نزل التكليف الإلهي الأول: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] للناس جميعًا، حيث تلقاه الرجال والنساء بكل لهفة، من أجل الاستزادة من العلم، وتعلم شؤون دينهم، شعورًا منهم بالمسؤولية التعليمية، وكان تعليمه صلى الله عليه وسلم للرجال والنساء واستقباله لهم على درجة واحدة من الاهتمام، ونزلت العديد من آيات القرآن، تخاطب المرأة بما تخاطب به الرجل، وهي أكثر من أن تحصى في مثل هذا المقال، منها قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة:9]، وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97].

دور المرأة في المجتمع

ينظر إلى دور المرأة في المجتمع ضمن الرؤية الإسلامية الشاملة، وضمن الضوابط الشرعية التي تحكم حركة المجتمع، وعطاؤها في جميع ميادين الحياة من أعلى أنواع الأهلية، وأرقى مراتب التكريم، ذلك أن كل أحكام الدين كانت تتلقى وتنقل من المرأة جنبًا إلى جنب مع أخيها الرجل، وقد كانت المرأة منذ فجر الإسلام سباقة للاطلاع على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأقواله وأفعاله، كيف لا وهي الزوجة الملازمة له صلى الله عليه وسلم في أكثر أحواله وأوقاته، من بيتها بدأ الوحي، فكانت زوجته خديجة رضي الله عنها هي أول الناس إيمانًا وتصديقًا، ثم بدأ الوحي يتوالى، في حجرات أمهات المؤمنين، فكان لهن شرف الاهتمام بالسنة، بل يصعب أن نجد مهمة للرجال في طلب الحديث وحفظه وتدريسه غير مهمة الرحلة في طلبه، التي كان يختص بها الرجال دون النساء لأسباب معروفة لنا جميعًا.

وما كانت هذه المكانة لتكون لولا اهتمام المصطفى صلى الله عليه وسلم بها ورعاية الإسلام لها الرعاية الكاملة، من حيث تعليمها وتنشئتها وإعدادها الإعداد النفسي والفكري، ومشاركتها في مجالس العلم، مما زاد في فضلها ومكانتها وجهودها في نشر الإسلام وتعليمه منذ عهد الصحابة، ثم التابعين وتابعيهم فيما بعد في كل زمان ومكان، فالإسلام أراد للمرأة أن تكون حاضرة شاهدة لمواطن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستزيدة من التوجيه النبوي، ومن ثقافتها ومعرفتها الشرعية في كل شؤون حياتها، فلم تغب عن حضور الصلوات وحلقات العلم في المسجد امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (رواه البخاري)، ولم يحصل هذا الغياب منها إلا في أزمان الانحطاط التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال تاريخها الطويل.

أما ما يخص طبقات الرواة من النساء القرون الثلاثة الأولى، فإن الطبقة الأولى هي طبقة الصحابيات، فقد بلغ عدد قائمة الصحابيات التي وردت لهن أحاديث في مسند بقي بن مخلد (216 صحابية)، ثم طبقة التابعيات، والتابعية هي من لقيت الصحابي، وهناك عدد كبير ممن لقين الصحابة والصحابيات، وروين عنهم أحاديث في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع.

ومن أشهر التابعيات الذين عرفن واشتهرن برواية الحديث: خيرة أم الحسن البصري - مولاة أم المؤمنين أم سلمة -، وزينب بنت كعب بن عجرة -زوج أبي سعيد الخدري-، وصفية بنت أبي عبيد بن مسعود -زوج عبد الله بن عمر-، وزينب بنت نبيط -زوج أنس بن مالك-، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة بنت عبيد الله العدوية، وعائشة بنت طلحة، وغيرهن الكثير مما يصعب حصره وبيانه.

المرأة والرحلة في طلب الحديث

حتى في مجال الرحلة في طلب الحديث، رغم صعوبته على النساء، إلا أن رحلتهن كانت قائمة منذ عهد الصحابة، فقد كان الصحابة والصحابيات يسافرن من أجل لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمعن منه القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم يرحب بهم جميعًا، ويعلمهم الإسلام، ويجيبهم على أسئلتهم، وقد ذكر ابن سعد في طبقاته من روت من النساء عن النبي صلى الله عليه وسلم من مختلف القبائل، وذكر من جاءته للبيعة ونقلت عنه بعض الأقوال أثناء تلك الأحداث المهمة، ومن الأمثلة على ذلك قصة الصحابية قيلة بنت مخرمة العنبرية التي كانت مع وفد بني بكر بن وائل، والتي تعطي تصورًا واضحًا عن مدى تحملهن للمشاق في سبيل ذلك، ولا ننسى في هذا المجال رحلتهن إلى الحبشة بصحبة أزواجهن.

أما رحلتهن بعد عصر النبوة، فقد انتقل نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمصار المختلفة، وكذلك رحلت أم عطية الأنصارية، وأسماء بنت يزيد بن السكن، بالإضافة إلى عدد كبير من الصحابيات، اللواتي انتشرن في الأمصار، مع أبنائهن وبناتهن، ولا ننسى في هذا المقام من كن يرحلن من الأمصار الأخرى إلى مكة والمدينة من أجل الحج وغيره.

المرأة وعدد الروايات في كتب السنة

أما عن دور المرأة في روايات كتب السنة، فنجد أن مجموع من لهن روايات من الصحابيات في الكتب الستة بشكل مباشر أو غير مباشر، بلغ حوالي مائة وخمس عشرة صحابية، حيث روى الإمام البخاري في صحيحه عن إحدى وثلاثين صحابية، وروى مسلم عن ست وثلاثين صحابية، وروى أبو داود عن خمس وسبعين صحابية، والترمذي عن ست وأربعين صحابية، والنسائي عن خمس وستين صحابية، وابن ماجه عن ستين صحابية.

مما سبق يتضح لنا أن عدد الروايات في الكتب الستة عن التابعيات بجميع طبقاتهم بلغ حوالي مائة وثلاث روايات، وهو موزع عبر الطبقات، ويلاحظ أنه يقل تدريجيًا، ويدل كذلك أن عدد رواياتهم أقل من عدد روايات الصحابيات.

ومن خلال تتبع كتب الطبقات، وتتبع كتاب (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للإمام المزي، وتتبع كتابه (تهذيب الكمال)، أو كتاب (تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر يتبين لنا أن حجم رواية النساء في الكتب الستة ليس بالعدد القليل، حيث تبلغ عدد روايات النساء في الكتب الستة من مجموع الكتب الستة حوالي 2764 حديثاً، منها 2539 رواية للصحابيات، منها حوالي 2081 رواية عن أم المؤمنين عائشة وحدها، ومنها حوالي 225 رواية لسائر النساء الراويات من غير الصحابيات.

ومما ينبغي ذكره أن الأحاديث التي روتها المرأة في كتب السنة كانت مادتها تتعلق بجميع أمور الحياة، من العقائد، والعبادات، والمعاملات، والآداب، وغيرها، وقد اشترك في نقلها إلى الناس النساء مع الرجال، غير أن كتب الحديث أوردت بعض الأحاديث التي تفردن بها، ولم يروها غير النساء، فكانت مرجعًا في الأحكام والاستدلال الفقهي، كحديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفقه وسكنى المبتوتة، وحديث أم عطية في غسل الميت، الذي يعد أصلاً في هذا الباب، وغيره من الأحاديث الشريفة.

المرأة ونقد الحديث

أما في مجال نقد الحديث، فلا أدل على ذلك من أن أم المؤمنين عائشة قد امتازت بالفهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانت تكثر طرح الأسئلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حول كل ما يمر بها، وكانت تستدرك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا من رواياتهم أو فهمهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ألف في هذا المجال الإمام الزركشي كتابه المشهور: (استدراكات عائشة على الصحابة)، وكان من منهجها في نقد الروايات تقوم على معارضة الروايات بالنصوص القرآنية، وتصحيح الرواية ببيان الخصوصية ثم تأييدها بالآية، وتصحيح الرواية بجبر النقص فيها وتأييدها للآية، ومعارضة الروايات بما تعلمه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.

المرأة وعلم الجرح والتعديل

أما دور المرأة في الجرح والتعديل، فالأدلة واضحة على مشروعية تعديل المرأة وتجريحها، بدءاً من قصة الإفك حيث استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة في أمر أم المؤمنين عائشة، فقال لها: «هل رأيت من شيء يريبك؟»، فقالت: "والذي بعثك بالحق ما رأيت عنها أمراَ قط أغمصه، غير أنها جارية حديثة السن، تنام على عجين أهلها فتأتي الداجل فتأكله". وغيرها من الروايات التي تدل على أن تعديل النساء لغيرهم لم يكن أمرًا مستنكرًا، بل كان مشهورًا، طالما تحقق شرط العدالة والمعرفة بأحوال من يراد تعديله أو تجريحه.

ومن الأمثلة على ذلك: تجريح أسماء بنت أبي بكر الصديق للحجاج بن يوسف الثقفي، حيث قالت: "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذاب ومبير، أما الكذاب فقد عرفناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه"، ففي هذا المثال يتضح أن أسماء رأت الحجاج فعلمت أن صفاته تجعله مبير بني ثقيف الذي ورد في الحديث الشريف، وهذا تجريح له منها، وهو ما اتفق عليه العلماء فيما بعد.. وختامًا فالموضوع طويل يصعب حصره في مثل هذا المقال، وخير الكلام ما قل ودل، وما لا يدرك كله، لا يترك جله، وبالله التوفيق.