من الكتب الجليلة التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)، ردّ فيه على كتاب (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة) لابن المُطَهّر الحلي الرافضي، وقد طبع أخيراً بعناية الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله (طُبِعَ طبعة علمية محققة، مراجعة على ثلاثة عشر مصدراً خطيّاً، بالإضافة إلى مراجعته على طبعة بولاق، وعلى كتاب "منهاج الكرامة" لابن المطهر، المطبوع في إيران عام 1880م، وظهرت هذه الطبعة في تسعة مجلدات كبار، خصص التاسع منها للفهارس، ونشرته جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض).

وتأتي أهمية هذا السفر الجليل لعدة أسباب، أذكر منها:

1- أنّ الشيعة من أقدم الفرق ظهوراً في التاريخ الإسلامي، ومن أكثرها انتشاراً في العصر الحاضر.

2- أن ابن تيمية اهـتم بالردّ عليهم معتمداً على النقل الدقيق من أكثر كتبهم رواجاً وانتشاراً في عصره.

3- أن ابن المطهر الحلي الذي ردّ عليه ابن تيمية كان يُعدّ عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل يقول بعضهم: "ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقاً" ([4/127] وَ[5/461]).

4- يُعدّ كتاب (منهاج السنة النبوية) من أوسع كتب أهل السنة وأجمعها في الرد على الشيعة الإمامية خاصة، وقد استوعب ابن تيمية فيه الرد على كثير من شبهاتهم وافتراءاتهم التي كانوا وما زالوا يرددونها، ويكتبون فيها الرسائل والمدونات.

5- وحيث أن مذهب الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنّهم جهمية في الصفات، قدرية على مذهب المعتزلة، رافضة في الصحابة (انظر: [4/131] وَ[8/10]). فإن ابن تيمية استطرد استطرادات نفيسة للرد على الجهمية والمعتزلة والفلاسفة. وغيرهم من طوائف المبتدعة ورؤوس الضلال.

وقد ناقش ابن تيمية في هذا الكتاب مسائل متعددة أثارها ابن المطهر في أبواب مختلفة، ولعلّ من أهم هذه المسائل وأجمعها:

أولاً: منزلة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومواقفهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والرد على المطاعن والأكاذيب التي ذكرها ابن المطهر.

ثانياً: الإمامة والعصمة.

ثالثاً: منهج أهل السنة في الصفات والقدر، ومقارنته بمنهج الرافضة وأشياخهم المعتزلة، والرد على أكاذيبهم ومخازيهم.

وسوف اقتصر في هذه المقالة على مقارنة مختصرة بين منهجي أهل السنة والرافضة في عصمة الأئمة من خلال هذا السفر الجليل.

عصمة الأئمة عند الشيعة:

لعل موضوع الإمامة هو الموضوع الرئيس الذي يدور حوله كتاب ابن المطهر (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة)، ولذا؛ فإنه أبرز الموضوعات التي تكلم عنها فيما بعد شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية)، وسوف أشير في هذا المبحث إلى منهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم، ثم أختمه ببيان منهج أهل السنة في العصمة.

أقسام الأئمة الاثني عشر:

ذكر ابن تيمية أن: "أصول الدين عند الإمامية أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، فالإمامة هي آخرالمراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك" ([1/99] وانظر: [3/484]).

ويقسم ابن تيمية الأئمة الاثني عشر أربعة أقسام:

القسم الأول: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين رضي الله عنهم وهم صحابة أجلاء، لا يُشَكّ في فضلهم وإمامتهم، ولكن شَرِكَهُم في فضل الصحبة خلق كثير، وفي الصحابة من هو أفضل منهم (انظر: [1/169])، بأدلة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

القسم الثاني: علي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر -موسى بن جعفر قد يُلحق بالقسم الثالث-، وهؤلاء من العلماء الثقات المعتد بهم، وقد أشار ابن تيمية في مواضع عديدة إلى تقديرهم ومحبتهم، وجواز تقليدهم لمن عجز عن الاستدلال، حالهم في ذلك كحال بقية علماء الأمة (انظر: [2/243، 244]).

القسم الثالث: علي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي بن موسى الجواد، وعلي بن محمد بن علي العسكري، والحسن بن علي بن محمد العسكري.

وقد أثنى ابن تيمية على الأئمة الثلاثة: علي بن الحسين، وابنه أبي جعفر، وجعفر بن محمد، ثم قال: "وأما من بعد الثلاثة كالعسكريين، فهؤلاء لم يظهر عليهم علمٌ تستفيده الأمة، ولا كان لهم يدٌ تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين، لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين، وأما ما يختص به أهل العلم، فهذا لم يُعرف عنهم، ولهذا: لم يأخذ عنهم أهل العلم كما أخذوا عن أولئك الثلاثة، ولو وجدوا ما يُستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده" ([6/387]).

القسم الرابع: محمد بن الحسن العسكري المنتظر.

وهذا من غرائب الشيعة، حيث لم يُرَ له عينٌ ولا أثر، ولا سُمع له حسّ ولا خبر.

والشيعة يجعلون له مشاهد ينتظرونه عندها، كمشهد سامراء (انظر: [1/ 113-114] وَ[1/ 44-46])!

أصول الشرعيات عند الرافضة وغلوهم في الأئمة:

ذكر ابن تيمية في عدة مواضع: أن الرافضة الإمامية أصّلوا لهم أصولاً اعتمدوها في كلّ ما يُنقل عن أئمة البيت، وهذه الأصول هي:

الأصل الأول: أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة النبي صلى الله عليه وسلم.

الأصل الثاني: أن كل ما يقوله هؤلاء الأئمة منقولٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الأصل الثالث: أن إجماع العترة حجة، ثم يدّعون أن العترة هم الاثنا عشر، ويدعون أن ما يُنقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه (انظر: [1/69] وَ[5/ 164-165]).

قال ابن تيمية بعد أن ذكر هذه الأصول: "فهذه أصول الشرعيات عندهم، وهي أصول فاسدة كما سنبين ذلك في موضعه، لا يعتمدون على القرآن ولا على الحديث ولا على الإجماع، إلا لكون المعصوم منهم، ولا على القياس وإن كان واضحاً جليّاً" ([1/69]).

فالرافضة إذن بالغوا في أئمتهم، وجعلوا: "الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين" ([1/74])، بل إنهم جعلوا الإمامة: "أحد أركان الإيمان" ([1/106]).

ومن غلوّ الرافضة في الأئمة: اعتقادهم أن "كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال" ([4/104]).

والرافضة: "تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء، لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدتها النصارى في المسيح" ([1/ 481-482]).

"وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم" ([1/474]).

ولهذا: فإن الغلو لا يوجد في "طائفة أكثر مما يوجد فيهم، ومنهم من ادّعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله عليه وسلم وادّعى العصمة في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف" ([2/34]).

وتزعم الرافضة أن "كل ما أفتى به الواحد من هؤلاء فهو منقول عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم" ([2/462] وَ[5/164]).

ثم ترتب على هذا الغلو أن: "الرافضة تزعم أن الدين مُسَلّم إلى الأئمة، فالحلال ما حلّلوه، والحرام ما حرّموه، والدين ما شرعوه" ([1/482] وَ[5/176]).

وحقيقة قول الرافضة: أنهم "يُريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول الذي بعثه الله إلى جميع المؤمنين، بمنزلة القرآن والمتواتر من السنة" ([5/165]).

ومن عجائب بعضهم: ترجيحهم للقول الذي لا يُعرف قائله؛ لأنّ المنتظر المعصوم يقول به. فكان دينهم مبنيّاً على مجهول ومعدوم! (انظر [1/ 89-90] وَ[6/442]).

انحراف الرافضة في الأئمة:

مع ذلك الغلو والتعظيم الشديد للأئمة، فإن الرافضة وقعوا في الأمور التالية:

الأمر الأول: اختلافهم في تعيين الأئمة:

اختلفت الرافضة في تعيين أولئك الأئمة اختلافاً متبايناً، وكل فرقة من فرقهم تدَّعي أنها هي التي على الحق، بدون حجة أو برهان (انظر: [3/ 369-484] وَ[4/ 17-18]).

الأمر الثاني: مخالفتهم لأئمتهم:

مع أن الرافضة يغلون في الأئمة وتعظيمهم، إلا أنهم لم يأخذوا بأقوالهم، ولم يقتدوا بهم؛ ولهذا قال ابن تيمية: "لا نُسلّم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت: لا الإثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة. والنقل بذلك مستفيضٌ في كتب أهل العلم، بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علماً ضروريّاً بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم" ([4/ 16-17]).

الأمر الثالث: أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات:

قال ابن تيمية: "وعمدتهم في الشرعيات ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت، وذلك النقل منه ما هو صدق، ومنه ما هو كذب عمداً أو خطأً وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث" ([1/69]).

الأمر الرابع: كذب الرافضة على أئمتهم:

لم يقف الرافضة مع أئمتهم عند حد القصور في تمييز المنقولات عنهم، بل تعدوه إلى الكذب والافتراء؛ قال ابن تيمية: "الكذب على هؤلاء -يعني: الأئمة الإثني عشر- في الرافضة أعظم الأمور، لا سيما على جعفر بن محمد الصادق، فإنه ما كُذب على أحدٍ ما كُذب عليه، حتى نسبوا إليه: كتاب الجَفْر والبطاقة، والهفت. وفي الجملة: فمن جرّب الرافضة في كتابهم وخطابهم علم أنهم من أكذب خلق الله، فكيف يثق القلب بنقلِ من كثر منهم الكذب قبل أن يعرف صدق الناقل؟" ([2/464-467] وانظر: [4/ 54-55]).

الأمر الخامس: اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم:

قال ابن تيمية: "إن الأئمة الذين يُدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمئة وخمسين سنة، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد، والذين يُطاعون شيوخٌ من شيوخ الرافضة، أو كتب صنفها بعض شيوخ الرافضة، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين، وهؤلاء الشيوخ المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة. فإذن: الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم، فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ولا بنجاة أئمتهم الذين يُباشرونهم بالأمر والنهي، وهم أئمتهم حقّاً، وإنهم في انتسابهم إلى أولئك بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة، ولا يدرون بماذا أمر، ولا عن ماذا نهى، بل له أتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه وأن يتخذوهم أرباباً" ([3/ 488-489]).

الأمر السادس: سخافة قول الرافضة في أئمتهم:

مع أن الإمامة عند الرافضة من أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل المسلمين، إلا أنهم: "قد قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين" ([1/100]).

وقال ابن تيمية أيضاً: "ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه يعني: المنتظر، لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في سرداب، ليس له عمل ولا خطاب، ولو كان موجوداً بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء الناس يعلمون أنه ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يُعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب؟!" ([1/ 121-122]).

الأمر السابع: شرك الرافضة في أئمتهم:

من غلوّ الرافضة في الأئمة: أنهم حوّلوا حبهم لهم إلى شرك وعبادة لغير الله تعالى، قال ابن تيمية: "وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم، فتجدهم يُعطلون المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فلا يصلون فيها جمعة ولا جماعة، وليس لها عندهم كبير حُرمة، وإن صلوا فيها صلوا وحداناً، ويُعظمون المشاهد المبنية على القبور، فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا» (أخرجه: البخاري [1/91] [2/88] وَ[102-103]، ومسلم [1/ 376-377]).

وقد صنف شيخهم ابن النعمان، المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ الموسوي والطوسي كتاباً سَمَّاه (مناسك المشاهد)، جعل قبور المخلوقين تُحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يُطاف إلا به، ولا يُصلى إلا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه. وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد، ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين، بل هذا من دين المشركين" ([1/474-476]).

منهج أهل السنة في العصمة:

بعد هذا العرض لمنهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم وأشياخهم، أنتقل إلى عرض منهج أهل السنة في هذا الباب:

أولاً: الطاعة المطلقة لا تكون لمخلوق إلا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:

قال ابن تيمية: "والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله أمره ونهيه، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو، فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله يُدعى مع مغيبه وبعد موته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يُريد وينهى عما يُريد كان الميت مُشبّهاً بالله تعالى والحي مشبّها برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله" ([3/490]).

وقال أيضاً: "المعصوم تجب طاعته مطلقاً بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد، والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة؛ قال تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} [الجن من الآية:23]، فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قُدّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي فرق به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره.

ولهذا اتفق أهل العلم -أهل الكتاب والسنة- على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا {يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم من الآية:3-4]، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة، كما قال تعالى: {فَلَنَسْئَلَنَّ الَذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ} [الأعراف من الآية:6]" ([6/ 190-191]، وانظر: [4/182]).

ثانياً: أهل السنة لا ينتصرون إلا لقول الرسول:

قال ابن تيمية: "فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يغضبون لقول غيره، إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله" ([6/368]).

ثالثاً: ليس أحدٌ من البشر واسطة بين الله وخلقه في الخلق والرزق: قال ابن تيمية: "ليس أحد من البشر واسطة بين الله وخلقه في رزقه وخلقه، وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل. وأما خلقه ورزقه، وهداه ونصره، فلا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلاً، بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أو غيرهم، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف في البشر، وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر، أو أن أحداً من البشر يتولى ذلك كله، ونحو ذلك، فهذا كله باطل" ([1/97]).

رابعاً: الردّ عند التنازع لا يكون إلا لله وللرسول صلى الله عليه وسلم: ذكر ابن تيمية قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59]، ثم قال: "فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول صلى الله عليه وسلم لأمرهم بالرد إليه، فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم" ([3/381]).

وقال في موضع آخر: "فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصاً معصوماً غير الرسول صلى الله عليه وسلم، أوجب ردّ ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا خلاف القرآن" ([6/190]).

خامساً: مقالة أهل السنة في العصمة:

ذكر ابن تيمية بأن أهل السنة: "متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقرّ في ذلك شيء من الخطأ" ([1/ 470-471]، وانظر: [2/396]).

ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم: "معصومٌ في التبليغ بالاتفاق، والعصمة المتفق عليها: أنه لا يُقر على خطأ في التبليغ بالإجماع" ([2/410]).

فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المعصوم: "الذي لا ريب في عصمته، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي فرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والنور والظلمة، وأهل السعادة وأهل الشقاوة" ([6/417]، وانظر: [6/384]).

من أجل ذلك فإن أهل الحديث: "جعلوا الرسول الذي بعثه الله إلى الخلق هو إمامهم المعصوم، عنه يأخذون دينهم، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وكل قول يخالف قوله فهو مردود عندهم وإن كان الذي قاله من خيار المسلمين وأعلمهم وهو مأجور فيه على اجتهاده، لكنهم لا يُعارضون قول الله وقول رسوله بشيء أصلاً: لا نقل نُقل عن غيره، ولا رأي رآه غيره. ومن سواه من أهل العلم فإنما هم وسائط في التبليغ عنه: إما للفظ حديثه، وإما لمعناه، فقوم بلغوا ما سمعوا منه من قرآن وحديث، وقوم تفقهوا في ذلك وعرفوا معناه، وما تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول" ([5/ 165-166]).

سادساً: لا عصمة لأحدٍ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: قال ابن تيمية: "والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ" ([6/196]، وانظر: [4/310]).

سابعاً: العصمة لمجموع الأمة:

قال ابن تيمية: "والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن يجعل عدداً من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا: لما كان في قول بعضهم من الخطأ في مسائل، كبعض المسائل التي أوردها، كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً" ([3/ 408-409]).

وقال أيضاً: "فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول، وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع، فإنما يُخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفاً للسنة الثابتة" ([5/ 166-167]).

وقال أيضاً في بيان الواجب على المسلم: "ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً عاماً، إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاً عاماً، إلا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يُجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسلّماً إلى عالم واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم" ([5/262]، وانظر: [6/409]، وَ[461]).

ثامناً: طاعة الأئمة والولاة في المعروف لا في المعاصي:

قال ابن تيمية: "النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقاً، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا يُبيّن أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين" ([1/ 115-116]).

وذكر أيضاً أن أهل السنة: "لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يُجوّزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلاً، وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه مثل: أن يأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق، والعدل، والحج، والجهاد في سبيل الله فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم يَجُز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق، فأهل السنة لا يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، فأمر بطاعة الله مطلقاً، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء من الآية:80]، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: {وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة، لأن ولي الأمر لا يُطاع طاعة مطلقة، إنما يُطاع في المعروف" ([3/387]، وانظر: [1/82 و84-85]).