إن عبادة التدبر ينبغي أن تتحوّل إلى قضية شعبية؛ تمتلئ بها المساجد، ويمارسها المسلم، ويقوم بها بحسب ما يتيسر له من الفهم؛ فحلقات تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في الأرض شرقًا وغربًا، عربًا وعجمًا، دولًا وأقليات؛ بدأت بفكرة رجل في يوم ما ووصلت اليوم إلى ما وصلت إليه من الانتشار بفضل الله ثم بفضل التوجه العام والتوجيه نحو ذلك، ولذلك والحمد لله تحوّل حفظ القرآن إلى ظاهرة عامة وتواطأ عليه الناس حتى غدا جزءً من حياتهم في تربيتهم أبناءهم.


كم من العبادات بحاجة إلى ثورة قلب وانتفاضة روح ومسيرة تذكير لإعادتها وإحيائها في حياة المسلم؟ فقد دُرست أو كادت كظاهرة مجتمعية وشعيرة قائمة، وقيام بعض الأفراد بها لا يسقط المطالبة بها والدعوة إلى إحيائها، خاصة عندما تكون هذه العبادة مطلوبة من جميع المكلفين وليس من عمومهم -وكل بحسب وسعه لا شك-. وتدبر القرآن الكريم مع أهميته وحاجة الناس إليه يكاد ينحصر في طائفة من الناس وفي فترة من الوقت، فقد أصبح التدبر غريبًا في وطنه وأسيرًا في داره، مع أن الخطاب الإلهي العظيم من الله تبارك وتعالى بيّن أن تدبر كلامه من أهم أغراض إنزاله، كما قال تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص:29].

قال ابن عطية رحمه الله تعالى: "وظاهر هذه الآية يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن" [1]، وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر" [2].

"وأما كون تدبر آياته من حكم إنزاله، فقد أشار إليه في بعض الآيات بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68]" [3].

"وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود" [4].

إن عبادة التدبر ينبغي أن تتحوّل إلى قضية شعبية؛ تمتلئ بها المساجد، ويمارسها المسلم، ويقوم بها بحسب ما يتيسر له من الفهم؛ فحلقات تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في الأرض شرقًا وغربًا، عربًا وعجمًا، دولًا وأقليات؛ بدأت بفكرة رجل في يوم ما ووصلت اليوم إلى ما وصلت إليه من الانتشار بفضل الله ثم بفضل التوجه العام والتوجيه نحو ذلك، ولذلك والحمد لله تحوّل حفظ القرآن إلى ظاهرة عامة وتواطأ عليه الناس حتى غدا جزءً من حياتهم في تربيتهم أبناءهم.

والتدبر لو تحوّل إلى قضية عامة وليس خاصة بالمتخصصين أكاديميًا أو هيئات ومؤسسات ومؤتمرات وإصدارات، ولو أصبح يمارس في مساجد المسلمين وتعقد مجالس مدارسة لآيات الكتاب الحكيم من الأئمة والدعاة؛ لكان من أعظم ما يربط المسلم بكتاب ربه عز وجل وما يجعله يعرف قيمة هذا الكتاب ومنزلته. وهنا أضع مقترحات لتحويل التدبر إلى عمل جماهيري ونشاط عام يستفيد منه المسلم:

- عقد مجالس مدارسة عامة في المساجد العامة الجامعة، يتدارس فيها الداعية والخطيب مع المصلين آيات من كتاب الله تبارك وتعالى مباشرة، مع ربط هدايات هذه الآيات بحياة الناس. ويحضرني هنا طيف الشيخ الشعراوي -رحمه الله- ودروسه القرآنية التي كانت تقرّب القرآن إلى أفهام الناس وحياتهم بسهولة ويسر، وهي دعوة أوجهها لكبار المشايخ والعلماء لأن يعقدوا مجالس مدارسة لكتاب الله سبحانه وتعالى في المساجد لعموم المسلمين.

- اعتماد جلسات تدبرية في حلقات التحفيظ القائمة بأن تكون من ضمن المقرر المطلوب تنفيذه من المدرس.

- القيام ببرنامج شخصي ذاتي يقوم به المسلم بحيث يعيد النظر في طريقة قراءته القرآن، والتي لا يوجد فيها تدبر، ويجاهد نفسه في أن يحقق صورة التدبر ويقف عند الآيات ويتأمل فيها ويعيش معها جزءً من وقته.

- توجيه الناس وتذكيرهم بموضوع تدبر القرآن، ونشر ثقافته، وتبيين منزلته ومكانته وأثره، وكيف كان السلف في هذا الباب.

- إقامة الدورات والمحاضرات والندوات بشكل مكثف حول موضوع التدبر وما يتعلق به في المناشط العامة والمراكز والتجمعات والمناسبات.

لا شك في أن هناك جهودًا فردية ومؤسسية عظيمة بذلت في السنوات الأخيرة أقامت لقضية التدبر وزنًا وأعادت لها ذكرًا، لكنها ما زالت أقل بكثير مما ينبغي أن تكون عليه، حتى في الوسط الدعوي والعلمي، فضلًا عن المستوى الشعبي والجماهيري.