الحمد لله وحده..
قال الحسن: "إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الوَرِع الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم".

وقال الغزالي: "كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب! ويدلك عليه قوله عز وجل: {...لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ...} [التوبة:122]. وما يحصل به الإنذار والتخويف؛ هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب، وينزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له!".

وقال أيضًا: "...منهم فرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات، وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد، وخصصوا اسم الفقه بها وسموه الفقه وعلم المذاهب! وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة، فلم يتفقدوا الجوارح ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام، ولا الرجل عن المشي إلى السلاطين وكذا سائر الجوارح، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وسائر المهلكات، فهؤلاء مغرورون!" (اهـ).

وقال أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة: "فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف، والرجاء، والرضى، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.. وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه" (اهـ).

وقال أبو العباس بن تيمية: "فنجد كثيرًا من المتفقهة والمتعبدة إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملاً، ويترك من طهارة القلب ما أُمر به إيجابًا أو استحبابًا، ولا يفهم مِن الطهارة إلا ذلك!" (اهـ).