عندما نقيم برهاناً على شيء ما فإننا نستخدم شيئاً أكثر بديهية منه كنقطة انطلاق للبرهان عليه، كما هو الحال عندما نستخدم مسلمات إقليدس مثلاً في البرهنة على نظرية مثل نظرية فيثاغورث، أما الآشياء البديهية أو الأشياء التي يدركها الحس إدراكاً مباشراً فنحن نستخدمها في استنتاج أشياء أقل بديهية منها أو اقل وضوحاً منها.. ماذا لو جاء أحد فقال لك في ظهيرة يوم مشمس: "أريد منك برهاناً على وجود الشمس؟!" بالطبع ستعتبره مخبولاً أو مجنوناً لأن الأمر لا يحتاج لبرهان أصلاً.

ماذا عن وجود الله أهو يحتاج إلى برهان؟
إن وجود الله تعالى لهو مدرك بالفطرة إدراكاً مباشراً وهو يمكن أن يستخدم في برهنة قضايا أخرى أقل يقينية، إن الإنسان ذا الحس السليم يدرك الله ببصيرته إدراكاً أقوى من إدراك أعيننا الشمس في ظهيرة يوم مشمس، قال تعالى في سورة الأعراف: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]. ولكن طالما الأمر بهذا الوضوح السؤال هنا لماذا ينكر البعض وجود الله؟! إن إنكار البعض وجود الله هو نتيجة لعملية طمس تمت لفطرتهم التي فطرهم الله عليها عن طريق البرمجة السلبية، التي تلقوها في حياتهم والتي تشوش على هذا الحس النقي، وها هنا يأتي دور الدليل على وجود الله، ولكنه يأتي فقط لمن عميت بصائرهم تماماً كما تأتي لشخص ضرير وفاقد الإحساس في جلده وتقول له: "أنا سآتي لك بدليل على وجود الشمس! فإنه لولا وجود الشمس لما وجدت حياة على وجه الأرض؛ لأن الحياة تحتاج لطاقة والطاقة مستمدة من الشمس"، إنك حينئذ لم تبرهن على وجود الشمس ولكنك استدللت بأشياء أخرى على وجودها، ولم تكن لتلجأ لهذا لو لم يكن هذا الإنسان فاقد لحواسه.

وقد تحدث القرآن لهذا الصنف من الناس فقال الله تعالى في سورة الطور: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]. وعندما سؤل الأعرابي القديم عن وجود الله قال: "البعرة تدل على البعير وخط السير يدل على المسير، فكيف بسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج.. أفلا يدل ذلك على العلي القدير!".

الخلاصة:
أن وجود الله هو مدرك بحواسنا العليا (بصائرنا وأفئدتنا) إدراكاً مباشراً فهو لا يحتاج إلى برهان، ولكنه قد يحتاج إلى دليل عندما تفسد هذه الفطرة فنستدلل حينئذ بأدلة عقلية حتى تعيدنا إلى الحقيقة التي فقدناها، والتي كانت جزءاً من تكويننا الداخلي.