القاعدة أنَّ كُلَّ لفظٍ دَلَّ على معنى سيء؛ فهو من ألفاظ الجرح، إلا القليل؛ فقد تكون عند بعضهم أحيانًا ليست من ألفاظ الجرح.

ومن أمثلة ذلك:

• تركه فلان:

قد يُقال: تركه فلان، ولا يُراد به المعنى الاصطلاحي المعروف للترك في مصطلح الحديث، بل: يُراد به ترك الكتابة أو الرواية عنه لسببٍ عارض، كما سيأتي بيانه. قال علي بن المديني: كان عطاء [بن أبي رباح] بأخرة قد تركه ابن جريج، وقيس بن سعد. قال الذهبي: لم يَعْنِ الترك الاصطلاحي، بل عَنِيَ أنهما بطَّلا الكتابة عنه، وإلا فعطاء ثبتٌ رَضِيٌّ[1].

وقال ابن أبي حاتم: محمد بن إسمعيل البخاري أبو عبد الله.. سمع منه أبي، وأبو زرعة، ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق[2].

قال الذهبي: إن تركا حديثه، أو لم يتركاه، البخاري ثقة مأمون، مُحْتَجٌ به في العالَم[3].

وقال أيضًا: ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له [أي: الإمام البخاري] من أجل اللفظ؛ لأنه مجتهد في المسألة، بل مُصيب[4].

وقال الترمذي بعد أن نقل عن ابن المديني أسماء بعض الرواة تَرَكَ الرواية عنهم يحيى القطان: وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه أتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم. وذُكِرَ عن يحيى بن سعيد [القطان] أنه كان إذا رأى الرجل يُحَدِّثُ عن حفظه مرةً هكذا ومرةً هكذا، لا يثبت على رواية واحدة؛ تركه. وقد حَدَّثَ عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجَرَّاح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة[5].

وقال أحمد بن حنبل في عبد الله بن سلمة الأفطس: كان سيء الخُلُق، وتركنا حديثه، وتركه الناس[6].

وفيه يقول أبو زرعة الرازي: كان عندي صدوقًا.. إنما قيل فيه من أجل لسانه[7].

• تَغَيَّر:

قال الإمام الألباني: الواقع أن التَّغَيُّر ليس جرحًا مُسْقِطًا لحديث من وُصِفَ به، بخلاف من وُصِفَ بالاختلاط، والأول: يُقْبَل حديث من وُصِفَ به، إلا عند الترجيح، وأمَّا من وُصِفَ بالاختلاط؛ فحديثه ضعيف، إلا إذا عُرِفَ أنه حَدَّثَ به قبل الاختلاط[8].

• حديثه ضعيف:

يعني: مسلكه في الاستنباط ضعيف، قال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل: ما تقول في الأوزاعي؟ قال: حديثٌ ضعيف، ورأيٌ ضعيف. قال الذهبي: يُريد أن الأوزاعي حديثه ضعيف من كونه يحتجُّ بالمقاطيع، وبمراسيل أهل الشام، وفي ذلك ضعف، لا أن الإمام في نفسه ضعيف[9].

• شيطان:

قال عبد الرحمن بن مهدي: لما قدِم الثوري البصرة، قال: يا عبد الرحمن، جئني بإنسان أُذاكره، فأتيته بيحيى بن سعيد [القطان]، فذاكره، فلمَّا خرج، قال: قلت لك: جئني بإنسان، فجئتني بشيطان. قال الذهبي: يعني بَهَرَهُ حفظه[10].

• ضعيف:

قال السخاوي: مما يُنَبَّه عليه أنه ينبغي أن تتأمل أقوال المُزَكِّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة، أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يُحتج بحديثه، ولا ممن يُرَد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِنَ معه على وفق ما وُجِّه إلى القائل من السؤال.. وأمثلة ذلك كثيرة لا نُطيل بها؛ ومنها: قال عثمان الدرامي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، كيف حديثهما؟ فقال: "ليس به بأس"، قلت: هو أحبّ إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يُرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقًا، بدليل قوله: إنه "لا بأس به"، وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري. وعلى هذا يُحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل، ممن وَثَّق رجلًا في وقت، وجرحه في آخر، فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل [مُفصَّلة]؛ ليتبين ما لعله خَفِي منها على كثير من الناس. اهـ[11].

وقال التهانوي: كثيرًا ما يُضعِّفون الرجلَ بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبتُ من أقرانه، كما قال الحافظ ابن حجر في "مقدمة الفتح" في ترجمة عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة، المعروف بابن الغَسيل، بعد حكاية توثيقه عن ابن معين وغيره: قلت: تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره، ممن هو أثبت منه من أقرانه، وقد احتجَّ به الجماعة سوى النَّسائي[12].

معنى آخر: قال عمر بن أحمد الجوهري، سمعت جعفر بن محمد الصائغ، قال: اجتمع علي بن المديني، وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعفان: فقال عفان: ثلاثة يُضَعَّفون في ثلاثة: علي في حماد بن زيد، وأحمد في إبراهيم بن سعد، وأبو بكر في شريك. فقال علي: ورابع معهم. قال: مَنْ؟ قال: عفان في شعبة. ثم قال الجوهري: وأربعتهم أقوياء، ولكن هذا على المزاح[13].

• كذاب:

قال الجديع: جرى في لسان العرب إطلاق لفظ: (الكذب) على معناه المتبادر عند الإطلاق؛ الذي هو ضِدُّ الصدق، كما أنهم ربما أطلقوه على الراوي وعنوا في رأيه ومذهبه، لا في حديثه وروايته. ومثال ذلك: تليد بن سليمان المحاربي الكوفي، كان أحد من سمع منهم أحمد بن حنبل، وأثنى عليه، لكنهم نقموا عليه مذهبه في التشيع، وغَلَّظ يحيى بن معين فيه العبارة، حتى قال: (كذاب)، لكني بحثت عن سبب تكذيبه له، فوجدته قد أحاله على مذهبه لا على حديثه، إذ نَصُّ مقالة يحيى كما رواها عنه الدوري: تليد كذاب، كان يشتم عثمان، وكل من يشتم عثمان أو طلحة أو أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دجال، لا يُكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فتأثرت طائفة جاءوا من بعدُ بعبارة يحيى، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، إنما عِلَّتُهُ مما ذكرت، فتأمل ![14].

• لا تكتب عنه:

قال أبو بكر بن أبي خيثمة: خرجنا في سنة تسع عشرة ومائتين إلى مكة، فقلت لأبي: عمَّن أكتب؟ قال: لا تكتب عن أبي مصعب [الزهري][15]، واكتب عمَّن شئت[16].

قال أبو الوليد الباجي: ومعنى ذلك أن أبا مصعب كان ممن يميل إلى الرأي، ويروي مسائل الفقه، وأهل الحديث يكرهون ذلك، فإنما نهى زهير ابنه عن أن يكتب عن أبي مصعب الرأي والله أعلم، وإلا فهو ثقة، لا نعلم أحدًا ذكره إلا بخير[17].

وقال الذهبي: أراه نهاه عن الأخذ عنه، لكونه على القضاء، والله أعلم[18].

وقال أيضًا: أظنه نهاه عنه؛ لدخوله في القضاء والمظالم، وإلا فهو ثقة، نادر الغلط، كبير الشأن[19].

وقال أيضًا: ما أدري ما معنى قول أبي خيثمة لابنه أحمد: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمَّن شئت؟[20].

قال ابن حجر مُعَقِّبًا على قول الذهبي الأخير: ويُحتمل أن يكون مُراد أبي خيثمة دخوله في القضاء، أو إكثاره من الفتوى بالرأي[21].

• لا شيء:

قد تُقال في الراوي المُقِلّ الذي لم يتبيَّن حفظه وإتقانه؛ لقلَّة حديثه، كما قالها يحيى بن معين في: هُبيرة بن حُدير العدوي، وقالها الدارقطني في: الهَجَنَّع بن قيس[22].

• لم يروِ عنه فلان:

ليست من ألفاظ الجرح؛ لاحتمال أنه لم يلقه، أو لقيه لكنه لم يسمع منه، بخلاف قولهم: (تركه فلان)؛ فإنها صريحة في الجرح[23].

قال الحافظ ابن حجر في (هدى الساري) في ترجمة الزبير بن خِرِّيب البصري: وحكى الباجي في رجال البخاري عن علي بن المديني، أنه قال: تركه شُعْبة[24]. قلت [القائل ابن حجر]: والذي رأيته عن علي بن المديني، أنه قال: لم يروِ عنه شُعْبة، وبين اللفظين فرق[25].

• لم يكتب عنه فلان:

في بعض الأحيان قد لا يكون جرحًا؛ كقول عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في أحمد بن سليمان بن عبد الملك بن يزيد الرهاوي: أدركته، ولم أكتب عنه، وهو صدوق ثقة[26]. وقول محمد بن عبد الله بن نُمير في علي بن ثابت: ثقة، ولم أكتب عنه شيئًا[27].

وقال أبو الحسن الميموني لأحمد بن حنبل وقد ذكر له دخوله الرقة وسماعه من بعض أهلها: كيف لم تكتب عن عبد الله بن جعفر؟ قال: لم أكتب عنه. قال: تركته من عِلَّة؟ قال: لا، ولكن لم أكتب عنه شيئًا[28]... والأمثلة على ذلك كثيرة.

• ليس بثقة:

هي عبارة جَرْح، قلَّ أن تجدها مقولة في راوٍ إلا وهو شديد الضعف، متروك الحديث، أو متهم بالكذب، أو كذاب معروف، خصوصًا في كلام يحيى بن معين، والنَّسائي، وقد أكثر منها. لكن ليس ذلك بإطلاق، فقد تُطلق على الراوي، ويُراد بذلك: أنه لم يبلغ مبلغ الثقات. ومثاله: قول يحيى بن معين في جعفر بن ميمون الأنماطي: "ليس بثقة"؛ مع أنه صالح الحديث، كما قال ذلك ابن معين نفسه موضع آخر. وقال أبو حاتم: جعفر بيَّاع الأنماط صالح[29].

وقال الدارقطني: "يُعتبر به". وقال الحاكم في المستدرك: "هو من ثقات البصريين". وذكره ابن حبان وابن شاهين في (الثقات). وقال ابن حجر: "صدوق يُخطئ"[30].

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: قول يحيى بن معين والنَّسائي في يونس بن خباب الأُسَيِّدي: "ليس بثقة"؛ لأنه كان رافضيًا، يشتم عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقد وثَقَّه ابن معين في موضعٍ آخر، فقال: كان ثقة، وكان يشتم عثمان. وقال فيه أبو داود: "وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة، وليس الرافضة كذلك". وقال الساجي: "صدوق في الحديث، تكلموا فيه من جهة رأيه السوء". وقال ابن شاهين في (الثقات): "قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق". وقال ابن حجر: "صدوق يُخطئ"[31].

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا:

قول بشر بن عمر: سألت مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيب؟ فقال: "ليس بثقة"، وسألته عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: "ليس بثقة"، وسألته عن أبي الحويرث؟ فقال: "ليس بثقة"، وسألته عن شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب؟ فقال: "ليس بثقة"، وسألته عن حرام بن عثمان؟ فقال: "ليس بثقة"، وسألت مالكًا عن هؤلاء الخمسة؟ فقال: "ليسوا بثقة في حديثهم". قال الجديع: "وليس في هؤلاء من يبلغ الترك سوى حرام بن عثمان، بل هم بين صدوق، أو صالح يُعبتر به". وتَعَقَّب ابن القطان الفاسي قول مالك ذلك في شعبة مولى ابن عباس، فقال: "إن مالكًا لم يُضعّفه، وإنما شَحَّ عليه بلفظة: ثقة، وقد كانوا لا يطلقونها إلى على العدل الضابط". وقال الخطيب بعد أن ذكر نماذج من ألفاظ بعض النُّقاد في الجرح بفعل بعض المباحات [الخارمة للمروءة]، أو مواقعة بعض المكروهات، أو فعل ما يُختلف في تحريمه: وكذلك قول الجارح: "إن فلانًا ليس بثقة"، يُحتمل أن يكون لمثل هذا المعنى، فيجب أن يُفَسَّر سببه[32].

• ليس بشيء:

قال ابن القطان: إن ابن معين إذا قال في الراوي: "ليس بشيء"، إنما يُريد أنه لم يَرْوِ حديثًا كثيرًا[33].

وقال الحافظ ابن حجر في: (مقدمة فتح الباري) في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري: "ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات: ليس بشيء، يعني: أن أحاديثه قليلة جدًا"[34].

قلت: وقد أورد الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة في تعليقه على "الرفع والتكميل" واحدًا وثلاثين شاهدًا على أن مراد ابن معين من قوله في الراوي: "ليس بشيء" ضعفه وسقوطه، لا قِلَّة أحاديثه، فليُنظر[35].

• ليس بالقوي:

قال الذهبي: وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، يُريد بها: أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي الثبت[36].

قلت: هناك بعض الحُفَّاظ كأبي حاتم في هذا القول؛ ومنهم: علي ابن المديني، قال في الفرج بن فضالة: "وسط، وليس بالقوي"[37].

وقال في كثير بن زيد: "هو صالح، وليس بالقوي"[38]. وكذلك الدارقطني، قال في أبي سفيان سعيد بن يحيى الحميري: متوسط الحال، ليس بالقوي[39].

الفرق بين (ليس بقوي) و(ليس بالقوي):

قال الشيخ المعلمي: بين العبارتين: (ليس بقوي) و (ليس بالقوي) عند النَّسائي فرق لا أراه يخفي على عارف بالعربية، فكلمة: (ليس بقوي) تنفي القوة مطلقًا، وإن لم تثبت الضعف مطلقًا، وكلمة: (ليس بالقوي) إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة. والنَّسائي يُراعي هذا الفرق، فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء، منهم: عبد ربه بن نافع، وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، فبيَّن ابن حجر في ترجمتيهما من (مقدمة الفتح) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقرانهما، وقال في ترجمة الحسن بن الصبّاح: وثَقَّهُ أحمد وأبو حاتم، وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى: ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هين، وقد روى عنه البخاري وأصحاب السُّنن إلا ابن ماجة، ولم يُكثر عنه البخاري[40].

وقال الألباني: ثَمَّة فرقًا بين قول الحافظ: "ليس بالقوي"، وقوله: "ليس بقوي"؛ فإن هذا ينفي عنه مطلق القوة، فهو يُساوي قوله: "ضعيف"، وليس كذلك قوله الأول: "ليس بالقوي"؛ فإنه ينفي نوعًا خاصًا من القوة، وهي قوة الحُفَّاظ الأثبات[41].

• ليس بمشهور:

قد يُطلقها أبو حاتم، ولا يريد بها أنه مجهول، وإنما يريد أنه لم يشتهر في العلم كاشتهار أقرانه[42].

قلت: ومن أمثلة من أطلق عليهم أبو حاتم ذلك: إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الزرقي الأنصاري[43]، وسعيد بن محمد الزهري[44]، ومحمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلْبَس الدمشقي[45]، وصقعب بن زهير الأزدي[46]، وعوسجة مولى ابن عباس[47]، ومحمد بن سعد الأشهلي الأنصاري المدني[48]، ومحمد بن عقبة الشيباني[49]، وأبو فزارة العنزي[50]، بل أطلقها على بعض الصحابة؛ كربيعة بن يزيد السلمي[51]، وعبيد الله بن مُعَيَّة السُّوائي العامري[52].

• مجهول:

قال ابن حجر: أطلق أبو حاتم في جماعة من الصحابة اسم الجهالة، لا يُريد بها جهالة العدالة، وإنما يُريد أنه من الأعراب الذين لم يروِ عنهم أئمة التابعين[53]. ومثال ذلك: قول ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول في مدلاج بن عمرو السلمي: هو مجهول[54]! قلت: وهو صحابي، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها[55]، ومثل ذلك قال في: بشر بن معاوية البكائي[56]، وخديج بن أوس[57]، وخِذَام بن وديعة[58]، وخُليدة بن قيس الأنصاري [59]، ومعمر بن أبي سرح[60]، وجميعهم معدودون في الصحابة ! قال التهانوي: إذا قال أبو حاتم في رجل: إنه مجهول، يُريد به جهالة الوصف غالبًا دون جهالة العين.. فالأمان مرتفع من جرحه أحدًا بالجهل، ما لم يُوافقه على ذلك غيره من النُّقاد[61].


• منكر الحديث:

قال التهانوي: قد يُطلقون (منكر الحديث) على من روى حديثًا منكرًا، ولم يُكثر من ذلك؛ فلا يكون الراوي ضعيفًا بهذا، وكذا قد يُطلقونه على من روى المناكير عن الضعفاء، ويكون هو ثقة في نفسه[62]. وقال أيضًا: فرق بين قول المتأخرين: (هذا حديث منكر)، وبين قول المتقدمين ذلك؛ فإن المتأخرين يُطلقونه على رواية راوٍ ضعيف خالف الثقات، والقدماء كثيرًا يُطلقونه على مجرّد ما تفرّد به راويه وإن كان من الثقات، فيكون حديثه صحيحًا غريبًا[63]. وقال اللكنوي: لا تظنن من قولهم: (هذا حديث منكر) أن راويه غير ثقة، فكثيرًا ما يُطلقون النَّكارة على مجرد التفرد، وإن اصطلح المتأخرون على أن المنكر: هو الحديث الذي رواه ضعيفٌ مخالفًا لثقة، وأما إذا خالف الثقة غيره من الثقات فهو شاذ.

قال الزين العراقي في "تخريج أحاديث إحياء علوم الدين": كثيرًا ما يُطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثًا واحدًا. وقال الحافظ ابن حجر في "مقدمة فتح الباري" عند ذكر محمد بن إبراهيم التيمي: وتوثيقه مع قول أحمد فيه: يروي أحاديث مناكير، قلت [أي ابن حجر]: المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا مُتابع له، فيُحمل هذا على ذلك، وقد احتج به الجماعة. وقال أيضًا عند ذكر ترجمة بُريد بن عبد الله: أحمد وغيره يُطلقون المناكير على الأفراد المطلقة. وقال أيضًا عند ذكر ترجمة يزيد بن عبد الله بن خُصيفة: احتجّ به مالك والأئمة كلهم، وحُكي عن أحمد، أنه قال: منكر الحديث. قلت [أي ابن حجر]: هذه اللفظة يُطلقها أحمد على من يُغرب على أقرانه بالحديث -أي يتفرّد وإن لم يُخالف- عُرف ذلك بالاستقراء من حاله.

وقال أيضًا عند ذكر ترجمة يونس بن القاسم الحنفي: قال البرديجي: منكر الحديث. قلت [أي ابن حجر]: أوردتُ هذا لئلا يُستدرك عليَّ، وإلا فمذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد، سواء تفرّد به ثقة أو غير ثقة، فلا يكون قوله: منكر الحديث؛ جرحًا بَيِّنًا، كيف وقد وثَّقه يحيى بن معين[64]. معنى آخر: قال يحيى القطان: كان قاسم [بن الفضل الحُدَّاني] منكرًا؛ يعني: من فطنته[65].


• يسرق الحديث:

المراد بسرقة الحديث: أن يأخذ الراوي حديث غيره مما لم يسمعه، فيدعي سماعه [من غير أن يُدلِّسه عنه]، وهذا قدح شديد في العدالة، يُسقط الاعتداد بجميع رواية الموصوف بذلك[66].

لكنه قد يُطلق على الراوي ولا يُراد به الجَرْح، بل يُراد به التوثيق، كما أطلقها ابن مهدي على الحافظ إسرائيل بن يونس، قال عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن مهدي: إسرائيل لصّ، يسرق الحديث[67].

والمعروف عن ابن مهدي توثيق إسرائيل والثناء عليه؛ لذلك فمعنى كلامه: أنه ما سمع شيئًا إلا حفظه وفهمه بسرعة وخفة، وصار من جملة حديثه بعد أن كان من حديث الناس، فهذا وجه الشبه بين اللِّصِّ الذي يأخذ حديث الناس بخفة وسرعة، وبين الحافظ الفهم الذي إذا سمع شيئًا لم يَفُتْهُ، ولم يحتج إلى إعادته؛ وما هذا إلا لسرعة فهمه وحِدَّة ذكائه، والله تعالى أعلم[68].


وفي ما ذكرته في هذه العُجالة من "ألفاظ الجرح التي على خلاف الظاهر" كفاية، لننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر مُكَمِّل له، وهو: "ألفاظ التعديل التي على خلاف الظاهر" إن شاء الله، وهما موضوعان جديران بالبحث والتوسع فيه..

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.