد تُعَد ولا تُحصى.

سابعاً: ولو فرضنا جدلاً جواز ذلك للمصلحة فلابد أن تكون المصلحة متحققة وغير متوهمة كما هو مقرَّر عند أهل العلم.

ثامناً: لو فرضنا جدلاً جواز ذلك لمصلحة دعوتهم فلا يكون ذلك عاماً لجميع الناس جاهلهم وصغيرهم ورجالهم ونسائهم، وإنما للعلماء الراسخين في العلم الذين عندهم القدرة والحكمة على الدعوة والمجادلة وإزالة الشبهة والجواب عنها.

وأما الزج بالعامة والدهماء من الناس وبالطلاب المبتعثين في مواطن الشُّبَه والفِتن وتتلقَّف القلوب تلك الشبهات والشهوات من خلال ما يسمعون ويشاهدون بحجة المصلحة، فأي مصلحة تُرجى من هذا بل هي مَفسدة محضة، والواقع شاهد على مثل هذا، ولا بد أن تكون الفتوى مرتبطة بالواقع ومعرفته والقاعدة الشرعية (الحكم على الشيء فرع عن تصوره).

فهل يُرجى من طالب مبتعث -قليل العلم، وقليل الزاد في هذا الباب، وربما ضعيف الإيمان ومن موظف أو موظفة مسلمين كذلك- الحضور والدعوة والإنكار؟!

وتلك المواطن تعج بأنواع الانحراف العقدي والسلوكي وغير الأخلاقي؛ فهل سمعتم أن الدعوة والنصح قد حدث في مثل هذه الأماكن وكان قد تحقق من خلاله مصالح دينية متحققة لا متوهمة؟! والله المستعان.

هل هناك تصور لمآلات مثل تلك التقريرات وما تجرُّه من ويلات ومصائب وربما جعلت بعض المسلمين يتنصَّر أو يتهوَّد ويفتن في دينه؟
ثم يقال: وإن ذلك كله لا يعني التنازل عن الدين!

تنبيه: ومن الغريب أن بعض الذين أجازوا الحضور لأعياد الكفار لم يذكروا ولا قيداً واحداً للحضور فأجازوه بدون قيد ولا شرط لذلك، فهل هم لا يدركون ما يحصل من الانحراف والمخالفات الشرعية في تلك الأعياد فإن كان كذلك فتلك مصيبة وإن كانوا يدركون فالمصيبة أعظم!

* وأشد ما يُخشى منه أن يكون مثل هذا الاستدلال والتقرير يُعيد منهج تقديم العقل والعاطفة على نصوص الشريعة فيَضعف تعظيمها في النفوس والوقوف عندها!

* ويُخشى أن تعيد منهج الاعتزال والإرجاء والتحسين والتقبيح العقلي فيعود للأمة من جديد ويلبس حلة جميلة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ظاهرها جميل وباطنها قبيح وقد ظهرت بوادره والله المستعان!

* ويخشى أن تكون بادرة ونابتة لمصادمة نصوص الشريعة والإعراض عنها بحجة المصلحة!


تاسعاً: من أدلة المجيزين حضور أعياد الكفار (القياس على ما نقله ابن تيميه وغيره من العلماء في جواز تعزية الكافر سواءً مطلقاً أم عند المصلحة).

الجواب:

أن هذا قياس فاسد لا يصح من وجوه:

1- أن هناك فرق بين العيد كمعتقد وشعيرة دينية تحمل في طياتها كثيراً من المعتقدات الكفرية والباطلة وأما التعزية فهي ليست كذلك، فهي لا تحمل معتقداً دينياً ولا ترتبط بقضايا عقدية فالقياس لا يصح فتعزيته بالهاتف أو باللقاء في العمل أو في الأماكن العامة وغيرها.

2- أن الأدلة في حضور أعياد الكفار صريحة ولا قياس في مقابل النص.

3- أن في حضور أعياد الكفار إجماع على التحريم، وأما التعزية فمحل خلاف بين العلماء رحمهم الله فكيف يُسوَّى بين الأمرين؟

عاشراً: من أدلة المجيزين حضور أعياد الكفار (القياس على فعل الرسول عليه الصلاة والسلام بحضوره أسواق الجاهلية).

الجواب:

أن هذا قياس باطل من وجوه:

1- هل ورد أن وقت نزوله عليه الصلاة والسلام كانت المنكرات العقدية وعبادة الأصنام موجودة؟!

2- أن أسواق الجاهلية هي من أمورهم الدنيوية، وليست من أمورهم الدينية، وحضور أعياد الكفار معتقد ديني فلا يصح قياس أمر تعبدي على أمر مباح. فمِثل ذلك زيارته صلى الله عليه وسلم للكفار في منازلهم وزيارة مريضهم فهذا كله من العادات والمباحات ومن حقوق الجوار والإنسانية.

3- أن هناك فرق بين مكان يقصد ومعلوم ما به من المعاصي والمعتقدات وقيامه لأجل هذا المعتقد الباطل، وبين مكان قد يكون به وقد لا يكون، فهي أمور عارضة وطارئة.

4- أن الأصل في الذهاب إلى الأسواق الإباحة وحضور أعياد الكفار محرَّمة فكيف يقاس المحرَّم على الجائز.

* هكذا هي نتيجة تقرير الفكرة والمنهج والمذهب ثم البحث بالتعسف وليّ أعناق النصوص والاستدلال بالأقيسة الفاسدة نصرة للفكرة والمنهج.

5- أن القياس في مقابل النص قياس فاسد وباطل وهذا محل اتفاق؛ فكيف يكون القياس في محل إجماع؟! وهذه التقريرات من البدهيات عند مبتدئي طلاب العلم، ولكن كما قيل المنهج غير السليم الذي بُني على أصول ومُقدِّمات ضعيفة أو فاسدة في الاستدلال فتكون النتيجة ضعيفة وفاسدة.

6- أن ذلك كان في بداية الإسلام والدعوة المكية وهو بمكة عليه الصلاة والسلام وكان لها ظروف خاصة وملابسات محيطة بها: كتقوية الإسلام وتكثير المسلمين والبحث عن مناصرته عليه الصلاة والسلام، وأما بعد الهجرة فلم يكن شيء من ذلك فلم يرتد تلك الأسواق في حجة الوداع ولا في فتح مكة.

7- أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد هذه الفرصة المتاحة أمامه لتبليغ دين الله، وأما اليوم فدعوتهم متاحة عبر كثير من الوسائل والفرص والأوقات والأماكن وهي لا تكاد تعد ولا تحصى فكيف يصح هذا القياس؟!

* هكذا تكون نتيجة تقرير الفكرة والمنهج والمذهب ثم البحث بالتعسف وَليِّ أعناق النصوص والأقيسة الفاسدة نصرة للفكرة والمنهج، والإنسان قد لا يشعر بتلك النتائج من أول الطريق.

* حديث جابر رضي الله عنه؛ قال: "مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم -عكاظ والمجنة-، وفي المواسم؛ يقول: «من يؤويني، من ينصرني، حتى أُبلِّغ رسالة ربي؛ وله الجنة؟»، فلا يجد أحداً يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر، فيأتيه قومه وذوو رَحمِه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمضي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه وصدَّقناه، فيخرج الرجل مِنَّا، فيؤمن به، ويُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيُسلِمون بإسلامه، حتى لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهِرون الإسلام.

ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟

فرحل إليه مِنَّا سبعون رجلاً؛ حتى قدِموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! علامَ نبايعك؟

قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قَدِمتُ عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة».

فقمنا إليه؛ وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم إلا أنا، فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وتعضكم السيوف؛ فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك؛ فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة؛ فذروه، فبينوا ذلك؛ فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: أبْطِ عنَّا يا أسعد! فوالله؛ لا ندع هذه البيعة، ولا نُسلبها أبداً. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (رواه أحمد والبيهقي والهيثمي وقال رجال أحمد رجال الصحيح).

6- أن الفقهاء يذكرون أنه لا يجوز إجابة دعوة وليمة المسلم إلا إذا كان هناك قدرة على الإنكار، وإذا كان لا يستطيع الإنكار فلا يجوز الحضور.

الحادي عشر: من أدلة المجيزين حضور أعياد الكفار؛ قول الله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة من الآية:8].

فالجواب من وجوه:

1- الاستدلال بالآية على إطلاقه ليس بصحيح؛ وإذا أخذنا به على إطلاقه سنُبطِّل ونُعطِّل كثيراً من النصوص الشرعية، مثل بذل السلام ابتداء على اليهود والنصارى وقد نُهِينا عن ذلك... وغيرها من المسائل.

2- إنما يكون الاستدلال بالآية في ما لم يرد فيه نص شرعي وفي أمور العادات؛ كحضور الزواج ووليمته وتهنئتهم بذلك ومناسبات النجاح فهو جائز ويمكن تحقيق كثير من المصالح من خلال كثير من المناسبات إذا أردنا حقيقة دعوتهم للخير وإظهار محاسن الإسلام، فهل أحد من المفسرين استدل بهذه الآية على جواز حضور أعياد الكفار أو جعلها من العام المخصوص فأحلَّ حراماً؟!

الثاني عشر: من أدلة المجيز الحضور لأعياد الكفار: "حضوره عليه الصلاة والسلام حِلف الفضول في الجاهلية".

فالجواب:

أسألُ كل طالب علم:

- ما هو وجه الاستدلال والتطابق والتشابه بين مسألة حِلف الفضول وحضور أعياد الكفار؟

- هل تضمن حِلف الفضول معتقداً من معتقدات الجاهلية؟

- هل تضمن حِلف الفضول منكراً من المنكرات؟

إن حِلف الفضول كان تجمُّعاً ومِيثاقاً إنسانياً تنادت فيه المشاعر الإنسانية لنصرة الإنسان المظلوم، والدفاع عن الحق، ويُعتبَر من مفاخر العرب قبل الإسلام، وإنّ بريق الرضا والفرح بهذا الحِلف يَظهر في ثنايا الكلمات التي عبّرَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: «ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت»[2]، فإنّ الحب والحمية للحق، والحرص على تحقيق العدل هو هديه صلوات الله وسلامه عليه، فهو القائل في الحديث المشهور عنه صلوات الله وسلامه عليه: «أيها الناس إنما أهلكَ الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (رواه البخاري).

إن الفضولَ تعاقدوا وتحالفوا *** ألا يُقيمَ ببطنِ مكةَ ظالمٌ
أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا *** فالجارُ والمُعترّ[3] فيهم سالمٌ
* هكذا تكون نتيجة تقرير الفكرة والمنهج والمذهب ثم البحث بالتعسُّف وليِّ أعناق النصوص والأقيسة الفاسدة نصرة للفكرة والمنهج والإنسان قد لا يشعر بتلك النتائج.

وقفة؛ قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة:120].

قال إمام المفسرين: "وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على رضى الله في دعائهم إلى ما بعثك الله من الحق" (تفسير ابن جرير: [2/562]).

* وبعد هذا العَرض السريع لأهم أدلة المجيز لحضور المسلم أعياد الكفار ومناقشتها؛ كم يتألم الإنسان حينما تكون مثل هذه القضية الكبيرة والتي ترتبط بالعقيدة وبدأ يظهر النزاع فيها بشكل قوي، وتكون الأدلة بهذا الوهن والضعف وطريقة الاستدلال بعيدة عن منهج الاستدلال عند أهل التخصص، ولذا أخشى ما يكون أن تكون تلك الفتاوى كانت نتيجة لسؤال عارض في مجلس أو لقاء عام أو خاص تلقفها بعض الناس ونشروها هنا وهناك أو عاطفة محضة، ولم تكن نتيجة لتحرير وتأصيل متقن وفق منهج الاستدلال الصحيح والسليم وإذا كان الأمر كذلك فتلك والله مصيبة عظيمة.

وعلى العالِم إذا سئل عن القضايا الكبيرة، ورأى أنها أصبحت من النوازل وقضايا الأمة أن يكتبها ويُحرِّرها تحريراً جيداً ثم ينشرها من خلال الوسائل المتنوعة، وأما أن تكون فتوى ينقصها التأمُّل والتحرِّي والاستقراء في مجلس عارِض وتُسجَّل من غير علمه، وهي لا تعدو أن تكون مدتها دقيقة فتنشر في العالمين ثم يُعمَل بها، ويكون الناس في فتنة عظيمة ثم لا ينفع الاعتذار بأنها حديث مجلس ولم أعلم بالتسجيل وتحتاج المسألة تفصيل، لا سيما القضايا المرتبطة بالأمة ونوازلها بل جميع القضايا فلماذا التهاون في التوقيع عن رب العالمين؟!

* تحذير وتنبيه لكل مستفتي:

وإنه يجب التنبيه على أمر مهم ألا وهو: أنه حينما تقحم كثير من الناس باب الفتوى أصبح الناس لا يميزون بين العالِم القاضي والداعية والواعظ وخطيب الجمعة وإمام المسجد والراقي ومُفسِّر الأحلام وطالب في كلية الشريعة والمفكر والمُربِّي وطبيب الأمراض النفسية والأخصائي الاجتماعي ومقدِّم البرامج الدينية.

لذا؛ على كل عاقل يخاف على دينه أن يُميِّز حين يريد الفتوى بين تلك الأوصاف، وأيضاً بين بعض الفتاوى فأحياناً يوجد من المسائل لا يدركها إلا عالِم أو قاضي أو طالب علم متمكن متخصص في الشريعة، وهناك من المسائل يدركها كثير من المتعلمين أصحاب الأوصاف الدينية كما يقال كإمام المسجد والداعية، وليعلم المستفتي أن ذمته لا تبرأ حينما يسأل أي شخص فيعمل بفتوى خاطئة ليس لها أصل في الشريعة أو كلام العلماء أو قول شاذ باطل فاسد.

وليحذر مما يظنه البعض (أن الفتوى بذمة الذي أفتاه، اِعمل بها ولا شيء عليك) فهذا كلام باطل وقد نبَّه العلماء وحذَّروا منه أو كما يقول العامة "اجعل بينك وبين النار مطوع".

تنبيه:

ليحذر العالِم وطالب العلم من فتوى لا تُنقل نقلاً صحيحاً؛ يتلقفها بعض الجُهَّال وصغار الأعمار والطلاب أو أصحاب الأهواء فيكذبون عليها ألف كذبة لإقناع المسلمين في ما تهواه أنفسهم وأفكارهم وتوجهاتهم وسياساتهم، وفي مسألتنا أن الإسلام بلغ من تسامحه وأريحيته إجازة المشاركة في شعائر الكفر؛ حتى لا نجرح مشاعر الكفار، ونكدر عليهم صفو احتفالاتهم التي كانت خاتمة لقرن شهد دماءً إسلامية غزيرة نزفت في أرجاء المعمورة بأيدي اليهود والنصارى أصالة أو وكالة في حروب عقائدية دينية صليبية حاقدة ومازالت فلسطين السليبة والعراق الجريح وسورية المكلومة تعاني وتنزف وغيرها من بلاد المسلمين.

اللهم إنا نسألك عِزَّاً ونصراً للإسلام والمسلمين، اللهم هيئ لأمة الإسلام أمراً رشداً وتوفيقاً وتسديداً، ونسأله أن يحفظ أقوالنا وأفعالنا من الزلل والخلل، وأن يُلهِمنا ويَرزقنا حُسْن القصد في القول والعمل.

والحمد لله ربِّ العالمين.

____

المراجع والهوامش:

[1]- (إعلام الموقعين: [3/223]).

[2]- (أخرجه الألباني في فقه السيرة: [72] وقال: "سند صحيح لولا أنه مُرسَل، ولكن له شواهد تُقوِّيه". وأخرجه الإمام أحمد مرفوعاً دون قوله: «لو دُعيتُ به في الإسلام لأحببتُ» وسنده صحيح).

[3]- (المعتر: الزائر).