الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما ابتلانا وعافانا، والحمد لله حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي وله الحمد بعد الرضا، ولا حول ولا قوة إلا به.

- سبحانه - أشهد أوليائه لذة طاعته، وجعل ما يُجري عليهم من قضائه بلسما مع الرضا، وعافيةً بعد القضاء، وسلوانا وعوضا بالتقوى.

اللهم إنا نسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

أشهد ألا إله إلا الله إلهاً قاهراً حكيماً، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه بعثه الله هادياً كريماً، وبالمؤمنين رحيماً، فسبحان من شرح له صدره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، جعل لنا منه في كل حالٍ من أحواله مدَّكراً، وأجرى عليه من قدره ما يكون لنا فيه معتبراً، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله الطيبين، وعلى صحابته الأكرمين، وسلم تسليماً.

أما بعد، فـ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)

أيها المسلمون: إن ابتلاء الله لعباده سنةٌ ماضيةٌ، له فيها أعظمُ الحكمة، فلا يكاد يسلم لأحد من الناس عيشُه في هذه الدنيا دون منغِّصاتٍ ومكدِّرات، وابتلاءات واختبارات، يُظهر الله بها فضلَ ذي الفضل، وجزعَ وهلعَ من قصَّر به العقل، والله غالبٌ على أمره، قضاؤه نافذ، وحكمته بالغة، وإليه المنتهى، وليس إلى غيره المشتكى، دارنا هذه دار اجتياز وممر، لا يطمئن إليها ويغتر بها إلا الغُمْر الأغر، من فاته التدبير، وحُرم من التوفيق، فاللهم رحماك رُحماك، اللهم اجعل بلاءك علينا تثبيتاً على طاعتك، وعافيةً مع حسن عاقبةٍ من عندك.

ولو كان يسلم من البلاء أحدٌ لسلم منه آدمُ ونوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى، فإن لم يسلم منه واحدٌ منهم، بل أصاب شررُه نبي الهدى والمُكرمات - صلى الله عليه وسلم - فمن ذا الذي يسلمُ بعد ذلك.

وإن شر البلاء أن يُبتلى البريء في عرضه، وأن يحوم ذبابُ الفتنة؛ ليقع على علوِّ الشرف، وطهارةِ الكَنَف، أن يقع على بريء العِرضِ نقيِّ الساحة، أو أن يقع على نقيات الجيوب، المبرآت من العيوب؛ ليكون العرضُ المصونُ مضغةَ كل لسان، وحديثَ أيِّ إنسان.

نعم ابتُلي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في عرضه، فلم يكن كبعض الحمقى إذ يبادر بالعقوبة قبل التأكد من الجناية، أو يسارع بالظلم والإضرار، وإن كان هو البادئ بالذنب بالاختيار، نعم ابتُلي النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرضه فكان مدرسةً في التثبت والتمهُّل، كان مدرسة في عفة اللسان، كان مدرسة في حسن التصرُّف، كان مدرسة في معاملة من وقعوا في عرضه بالعدل وعدم انتقام والتشفي وهو القادر على ذلك لو أراده.

فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ -وفي رواية: فلمستُ صدري، فإذا عقدٌ لي من جَزع أظفار قد انقطع- فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ. فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا".

قال الحافظ ابن حجر: " يُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بَعِيرهَا كَانُوا فِي غَايَة الْأَدَب مَعَهَا وَالْمُبَالَغَة فِي تَرْك التَّنْقِيب عَمَّا فِي الْهَوْدَج بِحَيْثُ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهَا فِيهِ".

قالت - رضي الله عنها -: "فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ!! فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ، فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ -وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا- وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا... فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ، قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ!! فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -تَعْنِي سَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟، فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ وَفِي رِوَايَة هِشَام " فَقُلْت: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْت: وَرَسُول اللَّه؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَرَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - " قالت: " فَاسْتَعْبَرْتُ فَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْر صَوْتِي وَهُوَ فَوْقَ الْبَيْت يَقْرَأ فَقَالَ لِأُمِّي: مَا شَأْنُهَا؟ فَقَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا بُنَيَّة إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتك، فَرَجَعَتُ"

قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: " لَمَّا بَلَغَنِي مَا تَكَلَّمُوا بِهِ هَمَمْت أَنْ آتِيَ قَلِيبًا فَأَطْرَحَ نَفْسِي فِيهِ "، وفي رواية للبخاري عن أمها أم رومان أنها قالت عن عائشة: "فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا اِسْتَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتهَا " وَفِي رِوَايَة قالت عَائِشَة: " فَأَلْقَتْ عَلَيَّ أُمِّي كُلّ ثَوْب فِي الْبَيْت "

قالت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - رضي الله عنهما - حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا -يريد بقوله: (أهلك) أَيْ الْعَفِيفَة اللَّائِقَة بِك-، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَهُ عَلِيّ حَمَلَهُ عَلَيْهِ تَرْجِيح جَانِب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا رَأَى عِنْدَهُ مِنْ الْقَلَق وَالْغَمّ بِسَبَبِ الْقَوْل الَّذِي قِيلَ، فَرَأَى عَلِيّ أَنَّهُ إِذَا فَارَقَهَا سَكَنَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْقَلَق بِسَبَبِهَا إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ بَرَاءَتُهَا فَيُمْكِنُ رَجْعَتُهَا.

قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، وَفِي رِوَايَة: " فَقَالَتْ الْجَارِيَة الْحَبَشِيَّة: وَاَللَّه لَعَائِشَةُ أَطْيَب مِنْ الذَّهَب، وَلَئِنْ كَانَتْ صَنَعْت مَا قَالَ النَّاس لَيُخْبِرَنَّك اللَّه ".

فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ؛ إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ.

فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ.

قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا قال الحافظ ابن حجر: وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق التَّصْرِيح، فَلَعَلَّ الْكِنَايَة مِنْ لَفْظ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا قَالَ!! قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -!! قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. قَالَتْ: فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).

قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ - عز وجل - فَقَدْ بَرَّأَكِ!! فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ!! قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ - عز وجل-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل -: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ(12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ(13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، وذكر بعضُ أهل العلم أنه نزل في هذه الحادثة ست عشرة آيةٍ من سورة النور.

قالت - رضي الله عنها -: فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه -وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ". الحديث متفق عليه. رواه عن عائشة عشرةٌ من التابعين، ورواه من الصحابة غير عائشة ستةٌ منهم - رضي الله عنهم -.

أيها المسلمون: قد برَّأ الله يوسف بالشاهد من أهلها يشهد له، وبرَّأ بالحجر موسى يهرب بملابسه ليعرف الناس سلامته، وبرَّأ مريم بما أنطق به ولدها، ولم يرض لعائشة لما رُميت بما رُميت به حتى برَّأها الله بآياتٍ تُتلى من القرآن، أيُّ عرضٍ كريم، وأي شرف باذخ أن يتولى الله - تعالى -من فوق عرشه الدفاع عن عرض الطاهرة المطهَّرة - رضي الله عنها -. وقد جعل الله لها في ذلكم الابتلاء خيراً كثيراً (لا تحسبوه شراً لكم بل هو خيرٌ لكم) فعَظُم بذلك ثوابُها، وحصلت لها البراءةُ القطعية؛ لأن الله قد حكم ببراءتها واقعاً، قال بعضُ أهل التفسير: ((ومعنى كونه خيراً لهم: أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم؛ لأنه كان بلاء مبيناً ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية كلُّ واحدةٍ منها مستقلةٌ بما هو تعظيمٌ لشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتسليةٌ له، وتنزيهٌ لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهيرٌ لأهل البيت، وتهويلٌ لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجُّه أذناه، وعدةُ ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائدُ دينية، وأحكامٌ وآدابٌ لا تخفى على متأمليها)).

وإذا عُلم ذلك فإن قاذفها يكفُرُ لمخالفته ومعاندته لصريح القرآن.

قال أبو السائب القاضي: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي [بطبرستان] وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى المدينة يفرق على سائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة!! فقال: يا غلام اضرب عنقه. فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا!! فقال: معاذ الله!! هذا رجل طعن على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الله - تعالى -: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم) [النور: 26] فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - خبيث؛ فهو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه و أنا حاضر رواه اللالكائي.

وهكذا من قذف أو اتهم أي واحدةٍ من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن فإنه يكفرُ بذلك على الصحيح؛ لأن هذا فيه عارٌ وغضاضةٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأذى له أعظمَ من أذاه بنكاحهن بعده.

وقد كان شأن الكُمَّل من الصحابة أن يحفظوا ألسنتهم ولا يخوضوا فيما ليس لهم به علم، كما فعل أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، فقد َرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق " حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ بَعْض رِجَال بَنِي النَّجَّار أَنَّ أَبَا أَيُّوب قَالَتْ لَهُ أُمّ أَيُّوب: أَمَا تَسْمَع مَا يَقُول النَّاس فِي عَائِشَة؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الْكَذِب، أَكُنْتِ فَاعِلَة ذَلِكَ يَا أُمّ أَيُّوب؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللَّهِ خَيْر مِنْك، قال – تعالى- : (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفكٌ مبين).

قال بعض المفسرين: "ولو فَلَيتَ القرآن كلَّه وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله - تعالى -قد غلَّظ في شيء تغليظَه في إفك عائشة رضوانُ الله عليها، ولا أنزلَ من الآيات القوارع، المشحونةِ بالوعيدِ الشديد والعتابِ البليغ والزجرِ العنيف، واستعظامِ ما رُكب من ذلك، واستفظاعِ ما أُقدم عليه، ما أَنزَلَ فيه على طرقٍ مختلفة وأساليبٍ مُفْتَنَّةٍ، كلِّ واحدٍ منها كافٍ في بابه، ولو لم يُنزل إلاّ هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القَذَفَة ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتَهم وأيديَهم وأرجلَهم تشهدُ عليهم بما أفِكوا وبَهَتوا، وأنه يوفيهم جزاءَهم الحقَّ الواجبَ الذي هم أهلُه، حتى يعلموا عند ذلك (أَنَّ الله هُوَ الحق المبين) فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرّر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلاّ ما هو دونه في الفظاعة، وما ذاك إلا لأمر" يعني تبرئة ساحته - صلى الله عليه وسلم -.

وقد هلك في أم المؤمنين طوائف:

فمن ذلك أن بعض الشيعة الإثني عشرية يرمون عائشة بما برأها الله به، بل ويدعي بعضهم أن هذه الآيات إنما نزلت في مارية القبطية - رضي الله عنها -، وأن الذي رماها بالفِرى هي عائشة، كبُرت كلمة تخرُجُ من أفواههم إن يقولون إلا كذباً، وقد حكى الإجماع على نزول آيات سورة النور في شأن عائشة طوائف من أهل التفسير، فلم يعُد بعد قولهم لقائل مقالاً.

ومن ذلك بعضُ نصارى العرب وبعضُ المستشرقين، وهؤلاء لحقدهم يبحثون في الإسلام والقرآن ليقعوا منه على ما يؤذون به الإسلام ونبيَّ الإسلام، ولا يزيد ذلك الدين إلا رسوخاً، بل إن بعضهم ليدرس القرآن ليبحث عن عيبه، فإذا به يُدهش لنوره وعظمته، فينقلبُ غير الرجل الذي كان من قبل، ويدخل بعضهم في الإسلام، وقد قال بعض المستشرقين بأنه لو لم يكن هناك دلالةً واضحةً على صدق نبوة رسول الله إلا هذه القصة لكفى بها دلالة على ذلك.

ومن ذلك بعض العلمانيين العرب، الذين لم يزيدوا الأمة إلا خساراً، ولم نعرفهم إلا في تتبع عورات المسلمين، (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)، في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله الطيبين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه والتابعين وسلِّم تسليما كثيراً.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، له الحمدُ وله الشكر، وله الكبرياء. أشهد ألا إله إلا هو الكريم الرحيم، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أيها المسلم، قد تعرض لك المصيبةُ جنبني الله وإياك كل مكروه- فإن نزل بك من ذلك شيءٌ فاعلم أنك عبدٌ لله، مملوكٌ، مُمتحَنٌ، يختبرك ربُّك ليعلم رضاك عنه، وقد امتحن من هو خيراً منك، ولا يكون الواحد من الناس بعد امتحان الله له إلا زائداً بصبره ورضاه، أو ناقصاً بجزعه وشكواه، فاختر لنفسك، واستعن بربك، وتأسَّ بنبيِّك، فإن المتأسي يخف عليه المصاب.

ثانياً: إذا كان المُصاب في أهلك أو عرضك فإياك والحماقة، والعجلة، فكم من نقية الثوب، طاهرة العرض وقع فيها من ليس بكفؤِها، ولكن العاقل يعرف أهله، ويربيهم في السعة بما يرضيه عنهم في وقت الضيق. ومن عرف عفاف زوجته دهراً ثم شك فيها لقالةٍ أو موقفٍ فهو أحمق، ومن عرف عدم عفافها فأبقاها فهذا مطعونٌ في ديانته، ومن شك فليتثبَّت، ولا يأخذ البريء بجريرة لم يرتكبها.

ثالثاً: حافظ على عرضك وسُمعتك، وجنِّب نفسك وأهلك أي سببٍ من أسباب التُّهمة، واعلم أن من جعل نفسه عُرضةً للتهمة فإن من الناس من سيسيء به الظن، وها هو أطهرُ عرضٍ على وجه الأرض قد مسه بعضُ الشيء دون أي ذنب أو تقصير، فلا يكون ذلك يقعُ لخير البشر - ويمتنعُ عليك أنت. فاحذر الفتنة، وأغلق بابها، فلا تخلون بامرأة، ولا يدخلن رجلٌ على أهلك، ربِّها على الحياء والحشمة، عوِّدها المبالغة في السِّتر والصيانة، جنِّب موليَّاتك مخالطة الرجال، ومحادثة الرجال، واسأل الله العافية. واحذر أن تلج أبواباً من الحرام تفتح بولوجك فيها أمثالها على أهلك، فالحذر الحذر.

أيها المسلمون: إن حديثنا هذا حديث عظيم، والخطب فيه خطب ثقيلٌ جليل، وقد استخرج منه أهل العلم ما يربو على المائة من الفوائد والأحكام والآداب، وإنما أطفنا ببعض ذلك، وبلغنا فيه ما سمح به الوقت، اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واجعل الأمن والاطمئنان في بلادنا وبلاد المسلمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظنا في أعراضنا، وجنبنا أسباب الفتنة والعطب.

اللهم وفق حكام المسلمين لتحكيم دينك، وإقامة شرعك، واهدهم لما فيه صلاح البلاد والعباد، وخص اللهم بمزيد توفيقك وهدايتك من تولى أمر هذه البلاد، اللهم حبب إليهم الإيمان والتقوى، وانشر بهم كلمة الحق والعدل، واجعلهم اللهم رحمة على الناس، وحَمَلَةً للدين، وأصلح لهم البطانة يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث، وأنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع، وتب علينا واغفر لنا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدرارا

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وآله وصحبه أجمعين.