الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آل بيته الكرام وصحابته الأبرار، وبعد:

فهذا رد على عدة مقالات كتبها علي المتروك (شيعي) في جريدة الوطن.

فنقول وبالله نستعين: ذكرتَ مجموعة من الآيات تدل على فضل آل البيت رضي الله عنهم، وعلو مكانتهم، ووجوب تقديمهم واتباعهم، والتسليم لهم. ولا أرى أن الآيات تدل على مطلوبكَ، بل ذكّرَني سردُكَ للآيات على هذا الوجه برواية قرأتها قديمًا في كتبكم، فيها: "أن القرآن نزل ثلاثة أثلاثٍ: ثلث فينا. وثلث في عدونا. وثلث أحكام وفرائض" (تفسير البرهان: المقدمة، ص [158]).

فلا غرو مع هذه الرواية أن تختزلَ كل هذه الآيات في مجموعة قليلة من البشر رضي الله عنهم، وأن تتكلفَ في فهم مراد الله تعالى فيها، وتلويَ أعناقَها تبعًا لما تريد.

ولعلَّ الذي ذكرتَهُ من الآيات غيض من فيض من الآيات النازلة في آل البيت رضي الله عنهم كما يظهر ذلك من كتب التفسيرِ عندكم، ومهما يكن من أمر فاقْبَلْ مني غير مأمورٍ تفسير هذه الآيات كما جاء عن سلف هذه الأمة في الكتب المعتمدة:

(1) آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب من الآية:33]، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة، وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب من الآية:33]. والمرط كساء من صوف.

أي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية عليهم لا أنها نزلت فيهم خاصة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مضمون هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الله لهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا، وغاية ذلك أن يكون دعا لهم بأن يكونوا من المتقين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم، واجتناب الرجس واجب على المؤمنين، والطهارة مأمور بها كل مؤمن". (منهاج السنة: [5/14]).

أولاً: هذه الآية وهي تسمى آية التطهير إنما نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب:32-34]، فالذي يراعي سياق هذه الآيات يوقن أنها في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

وأما قوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ} ولم يقل: (عَنْكُنَّ) وقوله سبحانه وتعالى: {وَيُطَهِّرَكُمْ} ولم يقل: (وَيُطَهِّرَكُنَّ)،لأن النساء دخل مَعهنَّ النبي (وهو رأس أهل بيته)، ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى منها:

- ما جاء عن زوجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّـهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [هود:73]، والمراد هنا بأهل البيت: (إبراهيم وزوجته).

- قول الله سبحانه وتعالى عن موسى صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [القصص من الآية:29]، وكانت معه زوجته.

وإنما كان (علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم) من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدليل حديث الكساء، لا بدليل الآية وذلك لما أدخلهم تحت الكساء وقرأ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب من الآية:33].

ثم إن قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب من الآية:33] ليست آية مستقلة، بل هو جزء من آية تتكلم عن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتبعتها آية تتكلم كذلك عنهن. وهذا واضح جدًا لمن تأمل هذه الآية وقرأها قراءة متأنية بتجرد وإنصاف.

ثانيًا: إن مفهوم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتعدى عليًا والحسن والحسين وفاطمة إلى غيرهم، كما في حديث زيد بن أرقم الذي رواه مسلم في صحيحه، وفيه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثا. وقال زيد: أهل بيته من حرم الصدقة بعده. هم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.

وجميع بني هاشم من آل البيت، وهم كل من حُرِمَ الصدقة بدليل الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه وفيه: اجتمع ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين يعنيان عبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس إلى رسول الله فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات فقال: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس».

ثالثًا: إن الله تبارك وتعالى يريد إذهاب الرجس عن كل مؤمن ومؤمنة فقال تعالى لنبيه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]، وهو أمر للأمة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلم إذا أراد أن يصلي أن يتوضأ، وأن يتجنب أماكن الوسخ.

رابعًا: التطهير ليس خاصًا بعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، بل واقع لغيرهم أيضا كما قال سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة:103].
وقال سبحانه وتعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة من الآية:6].

ولقد قال الله سبحانه وتعالى لأهل بدر: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال:11]، فإذا كان ذكر (التطهير) لخمسة من آل البيت هناك فقد ذكر هنا (التطهير) للبدريين الثلاثمئة وبضعة عشر، وعليه: فإن كانت آية (الأحزاب) تدل على عصمة (الخمسة) كما تقولون فمقتضى القياس واطراده يقضي بأن آية (الأنفال) تدل على عصمة (الثلاثمئة وبضعة عشر).

وهذه ثلة من أقوال السلف في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب من الآية:33]:
- قال ابن كثير: عن ابن عباس: نزلت في نساء النبي خاصة. قال عكرمة: من شاء بَاهَلْتُهُ أنها نزلت في شأن نساء النبي.
قال ابن كثير: "فإن كان المراد أنَّهُنَّ كُنَّ سبب النزول دون غيرهن فصحيح. وإن أريد أنَّهُنَّ المراد فقط دون غيرِهنَّ ففيه نظر فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعَمُّ من ذلك".

ثم ذكر ما يدل على أن عليًا، وفاطمة، والحسن، والحسين، وآل علي، وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس من آل بيت النبي. (تفسير ابن كثير).

(2) آية المودة: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ} [الشورى من الآية:23] جاء في صحيح البخاري: عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن قوله سبحانه وتعالى: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ} [الشورى من الآية:23]، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال ابن عباس: "عَجِلْتَ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بَطْنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: «إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ»".

ويؤكد هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسأل أجًرا أبدًا، كما قال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص:86]، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}[يوسف:104]، وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [سبأ من الآية:47]، وهكذا قال مثل قوله جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو أكملهم صلى الله عليه وآله وسلم:
قال نوح عليه السلام: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109]
قال هود عليه السلام: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:127].
قال صالح عليه السلام: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:145].
قال لوط عليه السلام: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:164].
قال شعيب عليه السلام: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:180].

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرم الأنبياء وأفضلهم، وهو أولى بأن لا يسأل أجرًا، وقول الله سبحانه وتعالى:{إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ} [الشورى من الآية:23]. معنى {إِلَّا} هنا: إما أن تكون استثناء متصلًا، وإما أن تكون استثناء منقطعًا، أي بمعنى (لكن)، فيكون معنى {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ} أي: ولكن ودوني في قرابتي، أنا قريب منكم، دعوني أدعو الناس. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل قريشًا أن يتركوه يدعو إلى الله، فإن ظهر كان لهم هذا، وإن قتله الناس فيسلمون من دمه. ثم لو كان يريد أجرًا لقرابته لقال: (لذي القربى) أو (لذوي القربى). أما أن يقول: {فِي الْقُرْبَىٰ} فلا يصح. ثم إن هذه الآية مكية، وكان علي وقت نزولها صغيرًا لم يتزوج فاطمة، ومن ثم الحسن والحسين لم يولدا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذوي قربى الإنسان إنما قيل فيها {ذَوِي الْقُرْبَىٰ} [البقرة من الآية:177] ولم يقل: {فِي الْقُرْبَىٰ} [الشورى من الآية:23]. ثم يقال كذلك: ليس مناسبًا لشأن النبوة طلب الأجر وهو مودة ذوي قرباه لأن هذا من شيمة طالبي الدنيا. ثم إن هذا القول يوجب تُهْمَةَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم". (منهاج السنة: [7/101].

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [8/564-565]: "باب قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ} [الشورى من الآية:23] ذكر فيه عن ابن عباس: سئل عن تفسيرها، فقال سعيد بن جبير: "قربى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم". فقال ابن عباس: "عَجِلْتَ". أي: أسرعت في التفسير. وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبي حاتم تفسيريهما من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم" الحديث. وإسناده ضعيف فيه قيس بن الربيع وحسين الأشقر وكلاهما ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح".
ثم قال الحافظ: "والمعنى: (إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني). والخطاب لقريش خاصة، و{الْقُرْبَىٰ}: قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال: (احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة)".

(3) آية المباهلة: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61] يمكن إجمال مناقشتنا لاستدلالكَ بهذه الآية في نقاط:

- تاريخ المباهلة: سنة (10هـ).
- {أَبْنَاءَنَا}: هم الحسن والحسين. وقيل: علي لأنه بمنزلة الابن بالنسبة لرسول الله، حيث تربى في بيته وتزوج ابنته.
- {نِسَاءَنَا}: فاطمة.
- {أَنفُسَنَا}: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الرجل يمكن أن ينادي نفسه ويخاطبها، ويدل على ذلك أمور:

لا أحد يساوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا علي ولا غيره.
إذا كان المقصود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن يأتي بواحد كنفسه، فهل هذا الأمر كذلك مع من يُبَاهِلُهُ؟!.
وقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[التوبة:128].
ولعلك أن تسألني: لم قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليًا، وفاطمة، والحسن والحسين؟ فأقول مجيبًا:
لم يكن أحد أقرب نسبًا إليه منهم.
المباهلة إنما تحصل بالأقربين لأن النفوس تحنو على أقاربها طبعًا، وتجنبها المهالك.
آية المباهلة كانت سنة عشر مع وفد نجران، وكان كل أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد توفوا: رقية 2هـ، زينب 8هـ، أم كلثوم 9هـ، أما إبراهيم والقاسم وعبد الله فماتوا صغارًا قبل هذه الحادثة بكثير.
لا شك أن فيه نوع فضيلة لهم.
لم يكن من أقارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجودًا في ذلك الوقت من له مكانة في الدين مثل علي. أما عمه العباس فكان موجودًا ولكن لا يقارن بعلي لأنه ليس من السابقين. وأما بنو عمه فليس فيهم مثل علي إلا جعفر، وكان قد استشهد في مُؤتَةَ.

(4) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء من الآية:59] قال القرطبي: "وأولي الأمر: أهل القرآن والعلم. وقيل: الفقهاء والعلماء. وقيل: أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. وقيل: أبو بكر وعمر. وقيل: أهل العقل والرأي"، ثم قال: "وأصح هذه الأقوال: الأول والثاني". ثم استدل لهما ورد باقي الأقوال.

ثم قال: "وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر عَلِيٌّ والأئمة المعصومون، ولو كان كذلك ما كان لقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء من الآية:59] معنى، بل كان يقول: (ردوه إلى الإمام وأولي الأمر). وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور.

(5) {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115] قال ابن كثير: "هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم".

قال الطبري: "يعني جل ثناؤه بقوله: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء من الآية:115]: ومن يباين الرسول محمدًا معاديًا له فيفارقه على العداوة له من بعد ما تبين له الهدى... وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء من الآية:115] يقول: ويتبع طريقًا غير طريق أهل التصديق ويسلك منهاجًا غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله".

وقال القرطبي: "هي عامة في كل من خالف طريق المسلمين... قال العلماء: في قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء من الآية:115] دليل على صحة القول بالإجماع".

وقال البغوي: "طريق المؤمنين".

قلت: ولا شك ولا ريب أن أئمة أهل البيت كعلي، والعباس، والحسن، والحسين، وابن العباس، وعبد الله بن جعفر، وغيرهم من المؤمنين الذين أمرنا الله تبارك وتعالى أن نتبع سبيلهم مع غيرهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وابن الزبير، وابن عمر، وعائشة وغيرهم.

هذا إذا اتفقوا ولم يختلفوا على أمر ما من أمور الشرع، ولهذا تذكر هذه الآية في كتب (علم أصول الفقه) كدليل على حجية الإجماع.

(6) {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد من الآية:7] قال ابن كثير: "عن ابن عباس: أي لكل قوم داع".
وقال: "يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر وأنا هادي كل قوم. وكذا قال مجاهد وسعيد والضحاك وغير واحد".

وعن مجاهد: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد من الآية:7]: أي نبي. وعن ابن عباس لما نزلت: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد من الآية:7] قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره وقال: «أنا المنذر، ولكل قوم هاد» وأومأ بيده إلى منكب علي فقال: «أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي». ولكنه حديث منكر أخرجه الطبري في تفسيره وفيه الحسن العرني ضعيف جدًا وفيه معاذ بن مسلم وهو مجهول.