هل الطاعة المطلقة لله معارضة للتفكير؟

كنت في السيارة مع مهندس ألماني... وكُنَّا في طريقنا لتناول وجبة العشاء في مدينة دريزدن في ألمانيا،
فقال لي: في الماضي كنتم تَعتبِرون الخنزير حرامًا لأنه كان يأكل النفايات والقاذورات وقد يكون لكم الحق في هذا، ولكن ماذا عن الآن؟! إننا نُربِّي الخنازير في أماكن نظيفة ونحافظ على نظافة أكله فلماذا لا تأكلونه أيضًا ولماذا يظل حراماً؟

فقلت له: ولكن الله عندما حرَّم علينا أكله لم يُسبِّب التحريم، ولم يقل لنا هذا التحريم بسبب أنه حيوان يأكل النفايات؛ بحيث أنه لو انتفى السبب لانتفى التحريم ولكن الله أمرنا بذلك وحسب ونحن نطيعه فيما أمرنا به.

فقال لي: نحن لم نتعوَّد أن نُنفِّذ الأوامر دون تفكير! يجب أن نقتنع به أولًا قبل أن نُنفِّذه.

فقلت له: هذا صحيح؛ إن كان الأمر صادر من بشر مثلنا، أما إن كان الأمر صادر من ربنا الذي خلقني وخلقك فيجب أن نطيع وحسب. شتان بين هذا وذاك...!

وانتهيت محادثتنا عند هذا الحد، وحلَّ الصمت المُطبَق على السيارة إلى أن وصلنا إلى المطعم.

حقٌ أُرِيدَ به باطل!

فالحق أنه لا ينبغي أن نفعل شيئًا إلا بناءًا عن تفكير والباطل هو تضليل الناس بأنه معرفتنا سبب كل أمر من أوامر الله قبل أن نُنفِّذه هو التفكير المطلوب. ولكن لو فكَّرنا تفكيرًا سليمًا منصِفًا مجرَّدًا عن الهوى نجد أنه ليست هذه هي الطريقة التي نتعامل بها مع أوامر الله عز وجل.

إن دور التفكير في أن نؤمن بالله ووجوده وربوبيته وألوهيته وأن نتيقَّن أن رسله مرسلين من لدنه، وأن الكتاب الذين يُبلِّغونا إيَّاه هو كتاب الله. إذا انتهينا من هذه الخطوة وحيث أننا لا نثق بأحد بقدر ثقتنا بالله عز وجل فإننا نُسلِّم أنفسنا تمامًا لأوامر ربنا وإلهنا الله عز وجل، ونطيعه في كل ما أمرنا به دون جدال سواءًا فهمنا الحكمة من الأمر أم لم نفهمه.

يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36].

خطوات الوصول للطاعة المطلقة لله عز وجل:

أولًا: التفكير.
ثانيًا: الإيمان.
ثالثًا: الثقة.
رابعًا: الاستسلام.
خامسًا: الطاعة.

الاستنتاج:

من يقول أن استسلامنا الكامل لله وطاعتنا المطلقة له هو مبني على انعدام التفكير؛ هو ضالٌ مُضِل.

والله أعلم.