يظل الدعاء هو السلاح الذي لا يستغني عنه المؤمن في مسيرة الصراع مع أعداء الدين حين ينطلق في الدعوة والبلاغ، ولذلك ما من نبي بعثه الله ولا رسول أرسله الله إلا ودعا لقومه، أو دعا عليهم، وفي سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على الأمرين، فقد ورد عنه الدعاء للمشركين، والدعاء عليهم، وإزاء ذلك فلا بد من النظر في تلك الروايات والتوفيق بينها، ومعرفة توجيهها.


ترجم البخاري –رحمه الله- في "صحيحه" "باب: الدعاء على المشركين" وأورد حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف» أي: سبع سنين عجاف لا ماء فيها ولا زرع. وأورد أيضاً حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنهما، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب، فقال: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب وزلزلهم».

وترجم "باب: الدعاء للمشركين" وأورد حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قدم الطفيلبن عمرو على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! إن دوساً قد عصت، وأبت، فادع الله عليها، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم».

ووضع ترجمة ثالثة أبانَ فيها وجه الجمع بين الترجمتين السابقتين، فقال: "باب: الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم"، وأورد فيه حديث الدعاء لقبيلة دوس اليمانية بالهداية، وأن يأتوه مسلمين، فأجاب الله دعائه، وقدموا إليه مسلمين، وهذا وجه من وجوه الجمع بين الروايات.

ومن وجوه الجمع التي تقال في هذا المقام أن الدعاء على الكفار أو الدعاء لهم له أحوال؛ فحين يشتد عداؤهم ومحاربتهم للإسلام يدعى عليهم بكف شرهم وهزيمتهم، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الخندق ويوم بدر، وحين يرجى إسلامهم يدعى لهم بالهداية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع غفار وأسلم وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر: "كان -صلى الله عليه وسلم- تارة يدعو عليهم، وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم كما في قصة دوس".

ولهذا لم يكن دأب النبي –صلى الله عليه وسلم- ديمومة الدعاء على الكفار في كل حال بل كان يدعو عليهم في حال دون حال، وعلى قوم دون آخرين، فتارة كما في "المعجم الكبير" عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وتارة يقول: كما في البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد». ثم يقول وهو قائم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنى يوسف، اللهم العن لحيان ورِعْلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله». وبهذا تأتلف النصوص النبوية على هذا التفصيل، ويرتفع التعارض على هذا التأويل.

هذا، وقد حكى بعض شراح الحديث كابن بطال وغيره القول بنسخ جواز الدعاء على الكفار؛ ودليل النسخ عندهم قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]، ولا شك أن المسارعة إلى الحكم بالنسخ لمجرد التعارض مسلك لا يرتضيه عامة الشراح ما دام الجمع ممكناً بين الروايات.