الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علماً وهو على كل شيء قدير وجعل لكل شيء قدرا وأجلاً؛ مطابقاً لعلمه وحكمته وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والخلق والتدبير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المعاد والمصير وسلم تسليماً.

أما بعد أيها الناس:

اتقوا الله تعالى وآمنوا به وآمنوا بقضائه وقدره فإن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان فلن يتم الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدر خيره وشره ولا يتم الإيمان بالقدر حتى يؤمن الإنسان بأربعة أمور:

الأمر الأول:

علم الله المحيط بكل شيء فإنه سبحانه بكل شيء عليم.

عليمٌ بالأمور كلها دقيقها وجليلها سِرّها وعلنها فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء.

الأمر الثاني:

أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة من قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فإن الله لمّا خلق القلم: قال له اكتب قال ربّ وماذا أكتب قال اكتب ما هو كائن فكتب بعلم الله وإذنه ما هو كائن إلى يوم القيامة فما كتب على الإنسان لم يكن ليخطئه وما لم يكتب عليه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}[الحديد: 22-23].

فعلى العبد إذا جرت الأقدار على ما لا يحب أن يرضى بقضاء الله وقدره وأن يستسلم للقضاء المكتوب فإنه لا بد أن يكون ويقع فلا راد لقضاء الله وقدره لكن الفخر كل الفخر لمن يقابل ذلك بالرضا، ويعلم أن الأمر من الله إليه وأنه سبحانه له التدبير المطلق في خلقه فيرضى به رباً ويرضى به إلهاً وبذلك يحصل له الثواب العاجل والآجل.

فإن من أُصيب بالمصائب فصبر هدى الله قلبه وشرح الله صدره وهون عليه المصيبة لما يرجو من ثوابها عند الله، ثم إذا بعث يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى الأجر والثواب وجد أجر مصيبته وصبره عليها مدخراً له عند الله. وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وكما أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء فكذلك يكتب سبحانه ويقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة كلها كما قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}[الدُّخان: 4].

وكذلك يكتب على الإنسان وهو في بطن أمه ما سيجري عليه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»[متفق عليه].

وهذا الرجل الذي كان يعمل بعمل أهل الجنة ثم ختم له بعمل أهل النار إنما كان يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ولم تكن نيته في الإخلاص والقصد نية مستقيمة فلذلك عوقب بسوء الخاتمة كما جاء ذلك مفسرا في حديث آخر.

الأمر الثالث:

مما يتم به الإيمان بالقدر أن تؤمن بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فمشيئة الله فوق كل مشيئة وقدرته فوق كل قدرة: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[التكوير:29]، {وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[يوسف: من الآية 21].

الأمر الرابع:

أن نؤمن بأن الله خالق كل شيء، ومدبر كل شيء، وأن ما في السماوات والأرض من صغير ولا كبير ولا حركة ولا سكون؛ إلا بمشيئة الله وخَلقَه فمن الأشياء ما يخلقه الله بغير سببٍ معلوم لنا، ومنه ما يكون سببه معلوماً لنا والكل من خلق الله وإيجاده.

فنسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعلنا وإياكم ممن رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأن يُقدّر لنا بفضله ما فيه صلاحنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة إنه جوادٌ كريم.

وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وآله وأصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.رحلة الإسراء والمعراج كانت معجزة، أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بالبراق، ومن ثم كان العروج إلى السماوات السبع إلى سدرة المنتهى في لمح البصر، ولم يكن ذلك في الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة فلِمَ؟

نقول -والله أعلم- أن الهدف من الإسراء والمعراج كان التسرية والطمأنة لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة بعد شدة التعذيب والتضييق على الدعوة وعلى الأصحاب وفقدان زوجه خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب، وحينما ذهب إلى الطائف يلتمس الزرع في أرض ظنها خصبة، فما وجدها إلا سبخًا من الأرض، فأغروا به السفهاء والصبيان وأدموا قدمه الشريف وأسالوا الدمع من عينيه الشريفتين، فاجتمع عرق طاهر ودموع نقية ودم شريف، وطَرْدٌ ومحاربة، وتعذيب بدني، والأعظم منه التعذيب المعنوي الذي يشعر به كل داعية عندما لا يجد لدعوته صدى، ولا يجد لزرعه تربة خصبة، ولا يجد لدينه جنديًا ناصرًا ومعينًا، وظن صلى الله عليه وسلم أنه أخطأ في شيء.

فأجابته السماء برحلة التكريم والاحتفاء -الإسراء والمعراج- حتى يطمئن قلبه أنه في طريق الحق سائر.
فكانت منحة بعد محنة، ويسرًا بعد عسر، مكافأة ربانية على صبره وجهاده في سبيل ربه لتبليغ دعوته.
فلا بد من معجزة إذًا يذهب فيها إلى بيت المقدس فيصلي إماما بالأنبياء في المسجد الأقصى، يتسلم منهم الراية، ولا بد من الاتصال المباشر إلى عالم السموات العلا، إلى عالم الملائكة، إلى حضرة الجليل سبحانه، ويتحول الغيب إلى شهادة فيرى في السماء أبا الأنبياء إبراهيم وكليم الله موسى وهارون وغيرهم، ويرى السماوات والجنة والنار، ونماذج من النعيم والعذاب، يرفعه إليه من بين هذه الخلائق جميعاً، ثم يعيده إليهم فيحدثهم بما رأى في هذه الرحلة الميمونة الخالدة.

إن الله عز وجل أراد أن يتيح لرسوله فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته، وتوطئة للهجرة ولأعظم مواجهة على مدى التاريخ للكفر والضلال والفسوق حتى يملأ قلبه ثقة فيه واستنادًا إليه، حتى يزداد قوة في مهاجمة سلطان الكفار القائم في الأرض، كما حدث لموسى عليه السلام فقد شاء الله أن يريه عجائب قدرته.

الهجرة تأسيس للدولة: والسؤال هنا لِمَ لَمْ تقم الهجرة على المعجزة الربانية مثلما حدث في رحلتي الإسراء والمعراج، يأتيه البراق ويذهب به إلى المكان الذي يريده؟ نعم كان من الممكن أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بكلمة كن، ولكن لم يحدث لأن الهدف من الهجرة هو تأسيس دولة الإسلام، ودولة الإسلام لا تقوم على المعجزات ولا خوارق العادات، فلا بد من بذل الجهد البشري القائم على التخطيط والأخذ بالأسباب، ولكي يتعلم الناس هذه السنة الكونية التي لا ينصلح الكون إلا بها ولا يقوم الدين إلا بها.

لا بد من التضحيات فيهاجر الصحابة الكرام المسافات الطوال، ربما على أقدامهم ويتركون الأهل والأولاد ويضحون بالمال وما يملكون، ويعادون قومهم وعشيرتهم، ومنهم من ترك زوجه وولده وهاجر، ونام علي كرم الله وجهه مكان النبي صلى الله عليه وسلم وعُرِّض للقتل، وسلك النبي والصِّدِّيق طريقًا وعره وتوارى في الغار ثلاثة أيام، ووصلت يد الشر إلى الغار حتى شعر الصديق بالخطر والخوف على صاحب الرسالة..

وبعد وصول المسلمين إلى المدينة لم يقتصر دورهم ولم ينحصر همهم في تشييد المساجد، وعقد اللقاءات والندوات واجتماعهم بالنبي صلى الله ليتلقوا منه القرآن والحديث، فيصلوا ويقيموا الليل ويصموا النهار وحسب، بل كانت الحياة في المدينة أشد من الحياة في مكة، حياة الجهاد والتضحيات، فكانت غزوة بدر ومن بعدها أحد فتربى الصحابة الكرام كما يقول صاحب الظلال: "لا بالكلام ولا بالعتاب، ولكن بالدماء والآلام، ودفعوا الثمن غالياً جراحاً لم تكد تدع أحداً معافى، وشهداء كراماً فيهم سيد الشهداء حمزة رضى الله عنه..

وأغلى من ذلك كله وأشد وقعاً على الجماعة المسلمة كلها جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشَجّ وجهه الكريم، وكَسْر رباعيته في فمه، ووقوعه لجنبه في الحفرة التي حفرها أبو عمرو الفاسق حليف قريش مكيدة للمسلمين، وجَهْد المشركين له صلى الله عليه وسلم وهم يطاردونه، وهو مفرد في نفر من أصحابه استشهدوا واحداً بعد واحد وهم يذودون عنه، ويترس أبو دجانة بظهره عليه يقيه نبل المشركين، والنبل يقع في ظهره فلا يتحرك، حتى ثاب إليه المؤمنون من هزيمتهم وحيرتهم، وهم يتلقون هذا الدرس الشاق المرير" (من كتاب هذا الدين بتصرف).

وكانت من بعدها مأساة الرجيع (عَضَل وقَارَة) مأساة الغدر والخيانة، وفي الشهر نفسه الذي وقعت فيه مأساة الرَّجِيع وقعت مأساة أخري أشد وأفظع من الأولى، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة، سبعون من خيرة علماء الصحابة من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرَّائهم، فكانوا يحتطبون بالنهار، يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن ويصلون بالليل، قتلوا غدرًا.

وكانت غزوة الأحزاب والرعب الذي أصاب المسلمين {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:10-11]، وكانت خيانة اليهود على مراحل ثلاث (بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة)، وكانت غزوة مؤتة ومحاربة الفرس والروم، وكان كل هذا الكفاح الدامي.

فإن أردتم بناء هذه الأمة فطريقنا فهم صحيح دقيق للدين ومقاصده، وإخلاص لا تشوبه شائبة، وعمل لا ينقطع وجهد ومجاهدة النفس والأعداء، وبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، وثقة لا يعتريها الضعف ولا الخوار وثبات الجبال، فلم تكن الهجرة فراراً من الجهاد أو تهرباً منه، وإنما إعداداً لأعبائه، ولا خوفاً من الأذى، ولكن توطيداً لدفعه، ولا جزعاً من المحنة، ولكن توطيناً للصبر عليها، أجل لم تكن فراراً من القدر، ولكنها كانت فراراً إلى القدر، ولا مجرد انتقال مكاني، وإنما فاتحة العمل الجاد المتواصل لتغيير الأرض، وتحويل مجرى التاريخ، ووضع أسس البناء الإسلامي الشامخ.

ولو هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أجنحة الملائكة لكان من حقنا أن نجلس في بيوتنا ننتظر سقوط الانقلاب وهلاك الظالمين، وننتظر نزول الملائكة لبناء الدولة وإنشاء المنشآت، وإذا لم يكن هذا فوجب علينا أن نسلك طريق رسولنا، طريق مقاوة الظلم والظالمين، وعندها سيكون البلاء والعنت والمحن والكربات، ومن بعدها التأييد الرباني والتوفيق الإلهي بما لا يخطر على بال أحد.

لا بد من الابتلاء: لقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم من الفتن والأذى والمحن ما لا يخطر على بال في مواقف متعددة، وكان ذلك على قدر الرسالة التي حُمِّلها، ولذلك استحق المقام المحمود والمنزلة الرفيعة عند ربه، وقد صبر على ما أصابه، إشفاقاً على قومه أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم الماضية من العذاب، وليكون قدوة للدعاة والمصلحين، فإذا كان الاعتداء الأثيم، قد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعد هناك أحد لكرامته هو أكبر من الابتلاء والمحنة، وتلك سنّة الله في الدعوات، كما سئل صلى الله عليه وسلم: "أَىُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْباً اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِى دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِىَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِى عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجة، وأحمد).

وما أروع ما قال الشهيد سيد قطب في ظلاله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، إن هذا السؤال من الرسول الموصول بالله، الذين آمنوا بالله {مَتى نَصْرُ اللَّهِ}، ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب، وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء..

الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى {نَصْرُ اللَّهِ} لا إلى أي حل آخر، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله ولا نصر إلا من عند الله: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران:186]، إنها سنة العقائد والدعوات، لا بد من بلاء، وأذى في الأموال والأنفس، ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام إنه الطريق إلى الجنة: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (رواه مسلم).

ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة وتنهض بتكاليفها، طريق التربية لهذه الجماعة؛ وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال، ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً، فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها والصبر عليها فهم عليها مؤتمنون، ولكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال، فلا يفرطوا فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال، ولكي يصلب عود الدعوة والدعاة فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة وتنميها وتجمعها وتوجهها.

التمكين ليس بالمجان، فلو كان النصر رخيصاً لكانت الدعوات هزلاً، ولو كان النصر رخيصاً لقام في كل يوم دعيٌّ بدعوة لا تكلفه شيئاً، أو تكلفه القليل، ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثاً ولا لعباً، فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء.

والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة لذلك يشفقون أن يدَّعوها، فإذا ادَّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد، التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون الذين لا يتخلون عن دعوة الله، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة!

إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل؛ إما أن تربح ربحاً معيناً محدداً في هذه الأرض، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحاً وأيسر حصيلة! والذي ينهض بالدعوة إلى الله يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال، ويملكون استخفاف الجماهير، حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات!

ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثيرة التكاليف أيضاً. وأنه من ثم لا تنضم إليها في أول الأمر الجماهير المستضعفة، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا، وأن عدد هذه الصفوة يكون دائماً قليلاً جداً، ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق بعد جهاد يطول أو يقصر، وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجاً.

النصر الرخيص لا يبقى، ولم يرد الله أن يكون حملة دعوته وحماتها من (التنابلة) الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء ثم يتنزل عليهم نصره سهلاً هيناً بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء!

نعم إنهم يجب أن يقيموا الصلاة وأن يرتلوا القرآن، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء، ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها؛ إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة، والذخيرة التي يدخرونها للموقعة، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه، ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله، فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها، كما تستيقظ وهي تواجه الخطر؛ وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة، عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه وتبذل آخر ما تنطوي عليه؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.

والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفر كل استعدادها وتجمع كل طاقاتها، كي يتم نموها ويكمل نضجها وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها، والنصر السريع الذي لا يكلف عناء يعطل تلك الطاقات عن الظهور لأنه لا يحفزها ولا يدعوها..

والنصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه..
أولاً لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة..
وثانياً لأن الذين نالوه لم تدرَّب قواهم على الاحتفاظ به، ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه.
فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه.

وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة، والكر والفر، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر، ومن المشاعر المصاحبة لها من الأمل والألم والفرح، والغم والاطمئنان والقلق، الشعور بالضعف والشعور بالقوة، والحق سبحانه يدافع ويدبر لأهل الحق دائمًا فثقوا بربكم أنه يدبر لكم نصرًا غاليًا يبقى ويثلج صدوركم، فكان لا بد من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وانكشاف المنافقين وفضح المعاندين، حتى يكون النصر ثمينًا غاليًا باقيًا {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:181-182].

عبد الوهاب عمارة
إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف