الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا المجلس عامراً بذكره، وسبيلاً للتقرب إليه، وأن يعيننا على طاعته وذكره وشكره وحسن عبادته.
حديثنا سيكون عن موضوع تدعو الحاجة إليه، ويكثر السؤال عنه، ويحتاج المسلم أن يتبصر فيه، وأن يعرف أحكامه، ذلكم هو أحكام التشبه، وأرجو وأأمل أن يكون هذا الحديث شاملاً لأطراف هذا الموضوع، وسأذكر ضمنه قواعد يسهل حفظها بإذن الله عز وجل فيستطيع المسلم أن يتعرف على التفصيلات والأحكام التي تمر به من خلال حفظ هذه القواعد.

حديثنا يتضمن عشر نقاط هي:

الأولى: لماذا هذا الموضوع؟.
الثانية: في بيان حقيقة التشبه.
الثالثة: في ذكر بعض القواعد والضوابط العامة في موضوع التشبه.
الرابعة: في بيان الحكمة التي من أجلها حرم الله عز وجل التشبه بمن لا ينبغي التشبه بهم.
الخامسة: في ذكر الأبواب التي يدخلها التشبه.
السادسة: لا تتشبه بهؤلاء.
السابعة: من صور التشبه في واقعنا المعاصر.
الثامنة: أسباب الوقوع في هذه المشكلة.
التاسعة: آثار التشبه ونتائجه السيئة على الأفراد والمجتمعات والأمم.
العاشرة: علاج ظاهرة التشبه.

أولاً: فلماذا نطرح هذا الموضوع؟
لقد اتسعت دائرة علاقة المسلمين في هذا العصر اتساعاً لا يخفى على أحدٍ، وصار الناس مختلطين، وتقاربت الأمم والشعوب، وصار العالم كما يقال: كقرية صغيرة واحدة.
كما سيطر الكفار في الغالب على الوسائط الإعلامية المؤثرة في العالم، وكذلك الثقافية، وصاروا ينقلون فكرهم وحضارتهم وآدابهم وأخلاقهم وما إلى ذلك، ينقلونه إلى غيرهم من الأمم، هذا بالإضافة إلى غلبتهم كما هو معروف. ومعلوم أن الغالب يعمل جاهداً على فرض حضارته وأخلاقه وذوقه على سائر الناس؛ ذلك أنه هو المسيطر، ومن عزَّ بزَّ، ومن غلب استلب، فهم يريدون من الآخرين أن يحاكوهم في كل شيء، وأن يذوبوا في شخصيتهم فلا يبقى لأحد كيان مستقل، ولا يكون لأحدٍ وجود مؤثر خارجٌ عن نطاق إرادتهم، هكذا يريدون، والله عز وجل يهيئ لهذه الأمة ما شاء.

إن المجتمعات لا تخلو من وجود الفساق، ولا تخلو من وجود المبتدعة، وذلك لا شك أنه يؤثر، والخلطة لا شك أنها تكون سبباً لإيصال أخلاق الآخرين وعاداتهم، وقد أحسن وصدق من قال: "الطبع سرَّاق". والناس كأسراب القطا جبلوا على تشبه بعضهم ببعض، فكان لابد من بيان هذه الأحكام، ولابد من طرح هذا الموضوع؛ من أجل أن يكون عند المسلم حصانة تقيه بإذن الله تبارك وتعالى من الوقوع في مثل هذه المتاهات، وهم لا يشعرون بذلك.

ثانياً: ما هي حقيقة التشبه؟
التشبه هو المحاكاة، فإذا حاكيت غيرك في قوله أو في فعله أوفي سائر شؤونه فإنك تكون قد تشبهت به. وحقيقته في معناه الشرعي: هو محاكاة من تقصد مباينته في شيء من خصائصه مطلقاً، وفي غير ما يختص به قصداً. إذا حاكينا غيرنا ممن أراد الله عز وجل أن نباينه في شيء من خصائصه والأمور التي أختص بها دون غيره فإن هذا هو التشبه، سواء قصدنا بذلك المشابهة أو لم نقصد ذلك، وأما في الأمور التي لا تختص به فإن ذلك يعود إلى قصد الفاعل.

فهذا الماء لا شك أنه شيء حلال ولا يقول أحد بأنه محرم، ولكن متى يأثم الإنسان إذا شرب هذا الكأس؟

لو أن أحداً من الناس شرب هذا الماء على طريقة شرب الخمر كما يفعل شُرّاب الخمور حيث يضرب كأساً بالآخر، ثم يضربه ويقول بعض الكلمات، عند ذلك لا شك أن هذه المحاكاة محرمة، ويأثم بهذه الطريقة التي شرب فيها هذا الماء الزلال، وقد ذكر هذا جمع من أهل العلم كالشاطبي رحمه الله وغيره. إذن: إذا حاكينا غيرنا ممن قُصد مباينته في أمر يختص به فهذا أمر لا يرجع إلى القصد، ولا يلتفت فيه إلى نية الفاعل، وإذا حاكينا غيرنا في الأمور التي يشترك بها هذا الغير مع غيره من الناس فإن ذلك ينظر فيه إلى قصد الفاعل، فإن قصد بذلك التشبه بهذا الذي لا يجوز أن يتشبه به فإنه يكون بذلك آثماً، وقد فعل شيئاً محرماً.

فما معنى محاكاة الكفار والتشبه بهم؟

هو محاكاتهم في شيء من عقائدهم أو عباداتهم أو عاداتهم المختصة، أو غير ذلك من أنماط سلوكهم التي تكون من خصائصهم، والتي يتفردون بها دون غيرهم، والتي عرفوا بها وصارت شعاراً عليهم. فالقضايا الدينية لا يجوز أن نشابههم بها بحال من الأحوال على تفصيل سيأتي وأما القضايا العادية فإنها على قسمين:

القسم الأول: لا يجوز أن نتشبه بهم فيه، وهي الأمور التي هي بمثابة الشعار لهم، أو التي يفعلونها دون غيرهم، وهي من خصائصهم في العادات والأزياء، وما إلى ذلك، فهذا أمر يحرم محاكاتهم فيه.
القسم الثاني: أمور العادات الأخرى فالأصل فيها الإباحة، ويجوز للناس أن يفعلوها، لكن بشرط أن لا يكون ذلك بقصد محاكاة الكافر، وعلى أن يكون ذلك فيما ليست من خصائصهم.
ثالثاً: في ذكر بعض القواعد والضوابط العامة في باب التشبه:

القاعدة الأولى: كل ما كان من خصائص الكفار الدينية والعادية فإنه يحرم التشبه بهم فيه مطلقاً دون التفات إلى القصد، وقد أشرت إلى هذا المعنى قبل قليل في شرح ضابط أو معنى التشبه. هذه القاعدة إذا حفظناها انحلت كثير من الإشكالات، فكل ما كان من خصائص الكفار الدينية والعادية فإنه يحرم التشبه بهم فيه مطلقاً دون التفات إلى قصد الفاعل.
فلو أن أحداً من الناس لبس زُنَّاراً -وهو ما يشده النصارى على أوساطهم- فإن ذلك لا ينظر فيه إلى قصد الفاعل، بل يحرم عليه ذلك مطلقاً؛ لأنه من خصائصهم الدينية.
وكذلك لو أنه فعل شيئاً من خصائصهم العادية، وقال: أنا لا أقصد ذلك، فإنه لا يجوز له هذا الفعل، وإن كان قصده سليماً.

فالقصد لا يتعلق بهذه القضية، بل إذا وجد القصد السيئ في المحاكاة فإن الذنب يكون أعظم وأشدّ، وبهذا نعرف أن الأمور المشتركة بين الناس من قضايا العادات والأزياء وما إلى ذلك لا تدخل في باب التشبه، وبهذا نعرف أن القضايا الدينية والعبادية تتعلق بموضوع التشبه سواءً انتشرت عند الناس أو لم تنتشر. فلو أنه انتشر بين الناس موضة من الموضات وهي لبس الزنار مثلاً فهذه لا تغير من حقيقة الحكم ولو لبسه أهل الأرض جميعاً؛ فإنه لا يجوز للمسلم أن يلبسه.
كذلك لو أن الناس لبسوا الصليب مثلاً أو أن النساء لبست القلائد التي عليها الصليب، فإن ذلك لا يجوز ولو فعله أهل الأرض جميعاً؛ لأن هذا من خصائصهم الدينية، فهذا لا يؤثر فيه الانتشار وغلبة الفعل على الناس من المسلمين والكفار.

وبهذا نعرف أيضاً أن قضايا العادات يتغير الحكم معها بالانتشار، فالأمور التي هي من عاداتهم ولا تتعلق بدينهم إذا صارت من غير ما يختص بهم فإنه يجوز للناس أن يفعلوها، وأن يقوموا بها، أو يلبسوا هذه الأزياء؛ لأن ذلك لم يعد مما يتميز به الكفار. فقضايا العادات ينكسر فيها الحظر إذا انتشرت وتفشت بين الناس، ولكن ذلك لا يلغي التبعة عن أولئك الذين بادروا أولاً، فصاروا يتشبهون بهم في هذه العادات حينما كانت مختصة بهم، فهم آثمون بذلك، مع أن هذا الحكم قد تغير حينما صار ذلك متفشياً بين المسلمين والكفار.

وأما ضابط كون الشيء من خصائص الكفار فذلك بأن يكون مما يفعلونه دون غيرهم، أو أن يكون ذلك شعاراً لهم بحيث يُظن بمن فعله أنه منهم، وإن وجد من يفعله من بعض الأفراد الذين قد يحسبون على المسلمين، فإن ذلك يبقى من خصائصهم، وفعل هؤلاء الأفراد ممن تقحموا هذا الفعل وأقدموا عليه لا يغير من حقيقة الحكم شيئاً. ومرجع هذا -أي أن الشيء يكون من خصائصهم في باب العادات أو ليس من خصائصهم- مرجع ذلك إلى العرف، فإذا شاع في أعراف الناس وذاع أن هذا الأمر يفعله سائر الناس وهو ليس من قضاياهم الدينية فإنه يجوز للمسلم أن يفعل ذلك.

القاعدة الثانية: كل ما زال اختصاصه بالكفار من العادات فإنه ليس من التشبه، وهذه ذكرتها مفردة من أجل أن تحفظ وتضبط، وإلا فقد أشرت إليها في شرح القاعدة السابقة.
كل ما زال اختصاصه بالكفار من العادات فإنه ليس من التشبه، والمثال على ذلك: الأكل على الطاولة: فلربما كان ذلك قد فعله ابتداءً غير المسلمين، ولكنه انتشر في الناس وليس من خصائص الكفار الدينية، فصار ذلك مشتركاً بين المسلمين وبين الكفار، فهذا يجوز للمسلم أن يفعله، أي يجوز لنا أن نأكل على هذه المقاعد وعلى هذه الطاولات وما إلى ذلك؛ لأن ذلك لم يعد مما يختص بهم.

كذلك لبس البنطال مثلاً والقميص إذا لبسها المسلم فما الحكم من ذلك؟
نقول: ذاك صار شائعاً في بعض بلاد المسلمين، وصار هو الزي المنتشر المتعارف بينهم، فصار مما لا يختص بالكفار ولا يتميزون به عن غيرهم، ولم يعد ذلك من شعارهم الذي يميزهم عن غيرهم، ولا يظن بمن لبس هذه الألبسة أنه من الكفار، ومن ثمَّ فلا يقال: إن هذه الأشياء من اللباس المحرم، اللهم إلا إن وجد في بعض هذه الألبسة أنواعاً خاصة بهم كالشعار لهم بحيث إذا لبسه المسلم فإنه يذكر بأولئك، ففي هذه الحال يُقال: لا يلبس هذا النوع بخصوصه، وأما بقية الأنواع من هذه الألبسة التي انتشرت في بلاد المسلمين فلا بأس بها، وإن كانت في أول أمرها مأخوذة من الكفار.

القاعدة الثالثة: ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، وهذه من أنفع القواعد؛ ذلك أن الأمور المنهي عنها إما أن تكون منهي عنها قصداً، وإما أن تكون منهي عنها من باب النهي عن وسائل الفساد، يعني نهي عنها لا لضرر فيها، وإنما لما تفضي إليه من المفاسد، فهذه يقال لها: الذرائع، فمثلاً: البناء على القبور وتجصيص القبور أمر محرم، لكن هل هو محرم لذاته؟ أو أنه محرم لأنه يفضي إلى أمر نهى عنه الشارع وحرمه، وهو عبادة هذه القبور من دون الله تبارك وتعالى؟
لا شك أن النهي عن الكتابة على القبور وعن تجصيصها، وعن البناء عليها، وعن الصلاة في المقابر إنما كان من باب الوسائل؛ لأنه يفضي إلى عبادة هؤلاء المقبورين وتعظيمهم من دون الله تبارك وتعالى.

فالقاعدة في هذا الباب أن كل ما كان منهياً عنه للذريعة يعني من باب الوسائل فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها: جاء النهي عن زخرفة المساجد، وأن ذلك من فعل غير المسلمين، وفي عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما ولي الخلافة كان جامع دمشق قد زين بألوان التحف والأحجار النفيسة، فلما كانت خلافة عمر أراد أن ينزع ذلك جميعاً من سواري المسجد ومن جدرانه، وقد بذل المسلمون فيها الأموال الطائلة، فلما قال ذلك لخاصته قالوا له: إن هذه قد بذلت فيها أموال المسلمين، وجلبت من بلاد الروم، وتعب المسلمون فيها، فبينما هم كذلك يتشاورون في هذا المعنى، إذ جاء رجل عظيم من أهل دين النصارى من الروم، فلما دخل جامع دمشق نظر إليه فعظمّه، وقال: إن أمة قد بنت هذا إنها أمة عظيمة لها شأن!.

عظمت هذه الأمة في عينيه، فلما رأى ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله امتنع من إزالة تلك الأحجار من سواري المسجد ومن جدرانه، فتزيين هذه الجدران منهي عنه من باب الوسائل، فتركه عمر بن عبد العزيز رحمه الله لوجود مصلحة راجحة وهي ما ذكرنا.

ومن أمثلة ذلك: تغميض العينين في الصلاة، إذ لا شك أنه أمر مذموم؛ لما فيه من مشابهة اليهود في عبادتهم وصلاتهم، ولكن لو صلى المسلم في مكان يعج بالملهيات، فأغمض عينيه من أجل أن يحصل الخشوع في مثل هذه الحالة خاصة وليس دائماً فنقول: له ذلك؛ لأن ما نهى عنه من باب النهي عن الذرائع، فإنه يجوز للمصلحة الراجحة.
ومن أمثلة ذلك: أن يلبس المسلم زي الكفار، إذا كان في بلادهم وخشي على نفسه الضرر فإنه يجوز أن يتزيا بزيهم، ولا يكون في هذه الحال مذموماً، ولا متشبهاً بهم؛ كما ذكر ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم)؛ وذلك لدفع مفسدة، وهي خشية الضرر على نفسه، أو لتحصيل مصلحة راجحة، كأن يأتي بأخبارهم للمسلمين، وأن يطلع على عوراتهم.

وبالمقابل يقال: إن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة فإنه ينهى عنه، كالصلاة في أوقات النهي، فنحن منهيون أن نصلي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، وقد علل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بأن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، وعندئذٍ يسجد لها الكفار(رواه مسلم).

فنحن منهيون عن الصلاة في هذه الأوقات لما فيه من محاكاة الكفار ومن التشبه بهم، وليس فيه مصلحة راجحة.

وكذلك أيضاً اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ليس فيه مصلحة راجحة، بل فيه مفسدة راجحة، وهي أن تعبد هذه القبور من دون الله تبارك وتعالى.

القاعدة الرابعة: المخالفة للكفار تكون في أصل الفعل أو في وصفه أو في حكمه: فتكون في أصله إذا كان هذا الفعل في أصله ليس مشروعاً لنا، كعيد الميلاد عند الكفار أو ما يسمى بعيد رأس السنة، فهذا ليس مشروعاً لنا من أصله، فعندئذٍ لا يجوز لنا أن نفعله أصلاً، وتكون المخالفة في وصفه إذا كان أصله مشروعاً لنا، وذلك أننا نصوم يوم عاشوراء واليهود يصومون في يوم عاشوراء؛ لأن الله نجى فيه موسى صلى الله عليه وسلم فعندئذٍ نخالفهم في وصفه، وذلك أننا نتسحر واليهود لا يتسحرون، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الفرق بين صومنا وبين صوم أهل الكتاب أكلة السحر.
وكذلك أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى صوم يوم التاسع من محرم حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» (أخرجه مسلم).

كل ذلك لتحقيق مخالفة الكفار في مثل هذا، فلذلك نقول: إذا كان أصل الفعل مشروعاً فإنه يُشرع لنا أن نخالفهم في وصفه.

الحالة الثالثة: في حكمه، وذلك إذا كان هذا الفعل قد شرعه الله عز وجل لنا، وهم أيضاً يفعلونه وقد استوت فيه الصورة الظاهرة فنختلف معهم ونفترق في الحكم، فمثلاً: القيام للجنازة، إذا مُرّ بجنازة محمولة فإننا نقوم عندئذٍ على خلاف في هذه المسألة بين الفقهاء رحمهم الله هل هذا منسوخ أو ليس منسوخاً فطائفة من أهل العلم يقولون: القيام ليس بمنسوخ، ولكنه مستحب ولا يجب، أما عند اليهود فإنه يجب عليهم. فمن هنا نلاحظ أن الفعل واحد في الصورة الظاهرة، فنحن نقوم وهم يقومون، ولكننا نختلف معهم في الحكم، هم يقومون وجوباً في اعتقادهم، ونحن نقوم استحباباً. إذن: قد نختلف معهم في أصل الحكم؟ وقد نختلف معهم في الوصف؟ وقد نختلف معهم في الحكم؟ كما رأينا.

القاعدة الخامسة: كل ما يعمله المسلم من تشبه بالكفار أو ما يفضي إلى التشبه فإنه لا يُعان عليه بأي لون من الإعانة؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة:من الآية 2]، فإذا كان هذا المسلم مثلاً يريد أن يشارك المشركين في عيد الميلاد، أو هذه المرأة أرادت أن تلبس لباساً هو من خصائص الكفار العادية، أو من خصائصهم الدينية، فإنها لا تُعان على ذلك، فلا يجوز للخياط أن يفصل لها هذا الثوب، ولا يجوز للبائع أن يبيعها هذا الثوب. إذا جاء من يشتري هذه الكعكة ليشارك اليهود أو النصارى في عيد من أعيادهم، فإنه لا يجوز للمسلم أن يبيعه ذلك، ولا يجوز له أن يعينه على هذه المشاركة بحال من الأحوال.
القاعدة السادسة: الأمر بمخالفة الكفار إما أن تكون مقصودة لذاتها، وإما لما يتضمن ذلك من المفسدة أو في تركه المصلحة، فما كان مقصوداً لذاته، يعني أنه قُصد فيه فقط المخالفة، فإن هذا لا يجب على المسلم أن يفعله، ومثال ذلك: صبغ الشيب وتغيير لون الشيب بالحناء والصفرة، والكتم وما إلى ذلك أي بغير السواد فهذا أمرٌ مطلوب شرعاً، ولكنه لا يجب علينا، وهل هو مطلوب لذاته أو أنه مطلوب من أجل مخالفة المشركين؟ هو مطلوب من أجل مخالفة المشركين فقط، وإلا فليس فيه مصلحة خاصة، لو تجرد من مخالفة المشركين، فعندئذٍ لا يجب علينا أن نصبغ هذا الشيب، وأن نغيره، ولكنه يستحب ويحسن ويجمل بالمسلم أن يفعله. كما أن الحكم قد يتغير بتغير الزمان، فمثلاً: في بعض الفترات كان أهل الذمة يلزمون بالعمائم الزرقاء، وفي ذلك الوقت لا يجوز للمسلم أن يلبس عمامة زرقاء؛ لأنه يكون متشبهاً بأهل الذمة، وأما في هذا العصر، فإن أهل الذمة لا يلبسون العمائم أصلاً فضلاً عن العمائم الزرقاء، فهل يحرم على المسلم الآن أن يلبس عمامة زرقاء؟
الجواب: لا، لأن المخالفة قد انتفت.

لكن الشيء قد ينهى عنه للمخالفة ولما في فعله من تحقيق مصلحةٍ مطلوبة شرعاً، وذلك كإعفاء اللحية مثلاً، فلا شك أن إعفاءها مطلوب؛ لأنها من سنن الفطرة، وكما أن في تركها مخالفة للمجوس، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفائها وبحف الشوارب، وكل ذلك من أجل مخالفة المشركين، أو من أجل مخالفة المجوس، فلو صار المجوس يعفون لحاهم في وقت من الأوقات فهل يُقال للمسلمين: إن ذلك قد لا يطلب فيه إعفاء اللحية؟
الجواب: لا، لأن إعفاء اللحية مقصود ومطلوب للشارع، وبهذا نُفرق بين ما كان المقصود فيه هو مجرد المخالفة، وبين ما كان مطلوباً ومقصوداً للشارع، وإن تجرد من المخالفة.

وهنا أمر يحسن التنبيه عليه؛ حيث يسأل الناس عنه ويلتبس على كثير منهم، وهو أنه ينبغي أن نفرق بين ما اتخذ على سبيل الأزياء، وبين ما فُعل عرضاً للحاجة، فمثلاً: الإمام أحمد رحمه الله كره أن يلبس المسلم نوعاً من النعال لها صوت يُقال لها: النعال الصرارة، والنعال الصرارة في ذلك الوقت كانت من زي الأعاجم من أهل السند من غير المسلمين، فكرهها الإمام أحمد في ذلك الحين، أما لو وجد الآن نوع من هذه النعال فإنها لا تختص بهم، لكن في ذلك الوقت كرهها الإمام أحمد لما فيها من التشبه بهم، ولكن هل كرهها مطلقاً؟

الجواب: لا، قال: إن لبسها لنحو الخلاء والوضوء فلا بأس بذلك. وقال عن النعل السندي: "إذا كان للطين والمخرج يعني للخلاء، فأرجو أن لا يكون به بأس، أما للزينة فلا".
وبناءً على ذلك نقول في مسألة اللباس: لو أن الرجل تدثر بعباءة امرأته في بيته، هل يكون متشبهاً بالنساء، ويدخل في قول ابن عباس رضي الله عنهما: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" (أخرجه البخاري).
فالجواب: لا، لو أن الرجل لبس نعل امرأته في البيت ليدخل فيه الخلاء أو ليعبر في بيته من ناحية إلى ناحية، ولم يجد سواها، فلبس ذلك لا على سبيل التزيّ والتزين به واتخاذ ذلك لباساً يخرج به إلى الناس، فهل يُقال: إنه قد ارتكب نوعاً من المشابهة، وأنه فعل شيئاً من المحرمات؟
الجواب: لا، وعليه ينبغي أن نفرق بين ما اتخذ على سبيل التزيّ والتزين وبين ما فعل عرضاً لحاجة عرضت.

ولو أن الرجل في حال من البرد ومعلوم أن النساء لهن نوع من الجباب معروفة وملونة- فلو أنه جلس في خيمته، وهم في البادية -في الصحراء أو في نزهة أو نحو ذلك- فلبس جبة امرأته، فهل يُقال: إن هذا الرجل متشبهاً بالنساء ويحىم عليه أن يلبس ذلك؟ الجواب: لا، ليس متشبهاً بالنساء ولا يحرم عليه أن يلبس ذلك في مثل هذه الحالة، والله تعالى أعلم.

رابعاً: ما الحكمة من تحريم التشبه بالكفار وبغيرهم ممن حرم الله عز وجل التشبه بهم؟
ابتداءً ينبغي أن نعرف أن الله حكيم عليم خبير، يعلم بواطن الأشياء، وأنه لطيف يعلم دقائق الأشياء، فالله عز وجل لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. فالله تبارك وتعالى حكيمٌ في أقداره، وحكيمٌ أيضاً في شرائعه وأوامره الدينية، فينبغي للمسلم أن يسلم لأحكام الله عز وجل الكونية، كأن تكون وقعت به مصيبة فعليه أن يرضى وسيُسلِّم، وينبغي للعبد أن يسلم لله عز وجل في أحكامه الشرعية، والله عز وجل يقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65]. ويقول: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51]. فهذا هو الواجب على المسلم سواء عرف الحكمة من وراء هذا التشريع أو لم يعرف.

بعد ذلك أقول: هناك حِكمٌ واضحة جلية من تحريم التشبه بالكفار، ومن حرّم الله عز وجل التشبه بهم ممن سنعرف حالهم؛ فمن ذلك:
أولاً: قطع الطريق المفضية إلى محبة هؤلاء الكفار، وما يتبع ذلك من استحسان ما هم عليه، وذلك لا شك أنه ينافي الإيمان، حيث إن موالاة المشركين أمر محرم، والله عز وجل يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:من الآية 22]، إضافة إلى ما تفضي إليه هذه المشابهة في الظاهر من الميل في الباطن.

ومعلوم أن الموافقة في الظاهر تورث مشاكلة وموافقة في الباطن، فهناك ملازمة بين الظواهر والبواطن، فالمشابهة في اللباس مثلاً تورث نوعاً من المجانسة والموافقة والموالاة.
إذا لبس الواحد منا زي أهل الرياضة فإنه يجد في نفسه نشاطاً وحركة وخفة وتوثباً، وإذا لبس زي العلماء فإنه يجد في نفسه ميلاً إلى الوقار، وإذا لبس الإنسان زي الجند والمقاتلة فإنه يجد في نفسه اندفاعاً إلى القوة والشدة وأخلاق المقاتلين دون التميع وما إلى ذلك من الأخلاق التي لا تناسب هؤلاء، فلا شك أن اللباس يؤثر، وأن ما يجده الإنسان في الظاهر يؤثر في داخله وفي باطنه.

وأنت الآن جالس في هذا الموضع من الأرض تصور أنك في الدور التاسع عشر كيف يكون شعورك؟ هل يكون شعورك كما هو شعورك الآن؟ الجواب: لا، بل ستجد شعوراً مبايناً
تخيل الآن أنك دخلت في بلد كما قيل:

ولكن ما الفتى العربي فيها *** غريب الوجه واليد واللسانِ

لو دخلت بلداً لا تعرف أهلها، ولا تعرف لغتهم، وهيئتهم تغاير هيئتك، ولغتهم تغاير لغتك، فجلست في قاعة كبيرة فيها أقوام من هؤلاء الذين يختلفون عنك في كل شيء، وأنت غريب بينهم، فدخل رجل آخر يلبس كما تلبس، أما تجد في نفسك انجذاباً قوياً إلى هذا الإنسان؟ لا شك أنك تجد ذلك. تصور لو أنك الآن نظرت إلى أحد الحضور فوجدت أنه يلبس كساعتك، وعمامةً كعمامتك، وثوباً كثوبك ويركب سارة كسيارتك، وتزيّ بزيك، وبينك وبينه شبه في الوجه وفي هيئة الجسد وما إلى ذلك، أما تجد في نفسك انجذاباً إليه، وإن حاولت أن تسيطر على نفسك بأن لا تبدي هذا الانجذاب؟ لا شك أنك تجد ذلك.

فأقول: الظاهر يؤثر في الباطن؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان لربما يكون له معارف في بلده لربما يراهم حتى لا يُسلم عليهم، فإذا سافر إلى بلد غربه ووجد أحداً من أهل بلده فإنه يكون بينه وبينه من الود والألفة والمصافاة والمجالسة وما إلى ذلك ما لا يقادر قدره، أليس هذا من الأمور الواقعة؟ لا شك أنه كذلك.

ثانياً: أن يتميز المسلم عن الكافر بشخصيته، وأن يحافظ على تفرده، وأن يحافظ على سمات الشخصية الإسلامية التي يفترق بها عن غيره من الكفار، ومن ثم تحصل المحافظة على سمات الأمة المسلمة، وعلى خصائصها وعلى سيادتها وعلى تفردها في الكمالات، فتكون الأمة متبوعة لا تابعة، وهذا الذي يصلح لها إذ أنها رأس ولا يصلح أن تكون ذنباً بحال من الأحوال، فالله عز وجل يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:من الآية 143]، أي عدولاً خياراً:{لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة:من الآية 143]. فلا يصلح لهذه الأمة أن تكون ذائبة في شخصية غيرها، متقمصة لأزيائهم وأخلاقهم وعاداتهم وعباداتهم، وتكون أمة منحلة، ليس لها ما يميزها، وليس لها من المقومات والخصائص ما تتفرد به عن سائر الأمم غيرها.

ثالثاً: من حكم الشارع في تحريم مشابهة الكفار، هو أن نثق تماماً أن هذه الأعمال التي يعملها الكفار وينفردون بها أنها إما باطلة، وإما ناقصة، والمسلم ليس بحاجة لأن يجلب لنفسه ذلك النقص ليكون ناقصاً أو يجلب لنفسه ذلك الفساد فيكون ذلك خللاً فيه.

رابعاً: ما في مخالفتهم من تحقيق معنى البراءة منهم، ولا يخفى أثر المخالفة أيضاً في نفس هؤلاء الذين نخالفهم من شعورهم بالذل والصغار، بخلاف ما إذا وافقناهم فإنهم ينتفشون وتتضخم نفوسهم ويتعالون، ولا تجد أصدق لذلك من قول الله عز وجل: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6].

خامساً: أن بذلك تحقيق لمقصود من مقاصد الشارع في هذا الباب، وهو أن يوجد الفرق بين الناس، وأن يُعرف أن هذا مسلم وأن هذا من الكفار، بهيئته في بدنه، في لباسه، في وجهه، أما أن يبقى الناس سواسية لا تفرق بين المسلم والكافر، لا تجد فرقاً بين البوذي واليهودي والنصارى وما إلى ذلك، فإن هذا أمر لا يحسن ولا يجمل، وهو خلاف مقصود الشارع.
هذه الحكم من تحريم التشبه بالكفار، وأما الحكمة من منع التشبه بأهل الأهواء والبدع، فأقول: في ذلك زجر أكيد لهؤلاء الناس، فإذا كان هؤلاء من أهل الأهواء الذين خرجوا عن قوانين الشريعة وعن نظامها وابتدعوا بدعاً ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان يجدون الآخرين يحاكونهم ويتشبهون بهم، فمتى يرتدعون؟

ففي هذا إنكار عليهم وأيضاً إلزامهم بالذل والصغار، وأمر آخر وهو أن يتميز صاحب السنة عنهم، فلا يضع نفسه موضع الريبة والتهمة، فينسب إليهم.
وأما الحكمة من منع التشبه بالفساق، فكذلك فيه زجر لهم وتأخيرهم، فهم لا يصلحون في مقام الصدارة، وكذلك ليتميز صاحب الطاعة والاستقامة عن أهل الفسق والفجور، وكذلك ليحافظ العبد على حدود الله عز وجل؛ لأن من شابه أهل الفسق فإن ذلك يعني الانحلال والانفلات من أوامر الله تبارك وتعالى، ومن التكاليف الشرعية. وأما الحكمة من تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فأقول: في ذلك محافظة على مقتضى الفطرة التي فطر الله عز وجل كل واحد من الجنسين عليها.

فالله عز وجل فطر الرجال على أن يكون الرجل قوياً شديداً له سماته وخصائصه التي تليق بفحولته ورجولته التي هيأه الله عز وجل بها؛ ليتحمل الشدائد؛ ليعمل خارج المنزل، ومن أجل أن يصاول ويقاتل الأعداء، وأن يحمي الديار وما إلى ذلك، وأما المرأة فقد خلقت لمعنىً آخر. المرأة يصلح لها كل معنىً من معاني الأنوثة واللطف وما إلى ذلك من الليونة، وخصائص النساء، فإذا تشبهت المرأة بالرجال تكون قد خرجت عن طورها، وعن ما رسمه الله عز وجل لها، فانتكست فطرتها ووقعت في أمور لا تليق كما تسمعون في الجنس الرابع في النساء المترجلات، تتخذ خليلات من النساء، وتفعل ما لا يليق من ألوان الفجور التي لا تخطر على بال أحد.

وكذلك الرجل إذا خرج عن طوره، وخرج عن فطرته وما رسم الله عز وجل له، فإنه يكون بذلك متأنثاً متكسراً لا يصلح لشيء مما يصلح للرجال، وإنما تفسد فطرته وتنتكس، ويكون ذلك فساداً في داخله وفي خارجه، إضافة إلى ما يفضي إليه ذلك من القبائح، وما أخبار الجنس الثالث أعزكم الله عز وجل عنا ببعيد. كيف تنتكس الفطرة انتكاساً كلياً حتى يعمد الرجل إلى أن يكون موافقاً للمرأة في كل شيء بلا استثناء في لباسه وهيئته وما دون ذلك وما فوقه، هذا أمر لا شك أنه يخالف الفطرة السليمة.

وأما الحكمة من منع التشبه بالأعراب وهم سكان البادية فإن ذلك لما يوجد في هؤلاء من الجفاء وقلة العلم، فالتعرب لا شك أنه ابتعاد عن مظان العلم، وسكنى البادية لا شك أنه مظنة للجفاء والجلافة والجهل، وهذه أمور ينفرد بها أهل البادية عادة، فمن شابههم في مثل هذه الأمور لا شك أنه يكون قد تقمص أخلاقاً رديئة، وجلبها إلى نفسه. أما الحكمة من النهي عن التشبه بالحيوانات فهذا لا شك أنه من مقتضى المحافظة على الفطرة، فالإنسان فطره الله عز وجل على الفطرة القويمة وخلقه في أحسن تقويم، وهذا يشمل هيئته الظاهرة كما نشاهد رأسه إلى أعلى وأكله متميز يأكل بيده، وهيئته تخالف هيئة الحيوانات، فإذا جعل يرسم على نفسه رسومات معينة، أو يلبس على وجهه وجه حيوان، أو ما إلى ذلك، فهذا انتكاس للفطرة وهبوط ونزول لا يليق به، والله عز وجل يقول: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين:4]، أي في هيئته الظاهرة والباطنة. والله عز وجل يمتن علينا فيقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء:70]. فحينما نتشبه بهؤلاء العجماوات نكون قد تخلينا عن هذا التفضيل وتركنا هذا التكريم الإلهي، فكمال الإنسان وصلاحه إنما يكون في الأمور التي تناسبه وتلائمه.

خامساً: ما هي الأبواب التي يدخلها التشبه؟
أفعال الكفار على ثلاثة أنواع:
الأول: ما كان من جنس العبادات أي ما فعلوه على سبيل الديانة، فهذا لا يجوز أن نتشبه بهم فيه، أو في شيء منه، سواء انتشر عند المسلمين أو لم ينتشر.
النوع الثاني: العادات والأخلاق، فما كان من عاداتهم وأخلاقهم، فهذا إن كان من خصائصهم فلا يجوز لنا أن نتشبه فيه، فإذا تفشى في الناس فلا بأس من فعله، ما لم تتصادم هذه الأخلاق والمعاملات مع شريعتنا الغراء.
النوع الثالث: ما كان من الصنائع والأعمال، فإن العلم رحم بين الناس، ولا يختص بأمة دون الأمم، هذه الصناعات والمبتكرات والعلوم التجريبية النافعة وما توصلوا إليه من ألوان التقدم المادي لا شك أنه مطلوب، وأن الأمة يجب عليها أن تحصل أسباب القوة، وأن تأخذ بها؛ لتكون أمة قوية ممكنة في الأرض، فالتقدم المادي لا يختص بهؤلاء الكفار، فإذا أخذنا منهم العلوم النافعة المادية، وأخذنا منهم ألوان المهن والصناعات التي يحتاج إليها المسلمون، فإن ذلك ليس من قبيل التشبه بهم، بل هو أمر مطلوب. والله عز وجل يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60].

فلا يفهم أحد أن الكلام عن التشبه أن المقصود به أن نترك ما عليه هؤلاء، بل إذا أردنا أن نتكلم بطريقة الحصر العقلي وهي ما يسميه أهل المنطق وأهل الأصول بالسبر والتقسيم العقليين، إذا أردنا أن ننظر إلى مخرجات الحضارة الغربية، فنقول: إنها لا تخلو من أربعة أقسام لا خامس لها، الموقف منها لا يخرج إلى قسم خامس. إما أن يقول قائل: أن نرفض جميع ما أخرجته وأنتجته هذه الحضارة الغربية بحلوها ومرها، بصالحها وطالحها، وهذا لا يقوله عاقل. وإما أن نقول: أن نأخذ بحلوها ومرها بنافعها ومضارها كما قال بعض دعاة التغريب وهذا لا يجوز بحال من الأحوال، ولا يقوله عاقل، وأما أن نقول: إننا نأخذ الضار فقط ونترك النافع، وهذا لا يقول به أحد.

والقسم الرابع هو أن نأخذ النافع فقط ونترك الضار، هذا هو الواجب علينا، هذا الموقف الصحيح والموقف الشرعي من مخرجات الحضارة الغربية. النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الكفار في أشياء كحفر الخندق؛ إذ لم يكن معهوداً عند العرب، ولم يعرفه المسلمون، فلما جاءت الأحزاب من كل ناحية إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، فهي خطة عسكرية فارسية استفادها النبي صلى الله عليه وسلم، وما قال: هذه خطة قذرة نجسة أنتجتها أفكار الكفار، ما قال ذلك.

وكذلك أيضاً استعمال المنجنيق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمله في حصار الطائف، وذلك كان معروفاً عند الفرس، فهي قضية عسكرية، إنتاج عسكري فارسي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وانتفع به، ولم يكن معهوداً عند العرب، ولم يكن ضمن أسلحتهم، وكذلك أيضاً تدوين الدواوين الذي كان في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر الناس وانتشر الجند لم يعد يعرف من خرج في الجيش أو السرية ومن لم يخرج، فأشار المغيرة بن شعبه رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضع الدواوين التي يكتب فيها أسماء الناس -أسماء الجند والمقاتلة- فيعرف من تخلف، ويعطون أرزاقهم ورواتبهم، وكانت هذه معمولاً بها عند الروم، ولم تكن معروفة عند المسلمين، ولم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعلها أبو بكر، ولم يقل عمر رضي الله عنه: إن هذه قضية أنتجتها عقول الكفار.

سادساً: لا تتشبه بهؤلاء:
لما كان تمييز الشريعة الإسلامية للمسلمين مقصوداً، ولما كان تميز هذه الشريعة أيضاً عن غيرها مقصوداً للشارع، وكان الشأن أن يكون المسلم على أكمل الأحوال اللائقة، جاءت أحكام الشرع بالمنع من التشبه بالكفار وبناقص الديانة وناقص العلم، كما تضمنت حفظ مقتضى الفطرة، فمنعت من تشبه الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، كما رفعت شأن المسلم، وأكرمته فمنعته من التشبه بالحيوانات، وكذلك نزهته عن أخلاق الشياطين فمنعته من التشبه بهم.

فمن هؤلاء الذين لا يجوز لنا من التشبه بهم بحال من الأحوال:
أولاً: الكفار، ويدل على ذلك أدلة كثيرة، فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18]. فكل ما خالف هذه الشريعة من أعمال الكفار فإنه من أهوائهم. وكذلك يقول الله عز وجل: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48].
والله جل وعلا منع المؤمنين أن يتلفظوا بكلمة لربما نتوهم أنها يسيرة، إلا أنها ليست كذلك ففها نحاكي المشركين وإن كانت مع اختلاف القصد، إنها كلمة واحدة ومع ذلك نهينا عنها؛ ذلك أن اليهود كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: "راعنا"، يقصدون به وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرعونة، وحاشاه من ذلك عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل أدب المؤمنين، فقال ناهياً لهم أن يحاكوا المشركين في مثل هذا الكلام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة:104]. نهاهم عن هذه الكلمة التي شابهوا اليهود فيها في الظاهر مع اختلاف القصد.

والله ينهانا أيضاً عن مشابهة المشركين في قسوة قلوبهم؛ كما قال الله عز وجل: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد:16]. وقد أخرج أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقومٍ فهو منهم» (أخرجه أبو داود).

فهذا الحديث فيه وعيد لهؤلاء المتشبهين بأعداء الله عز وجل.

ومما يدل على ذلك أيضاً حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم على سبيل التحذير والذم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (أخرجه البخاري.

وهذا يشمل المحاكاة لهؤلاء في عباداتهم وعاداتهم، ولهذا جاء الفرق بين صيامنا وصيامهم بأكلة السحر، كما أخرج مسلم ذلك في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (أخرجه مسلم).

وكذلك في عاشوراء كما سبق بيانه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» (سبق تخريجه). وفي رواية: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع» (أخرجه مسلم).

وقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً المشركين حيث دفع من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس، وكان المشركون ينتظرون طلوع الشمس، ويقولون: "أشرق ثبير كي ما نغير" أي ينطلقون من مزدلفة إذا ظهرت الشمس وارتفعت فوق هذا الجبل الذي ينظرون إليه في جهة المشرق. وهكذا في الإعلام بالصلاة، فقد اقتُرح على النبي صلى الله عليه وسلم البوق فأمتنع؛ لأنه من أمر اليهود، فاقتُرِح عليه الناقوس قبل الأذان، فامتنع؛ لأنه من أمر النصارى، واقتُرح عليه الصلاة والسلام النار فامتنع؛ لأنه من أمر المجوس، وكما نهينا أيضاً عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر كما سبق

وكذلك يضاً لا نحاكي هؤلاء في عاداتهم ومظاهرهم المختصة بهم، ويدل على ذلك ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حينما رأى عليه ثوبين معصفرين: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» (أخرجه مسلم).

ومن ذلك أيضاً حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار، بيض لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار، حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب»فقالوا: إن أهل الكتاب يتسرولون، يعني يلبسون السراويلات ولا يأتزرون، فقال: «تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب»، فقالوا: إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، يعني يلبسون الخفاف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب»، فقالوا: إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم، قال: «قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب» (أخرجه أحمد).

ومن ذلك أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى خالفوا المجوس»(أخرجه مسلم)، ومن ذلك حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصاري فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف» (أخرجه الترمذي) أي من غير نطق، وليس معنى ذلك أنه لا يجوز للإنسان أن يشير بيده إذا سلم، لكن إذا كان الإنسان بعيداً لا يسمعك فيمكنك أن تشير إليه مع إلقاء السلام.

ومما يدخل في جملة الكفار الذين نهينا عن مشابهتهم أهل الجاهلية، والجاهلية هي الحالة التي كان عليها الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفي لمعرفة قبحها عنوانُها؛ فعنوانها يدل عليها، فهي منسوبه إلى الجهل، والجهل خلاف العلم ومن يرضى من الناس أن ينسب إلى الجهل؟!
جاء من حديث ابن عباس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة..» وذكر منهم: «ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية» (أخرجه البخاري).

وفي حديث جابر في ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم معلناً سقوط أمور الجاهلية كلها: «ألا أن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (أخرجه مسلم).

وقد رأى الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه امرأة حجت مصمتة لا تتكلم صامتة في حجها فسأل عنها، قالوا: حجت مصمتة، فقال: هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، حيث كان الناس في الجاهلية يتقربون إلى الله عز وجل بهذا، يحج الواحد ولا يتكلم حتى يرجع من حجته.

النوع الثاني: ممن نهينا عن التشبه بهم، وهم أهل الأهواء والبدع وعرفنا الحكمة من هذا المنع، والمقصود بالبدعة: هي الطريقة المخترعة في الدين التي تضاهي الشريعة حيث يقصد بالسلوك عليها، ما يقصد بالطريقة الشرعية، والقاعدة في هذا الباب هي: أنه تجب مخالفة أهل البدع في ما عرف كونه من شعارهم الذي انفردوا به عن جمهور أهل السنة، وإن صح مستندهم فيه. يتضح لكم هذا بمثال: هل سمعتم أحداً يقول: قال أبو بكر الصديق كرم الله وجهه؟ لا، وهل سمعتم أحداً يقول: قال أبو بكر الصديق عليه السلام ؟ الجواب: لا.
ولكن سمعنا كثيراً من يقول: قال علي كرم الله وجهه، قال علي عليه السلام ، فهل هذا الكلام الذي قيل هو حق أو باطل؟

لا شك أنه حق، وأن علياً رضي الله عنه مستحق لذلك، علي كرم الله وجهه، هو من خيار الصحابة، ولكن تخصيص علي بذلك فيه مضاهاة لبعض أهل البدع، ومن ثم يقال ليس لصاحب السنة أن يضاهيهم في ذلك، وإنما يترضى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، فلو قال ذلك أحياناً فإنه لا يخص أحداً دون غيره، فلا بأس أن يقول: قال أبو بكر كرم الله وجهه، قال: أبو بكر عليه السلام، ويقول: قال علي عليه السلام، أما أن يخص ذلك بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره، فيكون ذلك شعاراً له، فإن هذا مضاهاة لبعض أهل البدع.

ثالثاً: ممن نهينا عن التشبه بهم وهم الفساق، وعرفنا الحكمة من ذلك، والفسق: هو الخروج عن طاعة الله عز وجل، أو هو تجاوز الحد بالمعصية، وترك الطاعة، وعليه متى يكون الإنسان فاسقاً؟
يكون الإنسان فاسقاً إذا فعل كبيرة ولم يتب منها أو بغلبة الصغائر عليه، والمداومة والإصرار عليها، والقاعدة في هذا الباب أن كل ما انفرد به أهل الفسق من الهيئات والأزياء فإنه يمنع التشبه بهم فيه، وما كان شعاراً للفساق أو النساء الفاسقات فليس للإنسان الذي هو على تقوى وصلاح وديانة أن يتشبه بهم في ذلك، وإن كان الفعل في أصله من الأمور المباحة، ما الدليل على ذلك؟ الله عز وجل يقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر:19]. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (سبق تخريجه).

ولا شك أن هذا التشبه بهؤلاء يفضي إلى مفاسد حيث أن الإنسان لربما يفعل فعلهم، ويقارف ما قارفوه، مما أوجب لهم الفسق من معصية الله عز وجل. ومثال ذلك تشقير الحواجب بالنسبة للمرأة، أو حف الحواجب ونتف الحواجب، فهذا لا شك أنه نمص، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» (أخرجه البخاري). فهذا من الكبائر ومن فعلته فهي فاسقة، لكن ما حكم تشقير المرأة لحاجبها؟ نقول: تكون بذلك متشبهة بالنامصة أليس كذلك؟ متشبهة بهذه الفاسقة، فليس لها ذلك.

الرابع: ممن ورد النهي عن مشابهته أن يتشبه الرجل بالمرأة، أو أن تتشبه المرأة بالرجل، والقاعدة في هذا الباب أن يُقال: كل ما أختص به الرجال شرعاً أو عرفاً منع منه النساء، والعكس، شرعاً المرأة اختصت بالحجاب أليس كذلك؟ هل يجوز للرجل أن يلبس الحجاب؟ لا، هذا مما اختصت به المرأة شرعاً. ومثل لذلك ما اختص به أحدهما عرفاً، فالرجل اختص بهذه العمامة، هل يجوز للمرأة أن تلبس هذه العمامة والعقال مثلاً؟ الجواب: لا.
الرجل عرفاً اختص بلبس الثوب القميص فهل يجوز للمرأة أن تلبسه؟ الجواب: لا يجوز للمرأة أن تلبس زي الرجل وإن لم يكن ذلك من قبيل التخصيص الشرعي، لكن في عرف الناس صار ذلك مختصاً بالرجل.

لكن لو انتقلنا إلى بلد آخر أو بعد تطاول القرون صار المرأة تلبس هذا القميص والرجل يلبس شيئاً آخر، فهل يُقال: إنها في ذلك البلد متشبهة؟ الجواب: لا يقال: إنها متشبهة.
وقاعدة أخرى مفيدة في هذا الباب، وهي أن يقال: كل ما يجري على الرجال والنساء في هذا الباب يجري على الصغار من الذكور والإناث، فليس لك أن تأتي إلى صبي صغير وتلبسه ملابس البنت. بعض الناس يفعلون هذا؛ لأنهم لا يوجد عندهم بنات مثلاً بل كل الذي عندهم ذكور فيلبسونه زي بنت ويدعونه على سبيل التمليح باسم بنت، ولربما ألبسوه الحلي! فلا شك أن هذا إفساد لفطرته. وقد أخبرني بعض الأعضاء في الهيئة عن حالات يقبضون فيها على بعض هؤلاء الذين انتكست فطرهم من الجنس الثالث، ولمَّا يسألونه ما الذي حمله على ذلك؟ بعضهم يقول: كنت صغيراً في بيت لا يوجد فيه بنات فكان أهلي منذ الصغر يلبسونني زي البنات، ويدعونني باسم بنت، ويلبسوني الحلي!!.

وما الحليُّ إلا زينة من نقيصة *** تتمم من حسنٍ إذا الحسن قصرا
أما إذا كان الجمال موفراً *** فحسنك لم يحتج إلى أن يزورا

فالرجل فيه هذا الجمال الطبيعي فهو ليس بحاجة إلى قلادة، وليس بحاجة إلى أساور، فلا يجوز للرجل أن يتشبه بالمرأة فيما كان من خصائصها التي عرفت بها، أو فيما كان يتعلق بتخصيص الشارع لها في بعض الأمور. وكذلك بالنسبة للصغار لا نلبس الصغير لباس البنات ولا تلبس الصغيرة لباس الأولاد.

قاعدة أخرى:ما حرم لبسه لم تحل صنعته ولا بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم،، فلا يجوز لباس الصليب ولا الزنار، هل يجوز لأحد أن يصنع الصليب والزنار؟ الجواب: لا.

الألبسة الخاصة بالكفار هل يجوز لأحد أن يفتح مشغلاً ليخيطها للمسلمين؟ الجواب: لا، فكل ما حرم لبسه حرم ببيعه وصنعته لمن يلبسه ممن يحرم عليه لبسه، ما الدليل على منع تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال؟ الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في حديث ابن عباس: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء" وقال: «أخرجوهم من بيوتكم» (أخرجه البخاري). وفي لفظ: "لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (أخرجه البخاري).
هذه بعض الأدلة وهناك أدلة أخرى تدل على هذا المعنى، وهي كثيرة على كل حال، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

وأمر خامس: ممن نهينا عن التشبه بهم وهم الأعراب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس: «من سكن البادية جفا» (أخرجه أبوداوود). وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: «الإيمان يمان هاهنا، ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر» (أخرجه البخاري)". فالجفاء والغلظة عند رعاة الإبل، من ربيعة ومضر. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل» (أخرجه مسلم).

البادية كانوا يسمون صلاة العشاء العتمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من أن يغلب تسمية الأعراب على العشاء، فهذا لا شك أنه يدل على منع التشبه بهؤلاء الأعراب في خصائصهم، وأعني بذلك ما كان من قبيل الجفاء والغلظة والشدة وما إلى ذلك مما لا يجمل ولا يحسن.

والنوع السادس: ممن نهينا عن التشبه بهم أيضاً هم الأعاجم، والأعاجم على نوعين:
الأول: أعاجم من الكفار، فأدلة منع التشبه بالكفار تكفي في هذا.
والقسم الثاني: هم الأعاجم من المسلمين، أما الأعاجم من الكفار، فيحرم التشبه بهم مطلقاً في خصائصهم الدينية، وفي خصائصهم العادية، يعني التي من باب العادات. وأما التشبه بالأعاجم من المسلمين، فما كان من خصائصهم فإنه لا يحسن ولا يجمل أن يفعل، لماذا؟ لأن ما عليه هؤلاء الأعاجم مما ينفردون به لا شك أنه نقص عما عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. فالقاعدة في هذا الباب وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الشريعة إذا نهت عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفارقديماً وحديثاً، ودخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون.

إذن: خصائص الأعاجم ولو كانوا من المسلمين لا يجمل بنا أن نتشبه بهم فيها، لكن هل هذا على سبيل التحريم بالنسبة للمسلمين؟ الجواب: لا، وإنما على سبيل الكراهة.
مثال ذلك: النساء الآن عندهن موضة يسألن عنها دائماً تقول المرأة: ما حكم لبس البنجابي؟
نقول: هذا من زي العجم، نعم هم من أعاجم المسلمين، لكن لا يحسن أن تتشبهي بهم فيما كان من خصائصهم. لكن لو كان هذا البنجابي صار ذائعاً شائعاً بين الأمم عند العرب وعند غيرهم فلا إشكال، لكن هل يحرم عليها أن تلبس هذا البنجابي؟ الجواب: لا، لا يحرم عليها؛ لأنها لم تتشبه بالكفار، وإنما تشبهت بالأعاجم المسلمين، لكن ذلك لا شك أنه نقص، فنحن لما وقعنا فيما وقعنا فيه من اللهاث وراء الأمم في البحث عن شيء نفعله أصبحنا نجمع من هاهنا وهاهنا؛ لعلنا نحصل بذلك ألوان الكمالات.

وهنا قاعدة تتعلق أيضا بالتشبه بالأعاجم وهي: تطلب مخالفة الأعاجم، وأما تحريم موافقتهم أو كراهتها فعلى حسب المفسدة الناشئة عنها، وقد يختلف في ذلك وقد تباح للضرورة، وهذه القاعدة ذكرها المقري رحمه الله في كتاب القواعد وتفهم مما سبق.

الأدلة على منع التشبه بالأعاجم:
من الأدلة على منع التشبه بالأعاجم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالظفر، وعلل ذلك بأنه مُدى الحبشة، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فندَّ بعير من الإبل، قال: فرماه رجل بسهم فحبسه، قال: ثم قال: «إن لها أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا»، قال: قلت: يا رسول الله، إنا نكون في المغازي والأسفار فنريد أن نذبح فلا تكون مدىً، قال: «أرن ما نهر أو أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، غير السنّ والظفر، فإن السنَّ عظم والظفر مدى الحبشة» (أخرجه البخاري).

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما صلى قاعداً وصلوا خلفه قياماً، قال: «إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم» (أخرجه مسلم).فذكر هؤلاء الأعاجم ونبه إلى ترك التشبه بهم. وهنا ملحظ ينبغي التنبه له وهو أن هناك فرق في مسألة النهي عن التشبه بالكفار والشياطين، وبين النهي عن التشبه بالأعراب والأعاجم، فما هذا الفرق؟

الفرق هو أن الكفر والشيطنة مذمومان لذاتهما، هي أوصاف ذميمة لذاتها، وأما العجمة وكون الإنسان أعرابي من أهل البادية فإن ذلك ليس مذموماً في ذاته، والله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:«يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» (أخرجه أحمد).

ولكن قيل بمنع التشبه بهم فيما كان من خصائصهم؛ لأنه مظنة النقص، وليس معنى ذلك القدح بهم وذمهم؛ لأنهم أعراب، أو لأنهم أعاجم.

النوع السابع: ممن نهينا عن التشبه بهم هم الشياطين، فلا يجوز أن نتشبه بهم في أخلاقهم وأعمالهم ومظاهرهم وما إلى ذلك، لا على سبيل الجد ولا على سبيل اللهو والهزل.
وللأسف فإننا نجد في المسرحيات والتمثيليات من يمثل دور الشيطان، أو دور الكافر، أو دور الفاسق، أو نحو ذلك، وهذا كله من التشبه بالشياطين الذي يحرم على المسلم أن يفعله.
ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نأكل باليمين، وأن نشرب باليمين، وعلل ذلك بأن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشمال» (أخرجه مسلم).

ونهى عليه الصلاة والسلام عن التشبه بالحيوانات كما دلت على ذلك الأحاديث، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم مرفوعاً قالت: "وكان عليه الصلاة والسلام ينهى عن عقبة الشيطان" (أخرجه مسلم). قال الإمام النووي: وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق إلييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع (شرح النووي على مسلم). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث ونهاني عن ثلاث أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب" (أخرجه أحمد) كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البروك في الصلاة كبروك البعير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير.. » (أخرجه أبو داوود).

سابعاً: من صور التشبه في واقعنا وحياتنا المعاصرة:
أولاً: من صور التشبه في المظاهر: من ذلك ما انتشر بين نساء المسلمين من حلق الحواجب تماماً، ووضع خط أسود مكان ذلك، الرموش الصناعية، والأظافر الصناعية، والرسومات على الظهر والبطن، ووضع حلقة معدنية تحت الشفة السفلى، أو في السرة أو في الظفر حينما يخرم أو تخريم الأذن إلى أعلى بخمس خرومات أو أربعة وتوضع الحلق فيها، والنقش بالحناء ما يسمى بالتاتو على العضد والكتف على شكل تنين أو غير ذلك، تقليداً لمطربة يقال لها مادونا.
كذلك القصات، قصة الكاريه المدرجة، والكلاسيكية وغيرها وقصة كابوريا وقصة البوي وصبغة شاكيرا، وهي راقصة من الراقصات، تمويج شعر شاكيرا حساب شاكيرا، تسريحة التايتنك، وأشياء عجيبة غريبة، انتشرت بين نساء المسلمين، كل ذلك للأسف الشديد لما خلت النفوس من الهم الذي ينبغي أن يملأها من الإقبال على الله عز وجل وعلى عبادته وتحقيق العبودية ظاهراً وباطناً في نفوس هؤلاء.

ومن ذلك لباس الثياب السوداء عند المصائب والأحزان، فإن هذا من شعار النصارى، وكذلك ما يفعل في الأعراس، ما الذي نفعله أحياناً في الأعراس؟
في بعض المواقع في الانترنت التي تشرح الديانة المارونية أو المذهب الماروني النصراني هذا موقع ماروني ليس موقعاً إسلامياً. المارونيون وضعوه يشرحون فيه دينهم، يقولون في بعض هذه الطقوس: الدبلة: هي رمز على السلطان، واستدارتها رمز للكمال، ووضعها في الأصبع الرابع البنصر رمز إلى ختم القلب الشريك؛ لأن الأصبع، هي الأقل حركة، ويقولون: هذا رمز للثبات، ولماذا يوضع في اليد اليسرى؟ يقولون: رمز لخضوع كل من الزوجين للآخر، فهل يعي لابس الدبلة هذا المعنى؟
أتدرون ماذا يفعل هؤلاء وماذا يقصدون؟

يأتون بهذه الدبلة ثم يضعونها في الأصبع الأولى الإبهام أو الخنصر ويقولون: باسم الأب يعنون الله سبحانه وتعالى، ثم يخلعونها ويضعونها في السبابة ويقولون: باسم الابن وهو عيسى صلى الله عليه وسلم حيث زعموا إنه ابن الله، ثم يضعونها في الوسطى ويقولون: باسم روح القدس وهو جبريل ثالث ثلاثة، يعتقدون التثليث، ثم يضعونه في البنصر ويقولون: باسم الزوج إذا وضعوه في يد الزوجة وإذا وضعوه في يد الزوج قالوا: باسم الزوجة. ويقولون: إن في هذا الإصبع عصباً يوصل إلى القلب، فإذا وضع في يد المرأة أو الرجل صار هناك اتصال فبقيت المودة.

هذه خرافة، وإلا كم رأينا من رجال ونساء يلبسون هذا وحصل بينهما ألوان من المشاكل والطلاق كما هو مشاهد؟
فلو قال قائل: هذا انتشر عند المسلمين وعند غيرهم، فهل يحرم علينا أن نفعله؟ فكيف نجيب بناءً على القواعد السابقة؟
نقول: يحرم، لماذا يحرم مع أنه انتشر؟ نقول: لأنه من خصائصهم الدينية، وخصائصهم الدينية لا ينظر فيها إلى الانتشار، ولا ينظر فيها إلى القصد، لو قال إنسان: أنا ما أقصد قصدهم، ولم أعرف هذه الأشياء أصلاً، نقول: لا ينظر إلى الانتشار والذيوع ولا ينظر فيها أيضاً إلى قصد الفاعل. الإكليل الذي يوضع على الرأس في الأعراس يقولون: هو رمز للسلطان، ولماذا يوضع على الرأس؟ يقولون: رمز لتكرس كل من الزوجين للآخر ولانتصارهما للشهوة، كذلك أيضاً الطرحة أو الفستان اللباس المعروف يقولون: هو رمز للعذرية والبتولية.
إذن: هذه الطرحة من خصائص النصارى الدينية، لا يجوز للمسلمة أن تلبسها، ولو لبسها أهل الأرض جميعاً.

كذلك لبس العروس للثوب الأبيض، لماذا اللون الأبيض؟ يقول النصارى: هذا رمز للنقاوة والطهارة، ولين العيش والسلام والأمان، فإذا كان النصارى يقولون هذا الكلام، فلماذا لا تلبس المرأة المسلمة فستاناً عادياً في ليلة زواجها بأي لون من الألوان؟ لماذا تصر على اللون الأبيض؟
تقول يضحك مني الناس لو خرجت بفستان آخر، نقول: وما شأن هؤلاء الناس الذين لا يفقهون، لو شرحت لهم هذه القضايا ماذا سيقولون؟ هل يفقهونها؟.
ومن ذلك أيضاً بعض الاحتفالات التي يفعلها بعض المسلمين بما يسمى هولوود، وهذه طقوس للأسف وجدت عند المسلمين وانتقلت إليهم من الهندوس، حتى الهندوس أصبحنا نقلدهم!.
يأتون بالمرأة العروس ويضعونها على كرسي يضعون أمامها فاكهة، ثم يأتي الرجال والنساء ويطعمونها من هذه الفاكهة، ثم يضعون هذا الهولوود وهو زينة توضع على الرأس يضعونه على رأسها.

ثانياً: التشبه بهم في أعيادهم: ما هو الضابط الذي نعرف فيه فعلاً أننا تشبهنا فيه بأعيادهم أو لا؟
نقول: لا تحدث شيئاً في أعيادهم إطلاقاً، ولا تغير من نمط حياتك لا بلباس ولا بحلوى، ولا بمأكولات، ولا باجتماعات ولا تزيين للبيت أو إخراج الأطفال إلى الملاهي والأماكن أو نحو ذلك. لا تغير النمط المعهود لك في بيتك، تكون على الوضع الطبيعي، لا تخص هذه الأعياد بصيام ولا وليمة ولا تهاني، ولا بطاقات، ولا هدايا، ولا ألبسة معينة، ولا تلبس الجديد، لا تغير، كن على وتيرتك التي كنت عليها.

ما الدليل على ذلك؟
الدليل هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة كما نعلم وجد أهل المدينة من الأوس والخزرج يلعبون في يومين، فسأل عنهما فقيل: هما يومان يلعبون فيها، يعني أعياد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر» (أخرجه أبوداوود). والنبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال للرجل الذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة؟ (بوانه هي هضبة من وراءينبع قريبة من ساحل البحر)، سأله النبي صلى الله عليه وسلم أو سأل الصحابة: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعياده؟»، قالوا: لا، قال: «أوف بنذرك» (أخرجه أبوداوود).

فقد دل هذا الحديث على أنه لو كان فيها عيد من أعيادهم، والعيد قد يكون زمنياً بوقت أو تاريخ معين، أو مكانياً بحيث يجتمعون في مكان معين ويحتفلون فيه، فهذه أعياد، فلا يجوز أن نوافقهم فيها. والخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم" (أخرجه هذا الأثر عبد الرزاق)، وقال رضي الله عنه: "من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" (أخرجه البيهقي).

ومعلوم أن العيد من شرائعهم، فإذا هنأهم العبد أو شاركهم في شعائرهم فكأنه كما قال ابن القيم رحمه الله هنأهم على عبادة الصليب، أو عبادة الصنم أو نحو ذلك.

كيف تهنئهم بشعائرهم وشرائعهم المحدثة التي حرم الله عز وجل مقارفتها؟

أضف إلى ذلك ما يؤثره هذه المشاركة من موافقتهم في أعيادهم من سرور قلوبهم وقوتها، واضمحلال أعياد المسلمين، واعتزاز العامة والتوسع في المشابهة، والميل إليهم.
والقاعدة أيضاً التي يحتاج إلى معرفتها في هذا الباب أن حريم الشيء يدخل فيه: وهذه قاعدة مهمة، والمقصود بحريم الشيء ما حف به قبله وبعده مما يفعل من الطقوس المحيطة به.
قد يقول الإنسان: أنا لا أريد أن أحتفل بعيد الكريسمس أو عيد الميلاد، أو عيد الشجرة، أو يوم المعلم، أو غير ذلك من الأعياد المحدثة، فأحياناً يقول: أنا أريد أن أجعله قبله بأسبوع أو بعده بأسبوعين.
نقول: لا يجوز؛ لأن الباعث والمحرك لك على قيامك بهذا العمل هو هذه المناسبة، وإن أخرتها أياماً أو قدمتها أياماً، فهذا من جنس الاحتفال بأعيادهم، وهذا المعنى ذكره الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله. أعياد المشركين كثيرة جداً، ولو أردنا أن نتابعها لما وفى بذلك هذا المجلس. ومن هذه الأعياد عيد شم النسيم: عيد فرعوني أخذه عن بنو إسرائيل، ثم انتقل إلى الأقباط، فاليهود زعموا أنه يوافق اليوم الذي نجى الله فيه موسى، وخرجوا من مصر وسموه عيد الفسح، يعني العبور والخروج من مصر، ثم انتقل إلى النصارى حيث زعموا أنه موافق لقيامة المسيح. ومن هذه الأعياد عيد الحب، وما أدراك ما عيد الحب؟ هو عيد من أعياد الرومان الوثنيين، ثم انتقل إلى النصارى لهم أعمال فيه، ولهم خرافات غريبة لا أطيل بذكرها، يوزعون فيه بطاقات في بعضها صورة كيوبيد، وهو طفل له جناحان يحمل قوساً ونشاباً، وهو إله الحب عند الرومان. ويتم فيه تبادل الورود الحمراء، وتبادل كلمات الحب في بطاقات التهنئة، وحمل أشياء حمراء كالشرائط التي تضعها المرأة أو البنت في شعرها أو نحو ذلك.

ومن ذلك أيضاً عيد ميلاد المسيح المسمى بالكريسمس، وكان الرومان يحتفلون بإله الضوء وإله الحصاد، ثم انتقل إلى النصارى.

ومن أعمالهم فيه أيضاً أنهم يضعون شجرة يسمونها شجرة الميلاد، وهذه أول ما وجدت عند الفراعنة، وعرفت عند الصينين والعبرانيين كرمز للحياة السرمدية الأبدية، ثم انتشرت عند الوثنيين من الرومان في أوروبا، ثم انتقلت إلى النصارى لما دخلوا في النصرانية، يعتقدون فيها أنها تطرد الشياطين من البيت إذا وجدت فيه هذه الشجرة.

ومن ذلك عيد رأس السنة الميلادية فيه لهم اعتقادات وخرافات باطلة يعتقدون مثلاً أن آخر كأس بشرية الإنسان من قنينة الخمر يكون هذا الكأس مباركاً، ويكون له حظ سعيد.

ويعتقدون أيضاً أن كنس الدار في تلك الليلة شؤم وكنس للحظ، وأن غسل الأواني غسل للحظ.

ومن تلكم الأعياد المخترعة: عيد الأم، وعيد الثورة، وعيد الاستقلال، وعيد المولد، وأسبوع الشجرة، وأسبوع المعلم وما إلى ذلك من الأعياد الكثيرة، كلها أخذناها منهم، وإلا فليس عندنا إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، والتسمية لا تغير من حقيقة الحكم شيئاً.

والثالث: من الأمور التي يتشبه بهم فيها: اللغة: اللسان العربي هو شعار أهل الإسلام، من أعظم شعائر الأمم التي تميزهم، واعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين. ولا شك أن استعمال لغة الكفار يؤثر في اندراس لغتنا العربية، وفيه إحياء لمآثر العجم، وكم تنتقل مآثرهم وأخلاقهم وآدابهم وأذواقهم وعاداتهم عن طريق تعلم لغاتهم. ومما يدخل في هذا من محاكاتهم في لغتهم استعمال تسمياتهم التعبدية، أن نطلق الكريسمس على الأعياد، وكذلك تغيير الأرقام العربية حيث أن بعض الناس يقولون: أصل هذه الأرقام العربية هندية، والأرقام اللاتينية هي الأرقام العربية؟

نقول: أولاً: لا يوجد شيء يثبت هذا، الأمر الآخر: أن هذا قد نُسي، وأصبحت هذه الأرقام العربية هي التي تعرف، أما تلك فهي أرقام لاتينية هكذا عرفت، ولا شك أن هذا يجر إلى أمور أخرى كتغيير الحروف العربية بحروف لاتينية، وقد صدر قرار من هيئة كبار العلماء ومن المجمع الفقهي بمنع تغيير الأرقام العربية إلى أرقام لاتينية. ومن ذلك أيضاً تسمية الأشخاص بالأعجمية مثل: بطرس، جرجس، جورج، ديانا، سوزان، يارا، روز، جيهان وما أشبه ذلك. ومما يدخل في محاكاتهم تسمية المحلات والمتاجر والشقق المفروشة وصوالين الحلاقة وغير ذلك بالأسماء الأعجمية. ومما يدخل في محاكاتهم في اللغة: استعمال التقويم الميلادي، بل هذا قائم بذاته وليس من أمور اللغة. التقويم الميلادي يرتبط بقضية دينية عندهم، وهي ميلاد المسيح بزعمهم مع أنه لا يثبت أنه ولد في هذا التاريخ. والتقويم الميلادي يرتبط بأعيادهم، كما أن استعماله يكون على حساب التاريخ الهجري الإسلامي، ويفضي إلى ربط أجيال المسلمين بتاريخ النصارى.

ومن الأمور التي لا نتشبه بهم فيها إحياء الآثار، فنابليون حينما جاء بالحملة الفرنسية إلى مصر جاء ومعه 146 عالم أحيوا الآثار الفرعونية، وأحيوا في كل بلد مآثر الجاهلية، وأرادوا أن يربطوا المسلمين بما كان الناس عليه قبل الإسلام في تلك البلاد. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جملة من الأمور التي حاكت فيها هذه الأمة الكفار، ووقعت فيما وقعت ففيه مثل الحسد، وكتمان العلم، وأنهم لا يقبلون الحق إلا إذا كان من طائفتهم، أو جاء به متبوعهم، وكذلك التحريف للمعاني وللألفاظ، والغلو في الصالحين، وطاعة الأحبار والرهبان والعلماء في التحليل والتحريم، الرهبانية، وبناء المساجد على القبور، والسماع للمعازف، فكل طائفة تنتقص الأخرى وتحتقرها ولا تراها شيئاً، بل ترى أن الكمال عندها، وأنها هي الأفضل وأن الناس يجب أن يأخذوا كل ما يقولونه ويفعلونه، وكذلك وقعت قسوة القلوب، وكل هذا من أخلاق أهل الكتاب التي حذرنا لله منها، وقد وقعت فيها طوائف من هذا الأمة.

ثامناً: ما هي أسباب التشبه؟
ما الذي يوقعنا في هذا التشبه؟
أقول: على سبيل الاختصار، الأمة مرت بمرحلتين المرحلة:
الأولى: وهي مرحلة الانبهار، حينما رأوا مظاهر الحضارة الغربية.
المرحلة الثانية: مرحلة الاستعمار والتغريب والطمس بمعالم الشخصية الإسلامية.

هناك أسباب داخلية وهناك أسباب خارجية أدت إلى وقوع المشابهة:
من الأسباب الداخلية: الانحراف العقدي، والانحراف في حقيقة الإيمان، كظهور ظاهرة الإرجاء الذي يقوم على مقالة: لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة، فصار الإيمان عند كثير من الناس مجرد لفظة تُقال باللسان، فحاكوا المشركين، وفعلوا ما لا يليق، وانطمست معالم الإسلام عندهم، وكل ذلك بناءً على ذاك الخلل في الاعتقاد. وكذلك الانحراف في مفهوم التوكل على الله عز وجل حيث صار تواكلاً، وتركوا الأسباب في عمارة الدنيا والقيام بما أمرهم الله عز وجل به من إعداد القوة فتخاذلوا. ومن ذلك الانحراف في مفهوم القضاء والقدر، فصار باعثاً عند بعض هؤلاء المنحرفين على ترك الأخذ بالأسباب، وإذا وقعت الكارثة والمصيبة وجاء العدو واحتل بلاد المسلمين، قالوا: هذا قضاء وقدر، وإذا وقعوا في الضعف والعجز والمهانة والمسكنة قالوا: هذا قضاء وقدر، ولم يدافعوا القدر بالقدر.

وهناك أمر آخر سوى الانحراف العقدي، وهو الركود العلمي، حيث توقفوا عن الابتكار والتطوير. كما توقف الفقهاء أو أغلبهم عن الاستنباط واستخراج الأحكام للمسائل النازلة، بل قال قائلون: بأن الاجتهاد قد توقف، فصار الناس بحاجة إلى أحكام جديدة بحسب الوقائع التي تحصل لهم، فاحتاجوا إلى أن يستوردوا النظم والقوانين الغربية لتسديد هذا النقص.
ومن ذلك أيضاً التنازع السياسي، حيت أنهكت الأمة واستنفذت طاقاتها وممتلكاتها وقدراتها وأموالها في صد عادية هؤلاء في هجومهم وتطاحنهم وصراعاتهم، وتوقف النمو والتطور في جميع المجالات.

ومن ذلك التعصب المذهبي، إذ صار جلّ الاهتمام عند إتباع كثير من المذاهب في تقرير مذاهبهم وتقعيدها وتأصيلها، وكان ذلك على حساب الاستنباط واستخراج الأحكام للنوازل الجديدة، مما أدى إلى تلاشي الاجتهاد، ومن ذلك التخلف المادي والاقتصادي ولا يخفى أثر ذلك.

وهناك أسباب خارجية: منها الحروب الصليبية التي استمرت على مدى قرنين من الزمان، ولك أن تتصور أن بيت المقدس دخله من الهمج كما وصفهم بعض المؤرخين من النصارى أكثر من مليون في صبيحة واحدة في يوم الجمعة، في الثالث والعشرين من شهر شعبان عام اثنين وتسعين وأربع مئة، دخلوا لا يعرفون معنىً للحياة ولا قيمةً للإنسان، ولا يعرفون شيئاً من الحضارة، وقاموا بالقتل والتقطيع والاغتصاب وتدمير كل ما أمامهم حتى قال بعض المؤرخين من الغربيين: لا ترى إلا جثثاً متراكمة وأشلاء متطايرة، هذه يد لوحدها، وهذا رأس لوحده، وهذه رجل لوحدها، لا يدري هذه الرجل لأي جسد، ولا هذه اليد لأي جسد، حيث عاثوا في الأرض فساداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولا تسأل عن آثار هذه الحروب كيف استنفذت فيها طاقات الأمة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية؟
ولما وقعت الهدنة معهم اختلطوا بالمسلمين، وعرفوا نقاط العور والضعف، وكان لهذا الاختلاط آثار سلبية ذكرها ابن كثير، يقول: "كانت سفن النصارى لا تتوقف من جهة البحر يأتي المدد" يقول: "ويخرج النساء من النصرانيات الأوروبيات إلى بلاد الشام زعماً أنهن يجاهدن ويقاتلن المسلمين، وتارة للترفيه عن الجنود، فلما وقعت الهدنة مع المسلمين"، يقول: "صار كثير من أبناء المسلمين من الفسقة يذهبون إلى الرومان ليفجروا بنسائهم، فتأثروا بهم وخالطوهم وحاكوهم في أخلاقهم وأعمالهم".

ومن الأسباب الخارجية: الغزو الفكري وآثاره، ولا شك أنه امتداد للحروب الصليبية-، وهو يهدف إلى التشكيك في كل شيء في العقيدة، والرسالة، والنبوة، والقرآن والشريعة، واللغة العربية، وإحياء الجاهليات والنعرات القومية والعرقية، وإبراز المثل الغربية، وتشويه التاريخ الإسلامي بإبراز النقاط السوداء فيه. ومن الأسباب الخارجية: الاستعمار: ولا يخفى على أحد كم فعل الاستعمار في بلاد المسلمين من تحطيم معنوياتهم، وإغراقهم في الملذات والشهوات والفساد، وإنشاء المدارس الأجنبية التي تصنع جيلاً على عينه، وإفساد مناهج التعليم وإفساد الإعلام. ووجد ما يسمى بالاستعمار الإلكتروني، وكذلك البعثات الطلابية، فصنعوا جيلاً جاء ليسود ويحكم بقية المسلمين بأفكار الغرب.
وكذلك أيضاً كثرة مظاهر التغريب حولنا، والناس كما قلت كأسراب القطا جبلوا على تشبه بعضهم ببعض، فإذا كثر ذلك في المجتمع ذاب الناس، وصاروا يتتابعون على فعل هذا الشيء.

تاسعاً: آثار التشبه:
آثاره كثيرة في العقيدة: انحصر المفهوم الشامل للدين، فصار الدين يمثل قضية شخصية عند الإنسان بين عظام صدره لا يخرج إلى الخارج. ضعف الإيمان بالغيب: فصار الناس يؤمنون بالمادة، وأما الغيبيات فجاء من علماء المسلمين للأسف الشديد من يؤول ذلك. التشكك في مصادر العقيدة الكتاب والسنة جاء من يطعن فيها، وجاء من المسلمين من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ نصف القرآن، ونحن الآن علينا أن ننسخ نصفه الآخر؛ لأنه لا يواكب هذا العصر الذي نعيش فيه.

ضعف الرابطة الإيمانية، وإحلال الروابط الجاهلية: في تركيا دعوا إلى القومية الطورانية، وفي البلاد العربية القومية العربية، وفي لبنان الفينيقية، وفي العراق الآشورية والسومرية والبابلية، والكنعانية في فلسطين، والبربرية في المغرب، والحيثية في آسيا الصغرى، والفارسية في إيران، والهندوكية في اندونيسيا، ما الذي بقي؟! إنهم شتتوا المسلمين كل هذا التشتيت.

ومن آثار التشبه في العقيدة أثر اختلال الولاء والبراء تحت مسميات مختلفة زائفة كالإنسانية، التسامح، وعالمية الأديان، وما إلى ذلك.
كذلك في مجال الفكر، حيث وجدت الدعوة من قبل بعض المنتسبين للإسلام إلى الارتماء بأحضان الغرب، وكذلك وجدت الدعوة إلى تطوير التعليم الديني، فصار لا يخرج علماء.
كذلك حوربت اللغة العربية الفصحى بألوان المحاربة، دُعي إلى العامية، فدُعي إلى الكتابة باللاتينية، ودُعي إلى الكتابة بحسب النطق دون الحركات.
ومن ذلك أيضاً أن استوردت النظم والمناهج التعليمية الغربية، وتجفيف منابع الفكر الإسلامي، وذلك بتشويه التاريخ الإسلامي، والتقليل من حصص الدين، والتهويل من الفضائل، ونشر الرذائل، فالمرأة التي لها صديق هي امرأة سوية، والتي ليس لها صديق امرأة مريضة تحتاج إلى العيادة النفسية.

كذلك صبغ العلوم بالصبغة الإلحادية، فصارت تدرس نظريات فاسدة، كنظرية داروين، والمادية التاريخية، والفرويدية، وغيرها.
كما تسربت انحرافات كثيرة، فتسربت مذاهب الأدب الغربية والنقد إلى الأدب العربي، وظهرت الكلاسيكية التي تنادي بالصبغة المسيحية التثليثية، والرومانسية التي تدعو إلى تحرير الأدب من قيود العقل والتحلل، وكذلك -أيضاً- الواقعية والطبيعية التي هي مذهب فلسفي إلحادي، ومذهب الفن للفن، الذي يتبع أرسطو الذي ينادي بأن الفن لا علاقة له بالأخلاق.
ومنها الرمزية واللامعقول والسريالية والحداثة التي تدعو إلى الثورة على القيم والأديان والموروثات والأخلاق وما إلى ذلك.
وهكذا في مجال الشريعة، جاءت النظم والقوانين الغربية ونحيت الشريعة.

في مجال الأخلاق إفساد المرأة نزع الحجاب الاختلاط، وإنشاء دور الخنا والزنا والخمور، وما إلى ذلك في بلاد المسلمين.

عاشراً: ما هو العلاج؟
لعلاج مرض التشبه والانبهار بالآخرين ممن هم أهل ديانات وعقائد زائغة محرفة ينبغي علينا أن نعرف أننا بحاجة إلى بيان كمال الشريعة، وأنها لا تحتاج إلى تكميل، وأن الله ما نهى عن شيء إلا أمر بما ينفعنا مما يكفينا عنه ومن صور ذلك:
شرع الله تعالى لنا الأذان لما استغنينا عن الناقوس والبوق شرع الله لنا الأذان، وشرع لنا صلاة الاستخارة إذا تردد المسلم في شيء هل يفعل أو لا يفع ومقابل ذلك طلب منا نبذ الاستقسام بالأزلام. كما هدانا ربنا تبارك وتعالى إلى الجمعة بدلاً من السبت والأحد الذين اتخذهما اليهود والنصارى عيداً، كما هدانا لعيد الفطر والأضحى بدلاً عن أعياد المشركين، وهدانا إلى الجهاد بدلاً عن السياحة والرهبانية، وجنبنا الكنائس والبيع فهدانا إلى المساجد.

من العلاج كذلك أن المسلم يحتاج إلى بناء الثقة بنفسه؛ لأن التشبه إنما ينشأ من الانهزامية، فنقول للمسلم: ارفع رأسك أنت كبير لست بحاجة إلى هذا الصغار.
أنت أيها المسلم بحاجة إلى رفع روح الاعتزاز بدينك، لا تستحي أنك مسلم، كما تحتاج إلى أن تعتز بلغتك وأنها لغة ريادية وكاملة لا نقص فيها ولا عيب. هل تعلم ماذا تحمل اللغة اليابانية من التاريخ والمرونة؟ ومع ذلك هي الآن لغة حضارة، كذلك اللغة الصينية ماذا تحمل؟ لقد انشأوا عليها حضارة، وكذلك العبرية هي لغة العلم الآن والطب والهندسة والفيزياء، والصناعات كل هذا وهي لغة ميتة.

وكذلك اللغة الفيتنامية في عشية الاستقلال، قال رئيسهم يوم أن جمع أساتذة الجامعات: "لا يمكن أن نعترف أننا قد حصلنا على الاستقلال ما لم نستقل في لغتنا في التعليم"، فأمهلهم سنة واحدة؛ لأن الأساتذة كانوا قد تخرجوا من فرنسا لا يعرفون اللغة الفيتنامية، أمهلهم سنة واحدة على أن تكون الاختبارات في نهاية العام باللغة الفيتنامية.

من المعالجات ضد مرض التشبه والانبهار بالآخرين وتقليدهم في أخلاقياتهم وسلوكياتهم يجب علينا أن نحيي عقيدة الولاء والبراء، والتحذير من التشبه بالكفار، ومنع الكفار من إظهار شعائرهم ودينهم ومنكراتهم في بلاد المسلمين. ما أنه يجب علينا تعليم أبنائنا وبناتنا في المدارس والمعاهد وقبل ذلك في البيوت ما الذي يجب عليهم تجاه دينهم وشعائر دينهم، ونبين لهم خطورة السير في ركب الأعداء، وبيان حقيقة ما تحاك من المؤامرات ضد الإسلام وأبنائه من خلال الإعلام سواء فيما يتعلق في اللباس أو الشعارات أو غير ذلك من الأخلاق والسلوك.

هذه بعض المعالجات للخروج من مرض التشبه بالأعداء، والتي نسأل المولى- تبارك وتعالى -أن يوفقنا للقيام بها، وأن يجعلها ناجعة نافعة، وسبباً لعودة المسلمين إلى التمسك بدينهم وأخلاقهم الحميدة، والقيام بالدين حق القيام
هذا ونسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأعتذر إليكم على الإطالة، فالموضوع كما ترون- ذو أطراف وشجون، وقد أحببت أن آتي به من جميع أطرافه حسب الاستطاعة، واسأل الله أن يوفقني وإياكم للخير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.